Al Jazirah NewsPaper Friday  15/01/2010 G Issue 13623
الجمعة 29 محرم 1431   العدد  13623
 
رجال صدقوا: عبدالله بن عمر بن الخطاب
د. محمد بن سعد الشويعر

 

واحد من شباب الصحّابة وخيارهم، والده عمر بن الخطاب: ثاني الخلفاء الراشدين، وممن أعزّ الله به الإسلام بعدما أسلم، أسلم عبدالله مع أبيه عمر وهو صغير، لم يبلغ الحلم، وقيل في بعض الروايات إنه أسلم قبل أبيه...

... لكن هذا لم يصحّ عند ابن كثير، وقال: إنما كانت هجرته قبل هجرة أبيه، فظن بعض الناس، أن إسلامه قبل إسلام أبيه.

وكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وقد رغب عبدالله الغزو لحماسته، ورغبته في الجهاد، ولكن لصغر سنه، فقد ردّه رسول الله مع من ردّ من شباب المسلمين، لأنهم لم يبلغوا الحلم، كما ذكر ذلك ابن هشام في سيرته.

وشهد أحداً، قال ابن الأثير: الصحيح أن أول مشاهده الخندق، وشهد غزوة مؤتة، مع جعفر بن أبي طالب، ثم شهد اليرموك، وفتح مصر وأفريقية.

وكان ابن عمر شديد الاحتياط لدينه، والتوقّى في الفتوى، وكل ما تأخذ به نفسه، حتى أنّه ترك المنازعة في الخلافة، مع كثرة ميل أهل الشام إليه، ومحبتهم له، ولم يقاتل في شيء من الفتن، ولم يشهد مع عليّ شيئاً من حروبه؛ حيث أشكلت عليه.

وكان جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، يقول: ما منّا إلا مَنْ مالت به الدنيا، ومال بها، خلا عمر وابنه عبدالله، وكان ممّن بايع تحت الشجرة، بل قيل إنه أول من بايع، وكان لا يتخلف عن السرايا في حياة رسول الله، وبعد وفاة رسول الله لا يتخلف عن الحج، حتى قيل إنه يحجّ سنة ويغزو سنة.

كما قيل بأنه أعلم الصحابة بمناسك الحج، ولما قال (?) لزوجته حفصة، أخت عبدالله بن عمر: (إنّ أخاك رجل صالح لو كان يقوم الليل، فما ترك عبدالله بن عمر بعدها قيام الليل. وقال ابن كثير: كان يتوضأ لكل صلاة، ويدخل الماء في أصول عينيه، وقد أراده عثمان على القضاء، فأبى ذلك، وكذا أبوه.

وكان إذا أعجبه شيء من ماله، يقرّبه إلى الله عز وجل، وكأن عبيده قد عرفوا هذا منه فربما لزم أحدهم المسجد، فإذا رآه ابن عمر على تلك الحال أعتقه، فقيل له: إنهم يخدعونك. فيقول: من خدعنا بالله انخدعنا له.

وكان له جارية يحبّها كثيراً فأعتقها، وزوّجها لمولاه نافع، وقال: إنّ الله تعالى يقول: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ...)

واشترى مرّة بعيراً، فأعجبه لما ركبه، فقال: يا نافع أدخله في إبل الصدقة، وأعطاه عبدالله بن جعفر في نافع عشرة آلاف، فقال: أوَ خيراً من ذلك، وهو حرّ لوجه الله، واشترى مرّة غلاماً بأربعين ألفاً وأعتقه فقال الغلام: يا مولاي، لقد أعتقتني، فهب لي شيئاً، أعيش به، فأعطاه أربعين ألفاً.

واشترى مرة خمسة عبيد، فقام يصلي، فقاموا خلفه يصلون، فقال: لمن صلّيتم هذه الصلاة؟ قالوا: لله. فقال: أحرار لمن صليتم له، فأعتقهم.

والمقصود أنّه ما مات حتى أعتق ألف رقبة، وربما تصدّق في المجلس الواحد بثلاثين ألفاً، وكانت تمضي عليه الأيام الكثيرة، والشهر لا يذوق فيه لحماً، إلا وعلى يديه يتيم، وبعث إليه معاوية بمائة ألف، لما أراد أن يبايع ليزيد، فما حال عليه الحول، وعنده منها شيء، وكان يقول: إني لا أسأل أحداً شيئاً، وما رزقني الله فلا أردّه.

قال ميمون بن مهران، كما حكاه ابن خلكان، ما رأيت أورع من ابن عمر ولا أعلم من ابن عمر، ولا أتقى من ابن عمر.

وقال سعيد بن المسيب، لو شهدت لأحدٍ أنه من أهل الجنّة، لشهدت لعبدالله بن عمر رضي الله عنهما، وكان من أورع أهل العلم، وكثير الاتباع لآثار رسول الله (?) وجاء عند ابن عساكر في تاريخه: أنّ ابن عمر كان ورعاً ذا رأي وهيبة، قال أبو سلمة: مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل، وكان عمر في زمانٍ له فيه نظراء، وإن ابن عمر كان في زمان ليس له فيه نظير، وعن السدى قال: رأيت نفراً من أصحاب النبي (?) منهم أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة وابن عمر وكانوا: أنّه ليس أحد منهم على الحال التي فارق عليها محمداً (?) إلا عبدالله بن عمر، ويقول القاسم بن محمد: كان عبدالله بن عمر رضي الله عنه، قد أتعب أصحابه، فكيف بمن بعدهم، ولذا كان ابن المسيب، يهتم بأعمال ابن عمر، ويفتي من سأله على وفق ما رأى وما سمع عن عبدالله بن عمر، فقد سئل عن الحرير، فقال: كان ابن عمر يوم مات، خير من بقي، وكان يقول: إنه ثياب من لا خلاق له، ويقول: مات ابن عمر يوم مات، وما في الأرض أحد أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منه. ولما سئل عن صوم يوم عرفة، قال: كان ابن عمر لا يصومه، ولما قيل له: فغيره، قال: حسبك به شيخاً، قال بعض العلماء: فلعل عبدالله بن عمر، إنما يترك صيام يوم عرفة، لأنه في الحج، حيث عرف عنه متابعة الحج، رضي الله عنه، وسعيد بن المسيب: من أخصّ تلاميذ ابن عمر.

ويقول طاووس: ما رأيت رجلاً أورع من ابن عمر، وقال سالم مولاه: ما لعن ابن عمر خادماً قطّ، إلا وأعتقه، وكاتب غلاماً له، ونجَّمها عليه نجوماً، فلما حلّ أول نجم أتاه الكاتب، فسأله ابن عمر: من أين أصبت هذا؟ قال: كنت أعمل، أو أسأل، قال: فجئتني بأوساخ الناس، تريد أن تعطينيها؟ أنت ولك ما جئت به.

أما عن قربه من رسول الله، فقد أجمع المتابعون لسيرة ابن عمر، على أنّه حريص كل الحرص، على ترسّم خُطى رسول الله في كلّ أمر، حتى في المسير والمبيت في الطريق؛ قالت عائشة: ما كان أحد يتبع آثار رسول الله، في منازله، كما كان يتبعه ابن عمر، وحدّث أبو جعفر محمد بن علي، قال: ما كان من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، أحد أحذر إذا سمع من رسول الله شيئاً ألا يزيد فيه، ولا ينقص منه، ولا، ولا من عبدالله بن عمر، واهتمامه هذا ما هو إلا من ورعه وخوفه من أن يزل في مسألة، فقد كان ابن عمر يقول: إني لقيت أصحابي على أمر، وإني أخاف إنْ خالفتهم، خشية ألا ألحق بهم، بل بلغ من ورعه، أنه اعتبر حصيلته العلمية قليلة، لا تلبي رغبة السائلين، ومن تواضعه كان يقول: أيها الناس إليكم عنى، فإني قد كنت مع من هو أعلم مني، ولو علمت أني أبقى فيكم، حتى تقتضوا إليّ لتعلَّمتُ لكم.

وكان أحب شيء إليه، الامتثال بكتاب الله، بل يخاف أنْ يخالفه، حتى لا يقع في الإثم، فهو يعرف عقاب الله لمن يتولى أو يفرّ يوم الزّحف مع العدوّ، ولذا؛ فقد خاف على نفسه في إحدى السرايا، يقول عبدالرحمن بن أبي ليلى: حدثني عبدالله بن عمر: أنه كان في سريّة، من سرايا رسول الله -صلى الله عليه وسلم فحاص -يعني الناس- حيصة، فكنت في مَنْ حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزَّحف، وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة، ونبيت فيها، ثم نذهب فلا يرانا أحد، ثم دخلنا ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله (?)، فإنْ كانت لنا توبة أقمنا، وإنْ كان غير ذلك ذهبنا.

قال: فجلسنا إلى رسول الله (?)، قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه، فقلنا: يا رسول الله، نحن الفرّارون. فقال: لا بل أنتم العكّارون.

قال: فدنونا فقبلنا يده، فقال عليه الصلاة والسلام: إنّا فئة المسلمين.

وعن تهرّبه من القضاء، ومخافته على نفسه الزلل، حدّث حماد بن زيد: أن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، قال لابن عمر: اقْض بين الناس، فقال: لا أقضي بين اثنين، ولا أؤمّ اثنين، فقال عثمان: أتعصيني؟ قال: لا، ولكنّه بلغني أن القضاة ثلاثة: رجل قضى بجهل فهو في النار، ورجل حاف ومال به الهواء فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو كفاف لا أجر له، ولا وزر عليه، فقال عثمان: فإن أباك كان يقضي. قال: إن أبي كان يقضي، فإذا أشكل عليه شيء سأل رسول الله، فإذا أشكل على النبي شيء سأل جبرائيل عليه السلام، وأنا لا أجد من أسأل، أما سمعت النبي (?) يقول: من عاذ بالله فقد عاذ بمعاذٍ؟ فقال عثمان: بلى. فقال: فإني أعوذ بالله أن تستعملني. فأعفاه وقال: لا تخبر بهذا أحداً.

ولذا حرص الناس، على أنْ يأخذوا برأي عبدالله بن عمر، ويسيروا على منهجه، ويتواصوا بذلك، لما رأوا منه من حفظٍ للسنَّة، وحسن اتباع لما كان عليه النبي (?) وكبار الصحابة.

يقول مجاهد: ترك الناس أنْ يقتدوا بابن عمر وهو شاب فلما كبُرَ اقتدوا به، وقال مالك بن أنس: قال لي أمير المؤمنين أبو جعفر: كيف أخذتم قول ابن عمر من بين الأقاويل؟ فقلت له: بقي يا أمير المؤمنين، وكان له فضل عند الناس، ووجدنا من تقدّمنا أخذ به، فأخذنا به، فإني لا أعلم أحداً، على الأمر الأول غيره، وعَنْ ترسّمه خُطى رسول الله (?) في كل شيء.

فقد أورد الذهبي روايات كثيرة، في هذا، ومن ذلك قوله: حدّث نافع أن عبدالله بن عمر، كان يتّبع آثار رسول الله (?)، وكلّ مكان صلى فيه، حتى إنّ النبي (?)، نزل تحت شجرة، فكان ابن عمر يتعاهد تلك الشجرة، فيصب في أصلها الماء حتى لا تيبس، ولما قال: صلى الله عليه وسلم: هذا الباب للنساء، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات.

وحدث ابن وهب عن مالك عمَّن حدّثه: أن ابن عمر كان يتتبع أمر رسول الله (?) وآثاره وحاله ويهتم به، حتى قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك، وفي هذا يقول نافع: لو نظرت إلى ابن عمر، إذا اتبع رسول الله (?) لقلت هذا مجنون.

أمّا فضائله: فإن صحابة رسول الله (?) لهم مكانة كبيرة؛ لأنهم سبقوا إلى الإسلام، وصدّقوا ما جاء به رسول الله، وآزروه ونصروه، وقد مدحهم الله في كتابه الكريم في مواضع كثيرة، فقد جاهدوا وثبتوا، وبادروا بالسبق للإسلام، وهاجروا في سبيل الله، وبذلوا نفوسهم، وأموالهم لنشر دين الله، فاستحقوا الخيرية والفضل، ثم بعد وفاة رسول الله كانوا أمناء على هذا الدين، نقلا للسنَّة، وحفظاً لما بلغهم من أحاديث، وتطبيقاً لما سمعوا ورأوا من سنته عليه الصلاة والسلام، وقد اختص بعضهم بفضائل، شهد بها لهم رسول الله، تعتبر نياشين، يرفع الله بها قدرهم، يقول سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...) (سورة الفتح 18).

وقد أورد ابن الأثير، في جامع الأصول، عن عبدالله بن عمر قال: رأيت في المنام كأنّ بيدي قطعة استبرق، وليس مكان أريده، من الجنة إلا طارت بي إليه، قال: فقصصت ذلك على أم المؤمنين حفصة (أخته) فقصّتها أخته على رسول الله (?)، فقال: (أرى عبدالله رجلاً صالحاً)، أو قال: (إنّ عبدالله رجل صالح).

وجاء في كنز العمال للبرهان فورى، عن ابن عباس مرفوعاً: نعم العبد عبدالله بن عمر، مِنْ وفد الرحمن، وعمّار بن ياسر من السابقين، والمقداد بن الأسود من المجتهدين، وجاء في صحيح مسلم عن سالم عن ابن عمر قال: كان الرجل في حياة رسول الله، إذا رأى رؤيا قصها على رسول الله (?)، فتمنيت أنْ أرى رؤيا، أقصّها على النبي، وكنت غلاماً، شاباً عزباً، وكنت أنام في المسجد، على عهد رسول الله (?)، فرأيت كأن ملكين أخذا بي فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطيّ البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار قال: فلقيهما ملك، فقال لي: لم تُرَعْ.. فقصصتها على حفصة، فقصّتها حفصة على رسول الله فقال (?): (نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل، قال: فكان عبدالله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد