لقد كان ميثاق الدرعية عام 1157هـ بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب - رحمهما الله - بمثابة البذرة الأولى لقيام الدولة السعودية، ومنذ ذلك التاريخ شرع الشيخ محمد بن عبدالوهاب في نشر دعوة التوحيد بمؤازرة وحماية من الإمام محمد بن سعود، وأصبحت الدرعية المقر الرئيس لهذا النشاط الدعوي وكأنها مدينة جامعية يفد إليها طلاب العلم من كل حدب وصوب لحضور الدروس العلمية التي تقام في مساجدها وبعض دورها، وكان لأبناء وأحفاد الشيخ محمد بن عبدالوهاب نصيب وافر من هذه العلم مما أهلهم لأن يحملوا راية نشر الدعوة بعد وفاته رحمه الله، ولم تقف جهود آل الشيخ على الدعوة فقط بل كان لهم دور بارز في الجهاد والدفاع عن حياض الوطن وبذل الدماء والأرواح فقد شارك العديد منهم في كثير من الغزوات والمعارك، فهذا الشيخ حسن ابن الشيخ محمد بن عبدالوهاب يقتل شهيداً في إحدى المعارك، قال عنه الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ في كتابه مشاهير علماء نجد: (قتل في وقعة من الوقائع بمكان يسمى غرابة بنجد) أهـ، وقال الشيخ عبدالله البسام في كتابه علماء نجد خلال ثمانية قرون: (قتل شهيداً في معركة غرابة) أهـ، وهذا ابنه الشيخ عبدالرحمن بن حسن الذي وصف لنا معركة وادي الصفراء بين القوات السعودية بقيادة الإمام عبدالله بن سعود والجيش التركي بقيادة طوسون باشا كشاهد عيان ومشارك في هذه المعركة في كتابه القيم (المقامات)، ولما حاصرت القوات الغازية بلدة الدرعية عام 1233هـ كان الشيخ عبدالرحمن مع المحاصَرين المقاتلين المدافعين عنها إلى آخر ساعة من ساعات إطلاق النار، وهذا الشيخ علي ابن الشيخ محمد بن عبدالوهاب يشارك الإمام عبدالله بن سعود في مغازيه ففي حوادث سنة 1228هـ يروي الشيخ ابن بشر في عنوان المجد ما نصه (وفيها سار عبدالله بن سعود رحمه الله تعالى بجميع المسلمين من أهل نجد الحاضرة والبادية خرج من الدرعية أول السنة فاجتمع عليه جميع النواحي وقصد جهة الحجاز وذلك قبل وفاة أبيه سعود رحمه الله تعالى ومعه الشيخ علي ابن الشيخ محمد رحمه الله) اهـ.
وكان ل(آل الشيخ) نصيب وافر في الدفاع عن العاصمة الأولى للدولة السعودية (الدرعية) ففي التعريف بمحاجي ومتارس القوات السعودية على ثغور البلدة يصف لنا الشيخ عثمان بن بشر مرابطة آل الشيخ في الدفاع عنها بقوله: (وقف الإمام عبدالله بن سعود ومعه آل الشيخ ومعهم عدد من الرؤساء والأعيان والشجعان بين البابين باب سمحان وباب قلعة البلد في شعيب قليقل المسمى باب الظهرة وبنوا خيامهم فيه وعندهم مدافع كبار) أه.
ومن أروع ما حفظه لنا التاريخ الموقف البطولي الذي سطره الشيخ العالم عبدالله بن الشيخ محمد بن عبدالوهاب ومن معه من أهل البجيري حينما دخلت جيوش الترك السهل - أحد أحياء الدرعية - فشهر الشيخ سيفه وقال مقولته الشهيرة: (بطن الأرض على عز، خير من ظهرها على ذل) هذه المقولة التي ألهبت حماس المدافعين وكان الشيخ وقتها قد طعن في السن حيث بلغ عمره ما يقارب 67 عاما، فقاتلوا قتال الأسود الأشاوس حتى أُرغمت الجيوش الباغية على الخروج من السهل أذلةً وهم صاغرون، ففي معرض وصف أحداث هذه المعركة يقول الشيخ ابن بشر في عنوان المجد ضمن حوادث سنة 1233هـ: (وتفرقت عساكر الترك على أهل السهل وأمسكوا فيه بيوتاً ونخيلاً وكادوا يأخذوه عنوة وجالوا أهله جولة عظيمة واشتدت وطأة الترك عليهم فحماهم الله تعالى وكف أيدي الترك عنهم وهموا بالمصالحة فرد بعضهم على بعض أنها لم تكن المصالحة إلا بإخراج تلك العساكر عن البيوت والنخيل وقتل ما أمكن منهم، فشهر سيفه عبدالله ابن الشيخ محمد بن عبدالوهاب وانتدب واجتمعوا عليه أهل البجيري ونهضوا على الترك من كل جانب كأنهم الأسود، وقاتلوا قتالاً يشيب من هوله المولود فأظلمت الهجيرة كأنها الليل، وصريخ السيوف في الرؤوس كأنه صهيل الخيل فأخرجوهم منها صاغرين وقتلوا من الترك عدة مئين، حتى قال لي بعض من حضر ذلك لو حلفت بالطلاق أني من الموضع الفلاني إلى الموضع الفلاني لم أطأ إلا على رجل مقتول!! لم أحنث فدخل الترك بعد هذا الفشل وصار في قلوبهم منهم وجل) أهـ، فبتوفيق الله ثبت الشيخ عبدالله وثبت معه أهل السهل وسطروا أروع أنواع البطولة والتضحية وبذل الدماء والأرواح في سبيل الدفاع عن دولة التوحيد، وكان للشيخ عبدالله ابن يدعى سليمان - وهو آية في العلم والفقه - قتله الباغي إبراهيم باشا صبراً فراح مع الشهداء - إن شاء الله - ويروي الشيخ ابن بشر تفاصيل قتله ضمن حوادث سنة 1233هـ بقوله: (وفي آخر هذه السنة قتل الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب وذلك أن الباشا لما صالح أهل الدرعية كثر عنده الوشاة من أهل نجد على بعضهم بعضاً فرمي عند الباشا بالزور والبهتان والأثم والعدوان، فأرسل إليه الباشا وتهدده وأمر على آلات اللهو من الرباب فجروها عنده إرغاما له بها، ثم أرسل إليه الباشا بعد ذلك وخرج به إلى المقبرة ومعه عدد من العساكر فأمرهم أن يثور فيه البنادق والقرابين فثوروها وجمع لحمه بعد ذلك قطعاً) أهـ، وبعد قتله أراد الباشا أن يغيظ والده الشيخ عبدالله بذلك فقال: قتلنا ابنك سليمان فأجابه الشيخ عبدالله بقلب المؤمن الصادق والصابر بقوله (إن لم تقتله مات)، وكان ممن قتل في حصار الدرعية الشيخ محمد ابن الشيخ عبدالرحمن بن حسن، وأيضاً الشيخ علي ابن الشيخ عبدالله ابن الشيخ محمد بن عبدالوهاب قتله الترك قرب الدرعية وكان له معرفة في الحديث والتفسير.
عبدالرحمن بن محمد زيد العرفج
a-mz-a@hotmail.com