Al Jazirah NewsPaper Saturday  09/01/2010 G Issue 13617
السبت 23 محرم 1431   العدد  13617
 
وماذا بعد لجنة تقصي الحقائق في أحداث جدة؟
د. عبدالمحسن بن محمد الرشود

 

لا شك أن لجنة تقصي الحقائق المشكلة بأمر خادم الحرمين الشريفين برئاسة صاحب السمو الملكي خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة قامت ولا زالت تقوم بدور عظيم في كشف الحقائق المتعلقة بسيول جدة، ومساءلة من يظن أنهم مسؤولون عنها، واستوقفت رجالات المباحث الإدارية بعضاً منهم لمعرفة الأسباب التي قادت إلى هذه الكارثة التي لا تليق بجدة، ولا بالمملكة، ولا بالمليارات التي صرفت على البنية التحتية والتي تجاوزت 7 مليارات، ولم تؤدِ الهدف المنشود منها، وهو تصريف مياه السيول والصرف الصحي وغير ذلك مما هو معلوم للجميع!!.

غير أن السؤال الذي يطرح نفسه وماذا بعد هذه اللجنة؟ هل سيكون هناك لجان تقصي حقائق أخرى في البلاد، لأن ما حدث في جدة قد يحدث في أي منطقة من مناطق المملكة وقد رأينا في صحافتنا المحلية أخباراً عن مشكلات مشابهة لما حدث في جدة في عدة مناطق وبدأ المسؤولون في الأمانات والبلديات، والمتطوعون يحذرون من مواقع مهددة إذا ما أتت سيول أمطار بقوة أمطار جدة!!

ومن خلال رؤيتي كباحث ومتخصص في الإدارة المحلية أن نبحث عن الأسباب التي أدت إلى هذه الكارثة واجتثاثها عن بكرة أبيها وبإمكاننا فعل ذلك إذا ما طبق نظام المناطق بشكل فاعل ومهني ولنا أن نتخيل خيالاً لو كان نظام المناطق يعمل بكل طاقاته، لكانت إمارات المناطق، ومجالس المناطق، والمجالس المحلية، هي الحصن الأمين الذي يقاوم هذا الذي تحدث عنه الجميع.

إن نظام المناطق يقوم على دعامتين أساسيتين هما:

1 - إمارات المناطق.

2 - مجالس المناطق، وكذلك يتفرع منها ومن خلالها دعامتان أساسيتان هما:

- المجالس المحلية.

- فروع الأجهزة الحكومية في مناطق المملكة.

ولو عمل النظام كما ينبغي له لحال دون الفساد الذي عانينا منه كثيرا، ولو تأملنا صلاحيات إمارات المناطق لوجدنا أنها تحتاج إلى مراجعة، وهناك بعض الحلول المقترحة التي ربما تؤدي إلى تغير الحال للأفضل وهي:

أولاً:

إذا لم يكفل النظام صلاحيات كافية لأمراء المناطق بحيث يتحقق لهم الإشراف الكامل على الأجهزة الحكومية، وموظفيها في المنطقة كما تنص الفقرة (ح) من المادة السابقة من نظام المناطق، وإذا لم تتمكن مجالس المناطق من القيام بدورها بحيث يعاد النظر في صلاحياتها، وتصبح قراراتها ملزمة وقابلة للتنفيذ.. فإن نظام المناطق غير قادر على مواكبة المتغيرات والمعطيات الجديدة التي تعيشها المملكة سواء كانت علمية، ثقافية، اقتصادية، إعلامية، اجتماعية، وارتفاع درجة الوعي الجماهيري وبروز ما يعرف بالمشاركة الشعبية والتطوع والمؤسسات الخاصة غير الحكومية والربحية، ومن مشكلات الإدارة في المناطق في المملكة أن ممثلي الأجهزة الحكومية (الفروع) لا يملكون صلاحيات إدارية ومالية كافية لاتخاذ القرارات على مستوى المناطق، كما أن مرجعيتهم للوزارة في العاصمة وليست لأمراء المناطق وبالتالي هذا يضعف من دور إمارات المناطق ودورها في التنمية والإدارة المحلية، وإني لأتساءل لماذا لا يقوم كافة الوزراء بالدولة بتعيين ممثلين لوزاراتهم في جميع مناطق المملكة بحيث لا تقل مرتبة كل منهم عن المرتبة الرابعة عشرة كما نص على ذلك نظام المناطق في المادة الرابعة عشرة (على كل وزارة أو مصلحة حكومية لها خدمات في المنطقة أن تعين رئيساً لأجهزتها في المنطقة لا تقل مرتبته عن الثانية عشرة). بمعنى من الممكن أن يعين رؤساء الأجهزة الحكومية في الفروع على الرابعة عشرة وذلك يمكنهم من اتخاذ القرارات الإدارية والمالية بما يحقق مصلحة المنطقة. وهذا التوجه يجسد (اللامركزية الإدارية) وإعطاء المناطق المجال الحيوي للنمو من خلال إشراف أمير المنطقة على كافة موظفي الدولة في منطقته وعليهم الرجوع إليه والتنسيق معه في تحقيق ما ينهض بالتنمية والخدمات وفي الاطلاع على كل ما يهم المنطقة!!

ثانياً: لا بد من العمل على منهج الميزانية الإقليمية (المناطق) المستقلة والبعد عن الميزانية القطاعية مثل قطاع الصحة، قطاع التعليم، قطاع كذا، ويصبح لكل منطقة ميزانيتها المستقلة من خلال التناسب مع حجم المنطقة وعدد سكانها وموقعها التاريخي أو الديني أو السياحي أو الساحلي، وذلك من خلال إعطاء كل منطقة نصيبها من التنمية والخدمات بحيث -لكي نقطع دابر الفساد في الأرض- يتصرف مجلس المنطقة في تحديد أولويات الصرف في المنطقة، ويمنح أمير المنطقة مزيداً من الصلاحيات للقيام بدور إشرافي تنموي أكبر من خلال المساهمة في اعتماد ميزانية منطقته عبر آليات عمل مدروسة وكذلك المتابعة والإشراف وتوجيه الاعتمادات المالية لفروع الوزارات الخدمية لتنفيذ الخدمات التي يراها الأمير وفق ما يستجد من معطيات وظروف.

ثالثاً: إن دور مجالس المناطق الحالي يعاني من قصور في القيام بدوره كما ينبغي له. وبالرجوع إلى مهام مجلس المنطقة نجدها كما يلي في المادة الثالثة والعشرين من نظام المناطق (يختص مجلس المنطقة بدراسة كل ما من شأنه رفع مستوى الخدمات في المنطقة وله على وجه الخصوص ما يلي:

أ- تحديد احتياجات المنطقة واقتراح إدراجها في خطة التنمية للدولة.

ب- تحديد المشاريع النافعة حسب أولويتها، واقتراح اعتمادها في ميزانية الدولة السنوية.

ج- دراسة المخططات التنظيمية لمدن وقرى المنطقة ومتابعة تنفيذها بعد اعتمادها.

د- متابعة تنفيذ ما يخص المنطقة من خطة التنمية المتوازنة والتنسيق في ذلك.

ومن خلال قراءة هذه المهام نجدها لا تعطي أو تمنح صلاحيات فاعلة ولا يخرج منها قرارات تنموية يراد لها النفاذ وإحالتها إلى واقع ملموس، وليس قراراتها ملزمة للجهات المعنية مثل الوزارات، والمصالح الحكومية المختلفة ولا تمنح من أراد أن يتلاعب في المال العام أو يفسد فيه.. ذلك أنها تتراوح بين تحديد احتياجات ومشاريع، واقتراح، ودراسة، ومتابعة، وتنسيق، وهذه الصيغ قانونياً لا تلزم أحداً بما تراه وتقترحه وقد تكون هذه المهام المشار إليها مهمة إحدى لجان مجلس المنطقة وليس المجلس برمته، ولذا نرى الآتي:

1- إعادة النظر في مهام مجالس المناطق على مستوى البلاد بحيث تكون قراراتها قادرة على تحقيق التنمية والخدمات بالمنطقة والنهوض بها بما يحقق التنمية المتوازنة في البلاد والتي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين حفظه الله وبما يجعل الوزارات والمصالح الحكومية المختلفة مطمئنة بأن للمجلس دورا مهما يستطيع القيام به بالنيابة عنها في المنطقة، ومن خلال ممثلي الوزارات الذين ستكون مراتبهم الوظيفية أو هكذا ينبغي لا تقل عن المرتبة الرابعة عشرة.. ومن خلال ما تقدم رأينا أن مجالس المناطق استشارية غير فاعلة وغير ملزمة وبالتالي الوزارات لا تعين مندوبين لها في المناطق (المجالس) من كبار الموظفين لاعتقادهم (الوزارات) بأن المجالس لا تستحق مسؤولين كبارا مقارنة بمسؤوليات المجلس الاستشارية الحالية!!

2- إعطاء المجلس صلاحيات تنموية وخدمية قانونياً ملزمة للجهات الحكومية لكي تكون قابلة للتنفيذ، وبحيث لا تناقش مشاريع الميزانية، ولا تعتمد من قبل وزارة المالية ما لم تعتمد من قبل مجالس المناطق!! وذلك درءاً لمحاولات الفساد المحتملة!

رابعاً: إن اختيار أعضاء المجالس من الأهالي الفاعلين والمتخصصين في الأعمال التنموية، والتخطيطية والبلدية، وشؤون الإدارة المحلية والتخطيط العمراني والحضري ضرورة ملحة، وبالنظر إلى المعايير المعمول بها الآن في اختيار أعضاء المجالس من الأهالي حسب النظام في المادة السابعة عشرة: يشترط في العضو ما يلي:

أ- أن يكون سعودي الجنسية بالأصل والمنشأ.

ب- أن يكون من المشهود لهم بالصلاح والكفاية.

ج- ألا يقل عمره عن ثلاثين سنة.

د- أن تكون إقامته في المنطقة.

ومن خلال تأمل هذه الشروط الأربعة.. نجدها لا تأخذ في الاعتبار المتغيرات العلمية والثقافية، والمهنية والإعلامية، والتطور التقني والفكري الذي تشهده البلاد.. وما وصل إليه السعوديون من تعليم عال في أرقى الجامعات العالمية ووصل عدد مبتعثيها حوالي 70.000 مبتعث وعدد جامعاتنا تجاوز 24 جامعة.. كما لا تأخذ هذه المعايير في الاعتبار أهمية أن يكون عضو مجلس المنطقة متخصصاً في مجاله بحيث يكون تعليمه لا يقل عن جامعي ولديه قدرات كتابية، مستخدماً جيداً للتقنية مستفيداً من التطور الثقافي والمهني الذي تشهده البلاد وملماً بأطراف علم الإدارة المحلية والتخطيط العمراني والحضري بصفة عامة. ولهذا لا بد أن يصار إلى آلية مناسبة لاختيار أعضاء مجالس المناطق والمجالس المحلية من الأهالي لضمان الحد الأدنى من فاعلية وكفاءة أعضاء مجالس المناطق للنهوض بالعمل التنموي والخدماتي والرقابي الذي ننشده ويقطع دابر المخالفات المالية والإدارية والوساطات وتمرير المشاريع تحت الطاولة وغير ذلك مما نشرته صحافتنا المحلية بكل شفافية.

إننا إذا طبقنا الإدارة المحلية بشكل علمي وعملي ووزعنا الصلاحيات على المناطق مالية وإدارية وفعلنا دور الإمارات، ودور المجالس وأنيط بهما المسؤوليات المالية والإدارية ذلك أنهم الأقرب حققنا الكفاءة وأرحنا بعض الوزارات من العتاب وأصبح لكل منطقة رجالاتها الذين يذبون عنها الفساد.

أما أن تُترك المجالس والإمارات بدون صلاحيات فهذا ما لا ينبغي فعله أبداً.. والله ولي التوفيق.

- متخصص في الحكم المحلي - جامعة لندن - بريطانيا



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد