Al Jazirah NewsPaper Tuesday  19/01/2010 G Issue 13627
الثلاثاء 04 صفر 1431   العدد  13627
سلوك الخوف.. التفسير والمعالجة
مندل عبدالله القباع

يدخل الخوف في نطاق الاضطرابات النفسية ذات الطبيعة القهرية، وتعتبر هذه الاضطرابات نقصاً في الطاعة النفسية اللازمة للإبقاء على التكامل العادي.

والشخص الخائف عادة لا يعرف سبباً للخوف ولا يستطيع التخلص منه ولا يمكنه التحكم فيه.

وعند تفسير (سلوك الخوف) نأخذ بمرئيات المدرسة السلوكية وهي أقرب المدارس التي تعنى بالسلوك السوي والسلوك اللاسوي وتعزيز السوي وإطفاء اللاسوي.

وتقول هذه المدرة إن السلوك متعلم (تعلم شرطي) يخضع للعلاقة بين مثير واستجابة، فالمثير الأصلي الطبيعي تصدر عنه استجابة طبيعية أما لو كان المثير الأصلي مقترنا بمثير غير طبيعي فحتماً ستكون الاستجابة غير طبيعية.

والإنسان المضطرب (الخائف) غير مدرك للعلاقة بين المثير الأصلي الطبيعي وغير الطبيعي، وإذا أدركها سيحاول كبتها، أي حذف هذه العلاقة من ذاكرته أي من خبرته الشعورية، ولا يعني هذا إلغاؤها من نطاق خبرته ولا يبقى سوى جزء من الموقف يشابه الموقف الحالي مما يثير الخبرة الانفعالية التي سبق أن مر بها ونتج عنها (سلوك الخوف).

ولنضرب مثلاً حيا بضابط كتبت عن بعض الدوريات العلمية البريطانية - كان هذا الضابط ضمن قوات التحالف في حرب العراق، وكان يخاف من الأماكن الضيقة فإذا ما رابط في خندق في ميدان المعركة الضيقة أخذ يصيح وتنتابه حالة صراخ عال، وبتحويله لمستشفى الميدان لم تفد المهدئات ونصحت بتحويله إلى (لندن كلينك) ومن نتائج الفحص عليه نتج ما يلي:

أنه عندما كان طفلا أرسلته أمه لشراء بعض الحاجيات من محل لكي يصل إليه لا بد من المرور من مكان ضيق كان في ذلك الوقت مظلماً، وأثناء السير في منتصفه تقريبا هجم عليه كلب كبير انطلق من قبضة شاب كان يمسك به - فذعر الطفل وأخذ يصرخ صراخاً عالياً.

وتفسير هذا السلوك حسب المدرسة السلوكية فإن المثير الأصلي هنا هو هجوم الكلب، والمثير المصاحب المثير الأصلي هو ضيق المكان وظلمته، وفي أي موقف مثير كالذي نحن بصدده تبرز خبرتين: أولاهما: خبرة انفعالية (الخوف)، وثانيهما: خبرة إدراكية تتلخص في إدراك العلاقات بين أجزاء الموقف).

أما ما حدث أن هذا الضابط بعد فترة من الزمن مر به منذ كان طفلا أن نسي هذه الخبرة الطفولية وحسب رأي عالم النفس (فرويد) كبتت في اللاشعور أما الخبرة الانفعالية فهي باقية وقابلة للتكرار بشكل آلي إذا ظهرت مؤثرات مشابهة.

والسؤال الذي يجب طرحه هو لماذا نسي هذا الضابط الخبرة الإدراكية بالذات؟ والإجابة: لأنها خبرة مؤلمة والإنسان بطبعه يميل إلى الابتعاد عن الموقف الذي يستشعر فيه إمكانية وقوع الألم.

ومن أمثلة: ذلك الخوف على الأبناء امتثال لوسواس قهري و تسلطي فهذه أم تقوم بسلوك شاذ تجاه أبناؤها، حيث تسيطر عليها فكرة خاطئة حيث يخيل إليها أن أولادها في خرط داهم وتستولي عليها هذه الفكرة تماماً فإذا ما تغيب أحد أطفالها في المدرسة أو النادي أو التسوق يكون ذلك مثار شكوك كثيرة ويبدو ذلك في سؤالها المستمر عن الابن، هنا وهناك ولدى الأقارب والجيران وقد يصل ذلك لخروجها على الطريق ظناً أنه يمكنها البحث عنه ومعرفة ما له أو ما حدث له فعساه لا يكون مكروهاً وكان لسان حالها يردد: اللهم يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، تجمعني على ابني بخير وسلام يا رب). وهذه أفعال قسرية ومظهراً من مظاهر سلوك الخوف.

ومن المخاوف الحادة من قصم العلاقة الزوجية (فوبيا الطلاق) مما يجعل المرأة لا تشعر بالطمأنينة، أو تشعر بالدونية وعدم الكفاءة.

ومن أمثلة ذلك ما نشرته إحدى المجلات التي تعنى بالأسرة أن زوجة تبلغ من العمر السابعة والعشرين من عمرها، وهي الزوجة الثانية في حياة زوجها، واستقر زواجها الآن زهاء ثلاث سنوات، وتنتابها الآن - على غير العادة - انفجارات غضب - غير مبرر وقد تسلطت على ذهنها بعض الأفكار، وتشعرانها مجبرة لاتباع نظام صارم قبل موعد قدوم الزوج خاص بالاستجمام وطريقة ارتداء الملابس - وهذا على حساب المطبخ وخصما من وقت ترتيب غرف المعيشة فإذا هاتفها أحد ظنت أن الوقت المضيع في الهاتف خيانة لحق زوجها، وحين حضرت أمها لزيارة بنتها تصورت أن هذا رغبة زوجها، وعند النوم كان زوجها يتكلم معها عن عمله والأحداث التي مرت به خلال اليوم فكانت تشعر بالكراهية وعدم الاحترام لزوجها، لأنها كانت تدقق في كلامها، وتتبع سياسة معينة مع زوجها حتى تبقى على الحياة بينهما كل هذه أفعال قسرية مكبوتة في منطقة اللاشعور.

وعلى الرغم من هذه الحالة لم تستطع أن تعرف بالضبط الوقت الذي بدأ فيه هذا السلوك القسري المتتابع عند الاستحمام وارتداء الملابس قبل حضور زوجها للمنزل إلا أنها تذكر أن زيارة أمها كانت مبدأ تفجر هذا الانحراف في السلوك. والسبب في ذلك الفزع والخوف من تصدع الأسرة.

وينسحب هذا الخوف من الناس والخوف من المرضى والخوف الجنسي والخوف ممن يمثل السلطة (الأب - المعلم - المدرب - الرئيس - المدير - رجل الأمن.. الخ).

والعلاج يكمن في عمليات إشباع الدوافع السيكولوجية والاهتمام بهرم الحاجات التي تمثل قاعدتها الحاجات الفسيولوجية وفي قمتها احترام الذات والعمل الدائب على تخفيف حدة القلق عن طريق زوال المثيرات المسببة أو المهيئة للقلق إزاء المواقف المختلفة التي يمر بها الشخص الذي يعاني من الخوف حتى ولو كان في أدنى درجاته وذلك مع دعم وحفز السلوك الحضاري والتصدي لسلوك مناهضة المجتمع.




صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد