Al Jazirah NewsPaper Tuesday  08/12/2009 G Issue 13585
الثلاثاء 21 ذو الحجة 1430   العدد  13585
أقيموا الصلاة من دون هذه الأخطاء

 

من مادة مقلقة -(لذوي الألباب)- بقلم عبدالله البريدي، بعنوان نُصلّي، ولا نصلي، وذاك: في صحيفة الجزيرة ذات العدد 13572، ما استحثني لإيراد ما أضمرته وأظهرته، عن أمر هام، بخاصة هذه الأيام.

واضح مقصد العنوان أننا (نُصلي، ولا نُصلي) أي نقوم بها كحركات و...إلخ، لكن لا نقوم حق (قيامها) أي: صلاة إيمان وخشوع، وللمولى خضوع. طبعاً هذا لا يشمل الكل، ولا الغالب -بإذن الله- لكن مؤداها في فئة عريضة موجودة -للأسف- حتى لتجد من تمادٍ غُلماناً يدخل أحدهم المسجد والإمام قائم بالصلاة.. ويتلاعب، فلا يدخل معه إلا حال ركوعه. أيضاً أقول بنزرٍ عن هذا، ولم أدخل بعدُ.. إلى جراح.. ما يدخل بها، من بين كثرة حركة، نغمات الجوال، عدم الحرص على سنّة التراص، التراخي في الحضور باكراً لها (فكم صف تفوتهم الركعة الأولى) فضلاً عن تضييع حضور تكبيرة الإحرام انتظاراً للإقامة فيحرك (عندها) من في بيته ساكناً إليها.. إلخ.

وقبل العتب على ما يحدث داخل الصلاة، تعال معي نتكلم -ولو - عما يحدث قبل الولوج إليها، فإن العنوان الذي وضعه أخي (البريدي) ينبئ عن ذلك.. وك(مشهدٍ) أهم يأتي أحدهم -وهذا مُشاهد بكثرة حول المساجد التي على (الطُّرقات الرئيسة)- ف..يوقف سيارته كيفما اتفق، ثم ينزل مهرولاً متناسياً حديث (امشوا وعليكم السكينة)، ثم يضع - أكرمكم الله- حذاءه في أي مكان، وكأن تلك الخزائن الموضوعة في غالب أبواب المساجد هي (للزينة) فحسب!

..وهنا نقول الحقيقة أن هذه السلوكيات الخاطئة شاهدها في نماذج تراكم زحمة السيارات إذا ما ازدحم الطريق، فصعّدت مراكب أولئك (المهرة) الذين الخط لهم -وحدهم- أو دونه القبرُ!! ولو على أكتاف الطرق السريعة، الموضوعة أصلاً (تلكم الأكتاف) للطوارئ.. الحوادث..إلخ -لا سمح الله.

من أول وهلة تظن أن هذا لديه مشاغل جمة لا يستطيع تلاحقها مما قد تعذره على هذا التصرف، أو تحسب أنه من فئة الوقت -فعلاً- لديهم له قيمة (أي كما يقولون من ذهب)، لكن إذا ما استقصيت حاله.. وجدته يهدر غالبه في فراغ -إن لم نقل لهو مُباح- فهو فارغ (لا أقول الرأس) ولكن من الجدول، أو تلك المهام التي قد تلمس له (ولو) شيئاً من العذر، أو أن لديه ما تقبله ولو ظاهراً.. ذلك التصرف الأرعن، بل إن نموذج أولئك ليس تجزم أن للوقت أصلاً لديه قيمة، فقد يضع قدماً على أخرى في مقهى ويمضي الساعات بقراءة صحيفة أو عابثاً بجهازه المحمول، وهكذا، بينما إذا أتى إلى هذه الفريضة العظيمة وما يتوجب لها، وقد جُعلت (قرة عين) للرسول صلى الله عليه وسلم، بل إن هذا (القدوة) صلى الله عليه وسلم إذا ما حزبه أمر نادى مؤذنه بلالاً رضي الله عنه آمراً أن (أرحنا بها)، لأنها أنس الموحدين، والصلة لنا برب العالمين، تقع منّا أو (قدرها).. ما يقع، والمنادي في غسق الليل -بها- ينادي:

أيها (النوّام) قوموا للفلاح

واذكروا الله، الذي أجرى الرياح

فكيف بالله يكون -بعدها- كذا قدرها، وهي (ركن الإسلام) الثاني التي أتت في كتاب الله بـ(94) موضعاً أو تزيد، بين تذكير وأمرٍ بها وحمدٍ لأهلها، من ذاك قول إبراهيم عليه السلام (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي) (سورة إبراهيم 40)، فلم يقف بدعائه على تأديتها، كما لم يقف بطلبه من ربه على خويصة نفسه، فلا عجب أبداً أن يكون مقامها جليلاً، لأن أول صفة للمؤمنين أنهم (يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ) (سورة المائدة 55)، أي يؤدون ولا يعطلون -فإن نقيض التأدية: التعطيل- وتأتي لفظة (يؤدون) بمراد: يُتمّون. فيما تجد منطق صنيع أولئك أن: أرحنا منها، أو كأنها (همٍّ) يريد أن يضعه عن كاهله، أو يخففها عن أوزاره -إلا ما شاء الله- وقد تحسب أن الحديث يعنيه (ينقرها نقراً).

ليُعلم أن ديننا (حضاريٌّ) في سمته، كما هو كذلك في تعاليمه.

ومن ذاك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) (سورة الصف4)، ولم يقل سبحانه (يأمر) كما في مطلب آخر، في الآية: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (سورة النحل 90).

وهذا دليل أن هناك ما يأتي طلبه بالتحبب، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (نِعم الرجل عبدالله، لو كان يقوم من الليل).

وهذا المعنى لا يذهب لاستقصاء أبعاده إلا من يُؤتى الحكمة -الفهم- وعندها ليُعلم أنه (... فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (سورة البقرة 269).

ولعل هذا يقوم مقام العتب مع ما سبق.. في فهم لهذا الحديث: (لو يعلمون ما في الصف الأول ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لفعلوا)، ف..حين يأتي أحدهم متأخراً، ويصعّد فوق الأكتاف ليبلغ درجة كهذه، وينسى في خضم (سوء) صنيعه الحديث (من أتى في الساعة الأولى..)، وعندها فلا تثريب عليك أبداً إذا ما نهرته بالحديث (فقد آذيت وآنيت)، فآذيت معروفة، أما آنيت: أي تأخرت!.

ولا تعجب بعد ذلك أن تجد كتاب الله يورد عن حال ثلاثة أصناف -من المصلين- ليسوا بذي بال في ديننا، بل ذُموا -تدريجياً- فصنف قال عنهم: (وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى) (سورة النساء 142)، وقال عن الثاني: (أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ) (سورة مريم 59)، وقال عن آخرهم: (الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) (سورة الماعون5) بعدما توعدهم ب(وَيْلٌ) -وهو وادٍ في جهنم. والحمد لله الذي تداركنا وقد علم ضعفنا (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ) (سورة الروم 54)، فلم يقل (الذين هم في صلاتهم) وإلا لغرقنا في لجة لا يعلمُ مداها إلا الله.. إذ كلنا في صلاته، فيها ما فيها، إلا ما شاء الله.وبعدما تقدم أقدم آخر العنت: أن كيف يصل قدر ومقام هذا (الركن الثاني من أركان الإسلام) والذي أُسري ثم عُرج برسولنا صلى الله عليه وسلم، ليتلقاها (تشريعاً) مباشرة من الله جلّ وعز اسمه، ويستلم أمرها ويبلغها -بعدُ- أمته، أن فكيف ثم كيف لا نلقي لها بالاً إلا (درجة) دنيئة: أن يُحسب على أحدنا أنه يُصلي -فقط! بل.. وكيف تكون إحدى المكفرات العظيمة لما نجترحه -بجوارحنا- ليل نهار.. ببشراه -صلى الله عليه وسلم- لنا: (الصلوات الخمس...) وآخر الحديث: (مُكفرات لما بينها، إذا اجتنبت الكبائر).. أو تلك التي يأتيها العبد قاصداً متقصداً- فلا صغيرة مع الإصرار، كما ذهب لهذا جمع من الفقهاء- فأي عطف ورحمة ونعمة وفضل أزجاها لنا ديننا العظيم، وتكرم بها علينا المولى سبحانه يوازي قدر هذه الفريضة التي لا تسقط عن العبد بحال من الأحوال إلا في حدود ضيقة جداً، قد لا تتعدى حالين: الهرم الذي لا يدرك صاحبه ما يدور حوله، أو الغيبوبة العقلية - وكذا (الجنون) الذي يسقط عنه التشريع كافة، وسوى ذلك فلا عذر البتّة.. فإنه مُلزم أن يقوم بها بقدر أو كيف ما استطاع للقاعدة (القيام مع القدرة).. وفي هذا دلالة كافية على قدرها، بالإضافة إلى أنها (صلة) بين العبد وربه -وأنعم بها من صلة- وحق لا يسقط، بل إن قدرها في الدين قد بلغ أدنى إربة المعارف الشرعية، فيكفي أنها.. أي: (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) (سورة النساء 103)، وموقوتاً: أي فرضاً مفروضاً، وحديث (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)..

وكأن هذا الحديث تعليل أو تفسير -والله أعلم- حين يسأل أصحاب اليمين المجرمين ب:(مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (سورة المدثر 42)، أن كان أول ذنبهم أن (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (سورة المدثر 43)، وقول السلف: (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً تركه كفر إلا الصلاة).

ثم.. كيف وقد كان آخر ما قاله صلى الله عليه وسلم (الصلاة الصلاة.. وما ملكت أيمانكم).

وكيف.. وكيف بالله! تؤول لدينا.. أو تستخف بها جوارحنا، أو لا نعطيها ذلك القدر الذي يوازي مكانتها في ديننا، ما لا أحسب النصوص تستقصيها بهذه (المادة) الوجيزة في إيماءةٍ عنها فضلاً أن يورد قلم صاحبكم -الواهن- عن أهم مزاياها ولو في خطوطها العريضة، أو قل تلكم فضائلها التي (لنا).. لن -أبداً- :لا تحصى.

أسأل الله لي.. ولكل مقصر في هذا الأمر الهام أن يتوب وينوب إلى ربه، ويثوب عن غيّه إلى رشده.

عبدالمحسن بن علي المطلق



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد