Al Jazirah NewsPaper Sunday  27/12/2009 G Issue 13604
الأحد 10 محرم 1431   العدد  13604
شيء من
إيران والمصير المجهول
محمد بن عبداللطيف آل الشيخ

 

كنت في حوار مع أحد الأصدقاء عن سياسة إيران الإقليمية. صاحبنا يعتقد أن السياسة الخارجية الإيرانية تدار بذكاء، وأنها تتجه إلى أهدافها الإستراتيجية بثبات، مستغلة الأوضاع العالمية، وموظفة (مناصرة) القضايا الإقليمية في الظاهر لخدمة أهدافها، ومستغلة الحركات الإسلامية - حركة الإخوان المسلمين مثلاً - لتكون لها بمثابة مخلب القط لتحقيق سيطرتها الإقليمية.. وكنت وما أزال لا أرى في إيران إلا نظاماً فارسياً، تكتنف قياداته أحلام الإمبراطورية الفارسية، ويفتقر صناع سياساته إلى الموضوعية، والتعامل مع القوى العالمية وتوجهات الرياح الإقليمية بحكمة ورصانة.

ونحن مولعون بتضخيم أعدائنا. صدام عندما كانت أبواقه في دول جوار العراق تطبل له، وتمجده، كان البعض يعتبرون أن صدام يلعب بذكاء مستغلاً (أنفة) العربي الأصيل ليوظفها في تحقيق أهدافه، إضافة إلى أنه - كما كانوا يرددون آنذاك - يعرف من أين تؤكل الكتف، ويدير سياساته للإطباق على قرارات المنطقة بمنتهى الاقتدار، أما نهاية هذا (الاقتدار) والدهاء السياسي المزعوم، واللعب بذكاء، فكان (جُحره) الذي اختبأ فيه بعد أن انتهت مغامراته ببلاده إلى الاحتلال، وأخيراً حبل المشنقة الذي التف على عنقه، وأصناف من مآسٍ ما زال العراق يعاني منها إلى الآن.

وفي رأيي أن ملالي إيران، وطريقة تعاملهم مع العالم، يسيرون على ذات الطريق. فإيران تراوح علاقاتها مع العالم الغربي بين الهدوء الحذر والتأزم، فما أن تتجه هذه العلاقات إلى الهدوء حتى يتبرع أحد الساسة الإيرانيين إلى تأزيمها من جديد، وهكذا دواليك. وعلاقاتها مع دول الجوار لا تختلف كثيراً مع علاقاتها مع الغرب، ولعل إقدامها مؤخراً على احتلال بئر النفط العراقي، ورفع العلم الإيراني عليه، تصرف لا يمكن تبريره سياسياً، وقد أحرج كثيراً حلفاء إيران في العراق، وجعلهم يضطرون إلى إدانة هذا التصرف. كما أن علاقاتها مع أغلب الدول العربية الأخرى هي إما فاترة أو متأزمة.

ملف إيران النووي هو الملف الأبرز والأهم في علاقاتها الخارجية على ما يظهر. هذا الملف يدار بطريقة ستنتهي على ما يبدو بضربة جوية من قبل إما إسرائيل أو أمريكا، أو هما مجتمعتان. وستدخل إيران في دوامة من الأزمات الداخلية، وكذلك الخارجية، التي لن يستطيع النظام الخروج منها إلا بقدر كبير من الخسائر قد تكون سبباً في زوال النظام نفسه. فكل الدلائل تقول إن إيران تسعى إلى الحصول على السلاح النووي، لتفرض نفسها على الواقع مثلما فعلت الهند وباكستان؛ غير أن الطموح شيء والواقع شيء آخر؛ فكل المؤشرات تقول إن الغرب وإسرائيل، وربما كثير من دول الجوار الإيراني لن يسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي، حتى لو اضطرت هذه القوى، وبالذات إسرائيل، لاستخدام القوة. وليس في الأفق السياسي ما يشير إلى أن إيران ستتراجع عن تنفيذ طموحاتها النووية، الأمر الذي يجعل قضية ضربة إيران مسألة وقت ليس إلا. قدرة إيران على الرد في حال تلقت ضربة جوية، أو قدرتها على خلط الأوراق في المنطقة، كما يتصور بعض المحللين، لا تختلف في رأيي عن قدرة عراق صدام كثيراً، كما أن وضع إيران العسكري ليس بعيداً عن وضع صدام مقابل القوى العالمية قبيل غزوه من قبل الأمريكين.

أمام هذه المشكلات التي تتكالب على إيران من كل حدب وصوب، وهذا الضعف الواضح في التحالفات السياسية الإيرانية مع كل القوى العالمية والإقليمية، ناهيك عن التجاذبات بين الأجنحة داخل المؤسسة الحاكمة نفسها في الداخل الإيراني، يجعل مصير إيران فعلاً في مهب الريح؛ ولا أدري أي ذكاء سياسي وحنكة يمكن أن يستنتجه المرء من هذه الممارسات. إلى اللقاء.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد