تطالعنا الصحف في الآونة الأخيرة بجرائم تتقزز منها النفوس ولا يكاد العقل يصدقها تمس بالدرجة الأولى الأمن والسلام الاجتماعي منها على سبيل المثال لا الحصر - (قتل طالب لوالده وضرب آخر لوالدته.اعتداء من آخر على والديه وأشقائه وشقيقاته لأسباب تافهة. وآخر يذبح زوجته والعكس)، هذه الجرائم لم نعهدها في مجتمعنا ولا يصدق أحد بأنها تحدث في مجتمع يدين بالإسلام دستورا ومنهجا، وهذه الجرائم اتفق العلماء وأطباء النفس على أنها تمثل نوعاً من الانحراف الاجتماعي يطلق عليه (جرائم ضد اجتماعية).
والسؤال المحوري الذي يطرح نفسه: لماذا يصبح الفرد ضد المجتمع؟ وبمعنى آخر ما العلة النفسية وراء مرتكبي هذه الجرائم؟ وكيف لا يهتم الفرد الذي يعيش في ظل علاقات إنسانية مشروعة تقدرها الأعراف وتحترمها الجماعات وتحوز على مكانة عالية في القوانين الشرعية وحتى الوضعية، بكل هذا نرى ونسمع أفعالاً إجرامية تدعو إلى إثارة الفوضى والغوغائية.
إن انتشار العنف بين الأفراد، يعكس بصورة ما خللاً اجتماعياً، وخللاً اجتماعياً على مستوى الأمة. وأشرس أنواع العنف هو القتل، حيث تتزايد شحنة العدوان الداخلي لأي سببٍ من الأسباب، وتنفلت من سيطرة العقل الذي يقل فيه الوازع الديني وصوت الضمير، ويضعف فيه جهاز القيم الأخلاقية وما يرسخه المجتمع من عادات مثل احترام الكبير، والإحسان إلى الوالدين ورعايتهم في الكبر، وزيادة الأنانية وسيطرة النرجسية الأولية على الفرد وضعف قِيمة أمام غرائزه يترتب عليه الضعف أمام الإحباط فتنفلت الشحنات العدوانية، بغية في تحقيق أقصى ما يمكن إشباعاً للغرائز، حتى ولو كان ذلك من خلال انتهاك حقوق الآخرين، وإذا حاولنا أن نستقصي أسباب ظاهرة تلك الجرائم المجتمعية والاجتماعية، فإننا نجد الدور البارز يكمن في خلل التربية وترسيخ القيم وبناء الضمير داخل الأطفال.
فلا شك أن التعليم والتربية في الصغر - كما يقولون - (كالنقش على الحجر) فلا زرع للضمير بعد عمر خمس سنوات، فإذا كان جو الأسرة العاطفي مضطرباً في تلك السنوات الخمس، وفي صورة مشاجرات متكررة بين الوالدين، أو حدوث طلاق عاطفي بينهما، أو غياب شخص بالغ يرتبط به الطفل عاطفياً، ويرسخ بداخله القيم، أو أن تضطرب الأسرة بإدمان أحد الوالدين أو كليهما، وتلك الطامة الكبرى أو بمرض أي منهما وإدمان الآخر، أو يكون أحدهما سيئ السلوك فيعطي القدوة السيئة للطفل أو يشجعه على عدم احترام حقوق الآخرين، أو يكون هناك نقص في الرعاية والإشراف في التربية، أو يكثر إيذاء الطفل ويربى على أن يقهر بالعنف، فلا يترسخ بداخله شعور الحب، بل يصبح عدوانياً وعنيفاً من داخله. أضف إلى ذلك كله وجود معلمين في التربية والتعليم يزيدون الطين بِلّة، ويحتاجون إلى من يعدل سلوكهم هم أنفسهم ثم لا ننسى ما تعرضه الفضائيات من عنف ومصائب لا تليق بمجتمعاتنا, تتعامل معها الناشئة بلا رقابة لا من الأهل ولا من المدرسة.
لقد آن الأوان لأن ندق أجراس الخطر في مجتمعنا.(الحذر.. الحذر) قبل استفحال هذه الكوارث الاجتماعية وليبدأ كل منا بنفسه وأهل بيته كفانا الله وإياكم شر هذه الجرائم، وجعل فيكم العزم والقوة والمنعة لإبعادها عن مجتمعنا المسلم كما أننا بحاجة ماسة إلى دراسة هذه الظاهرة المخيفة وإيجاد الحلول العاجلة على كل المستويات قبل أن يتسع الخرق على الراقع ويصبح الأمر أكثر سوءاً
والله الهادي إلى سواء السبيل.