Al Jazirah NewsPaper Thursday  21/01/2010 G Issue 13629
الخميس 06 صفر 1431   العدد  13629
 
رأي في الإدارة العسكرية:
فلسفة ودواعي دراسة الأنظمة وتعديلها 2 -2
بقلم: اللواء د. محمد بن فيصل أبو ساق*

 

في القسم الأول من هذه المقالة أشرنا إلى طبيعة العمل العسكري وبيئته التي تفرض وجود أنظمة متعددة ومحكمة لتسيير شئون المؤسسة العسكرية أو أية وحدة فرعية. وذكرنا أن كل الدروس المستفادة والمؤشرات لعمل المؤسسة العسكرية العالمية تحت مختلف الظروف تنص على أن الوحدات التي تعمل

بموجب أنظمة متجددة ودقيقة تتمكن من إنجاز مهامها في السلم والحرب وفي الأزمات بأقل الخسائر, وتلك التي تعمل بأقل قدر من الأنظمة وبوتيرة بطيئة في التغيير والتطوير تعتبر عكس ذلك.

والسؤال الذي يطرح نفسه باستمرار هو: هل توجد مؤشرات تدعو إلى دراسة الأنظمة وتعديلها؟ وما هو تأثير التقنية الحديثة, وارتفاع مستوى التأهيل العلمي على إدارة المؤسسات العسكرية والأمنية؟ وما مدى تأثير الصحة العامة وسنوات الخدمة, وسن التقاعد, على البيئة الإدارية العسكرية؟ وهل يعتبر استمرار الأنظمة دون تعديل أو تطوير لزمن طويل, واستمرار بعضهم في وظيفته العسكرية زمنا طويلا مؤشرات إيجابية أو سلبية؟

سأحاول بإذن الله الإجابة في هذه المقالة عن هذه التساؤلات وغيرها. ومن الطبيعي القول: إن لكل نظام أو لائحة مؤشراتها الخاصة التي تستدعي التعديل أو التطوير بحسب ما يتوفر من رصد وتجارب أو حاجة مستجدة. وبصفة عامة, فإن المتغيرات في صناعة الأسلحة وفي التقنية العسكرية والمعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تفرض بعض التغيرات في البيئة العسكرية؛ ربما بوتيرة أسرع من غيرها. فقبل الحرب العالمية الثانية كانت المدخلات على التشكيلات العسكرية تسير بوتيرة بطيئة؛ ولذلك كان تعديل الأنظمة الإدارية يمر أيضا بوتيرة بطيئة وتغيرات محدودة. ومع تجاوز الحرب العالمية الثانية, ثم مرحلة الحرب الباردة كان هنالك سباق في التسلح وصناعة الحرب بما فيها من تقنيات متنوعة. وبعد أن أصبحنا نعيش ما يسمى ثورة الشؤون العسكرية التي بدأت تتشكل قبل عقدين من الزمن تقريبا فقد أصبح لزاما على المؤسسة العسكرية أن تراجع أنظمتها وتشكيلاتها وقوانين عملها بوتيرة متسارعة, لتصبح قادرة على مواكبة سرعة التغيرات الأخرى.

فقد أصبحت الأسلحة والمعدات والأنظمة الحربية متطورة ومعقدة ومتغيرة بشكل أسرع من قدرة الجيوش على تعليم المنسوبين بوتيرة تواكب تحديات التقنية والصناعات الحديثة. وأصبح لدى القيادات العسكرية هم كبير يتمثل في القدرة على الموازنة في جلب الأسلحة والمعدات المتطورة من ناحية, وتجنيد المنسوبين القادرين على استيعاب وتشغيل هذه المعدات كما ينبغي, من ناحية أخرى.

ويكمن التحدي الإداري في الإجابة عن السؤال الأهم الذي يطرح بشكل مباشر أو غير مباشر حين النظر في جاهزية المؤسسة العسكرية ومدى ملاءمتها لتحقيق أهدافها. وذلك السؤال هو: «هل نوظف جنودا تعليمهم فائق وفي مستوى أحدث الأسلحة والمعدات؟ أم نراعي حين شراء الأسلحة والمعدات أن تلائم قدرات الجنود الأقل تعليما؟ هذا السؤال ببساطة يدعو إلى تقرير حالة المؤسسة العسكرية وعلاقتها بمستوى كفاءة رجالها ومستوى جودة معداتها وأسلحتها. والإجابة عن هذا السؤال تفرض معها تعديلا في كثير من مواد الأنظمة إن أرادت المؤسسة العسكرية أن تدير شؤونها بما يواكب المتغيرات لضمان جاهزية فائقة في القوى البشرية والمعدات الحربية على حد سواء.

فعلى سبيل المثال: لو تم شراء وتوريد أنظمة عسكرية ومعدات وأسلحة متطورة ومعقدة تقنيا فلا بد لها من رجال مؤهلين علميا ونفسيا وجسديا ومعنويا وقادرين على استخدامها وصيانتها والمحافظة عليها عبر خطط وبرامج متطورة عبر مناهج مؤسسة ولها خطط تطوير وتعزيز مستدامة. وفي تلك الحالة قد تبرز الحاجة لتعديل الحوافز أو العمل على إيجادها. ومن تلك الحوافز المستويات الوظيفية التي تفرضها الحالة المتطورة للقوة التي لم تكن موجودة من قبل. فتوظيف المجند بالمستوى السادس الابتدائي ومنحه رتبة جندي في تخصص معين يختلف عن توظيف مجند يحمل الشهادة الثانوية وكذلك الشهادة الجامعية أو شهادة كلية متوسطة. فقد يتم التجنيد على رتبة عالية في سلم الرتب, والمجند الذي يلتحق بشهادة الجامعة ويعين على رتبة متقدمة من رتب الأفراد سوف يواجه تحديات أخرى في الترقية بعد عشر سنوات. وسوف تواجه المؤسسة العسكرية مشاكل إدارية ما لم يتم النظر بشمولية في هيكلة الوظائف العسكرية وتغيير ما يقابلها من مواد نظامية تضمن الحقوق والواجبات للمؤسسة وللمنسوبين. نعم, توجد تعديلات مستمرة في الأنظمة العسكرية, والسؤال عما إذا كانت التعديلات المتكررة كافية ومناسبة وتحقق رؤية مستقبلية.

ومن الحكمة إجراء بعض التعديلات في أنظمة الخدمة المدنية والعسكرية ونظام التقاعد لصالح المؤسسة العسكرية ولصالح المنسوبين أيضا. فالكثير من الأفراد يلتحقون بالخدمة العسكرية حاليا وهم يحملون شهادات الكليات التقنية والمتوسطة والجامعية ومنهم من يستحق الترقية المفترضة بعد أربع سنوات تقريبا ولكنه لا يترقى, ويستمر الكثير منهم مددا مضاعفة في نفس الرتبة, وهذا له تأثير معنوي سلبي على المؤسسة نفسها. ويقول نابليون: « تشكل المعنويات ثلاثة أرباع الحرب, وما تبقى ليس إلا الربع الرابع». وبعض ضباط الصف الملتحقون بالخدمة بموجب الشهادات الجامعية يواجهون أزمة حين يرقون إلى رتبة رئيس رقباء لأنهم يصلون إلى تلك الرتبة سريعا. ومن غير المناسب أن يستمر هذا الشاب الطموح شبه مجمد في رتبة رئيس رقباء لفترة قد تزيد على خمسة عشر عاما دون ترقيات ومع الحد الأدنى من الميزات والحوافز- وسعيد الحظ منهم يحصل على ترقية إلى رتبة ملازم - وهو الأمر الذي يدخله في نظام خدمة الضباط الذي يفرض تقاعده بعد سنوات قليلة من ترقيته. وتعمل بعض الدول على اعتماد مسارين منفصلين لسلك الأفراد برتب وميزات منفصلة تفرضها الطبيعة المهنية والوصف الوظيفي لكل مسار مهني؛ حيث تستدعي طبيعة التخصصات الفنية الدقيقة والخبرة المكتسبة مسارا خاصا وسنوات وظيفية مختلفة بحوافزها وميزاتها.

وهنالك نظرة عامة حول تقاعد العسكريين في سن مبكرة, في الوقت الذي تتحسن فيه صحة الناس وتتحسن بيئة العمل, وهنالك دعوات لرفع سن التقاعد في الجيوش لجميع الرتب ومنها إلى ما بعد سن الستين للرتب العليا. ويتساءل بعضهم ما إذا كانت كل التخصصات وكذلك الرتب العسكرية تستدعي ذلك الخروج المبكر من الخدمة العسكرية الذي تفرضه قوة الأنظمة الراهنة. ثم هل يعتبر سلم الرتب نهجا عالميا من حيث علاقته بسن التقاعد أو مدة الخدمة المفترضة. وفي الحقيقة أن هنالك تباينا بين المؤسسات العسكرية العالمية في سن التقاعد ومدد الخدمة. وتعمل المؤسسات العسكرية في العالم على تحديث سن التقاعد المقرر لكل رتبة بمراعاة عدة متطلبات أولها وصف المهنة الوظيفية لكل رتبة وقدرة العسكريين على تحمل المجهود المقرر لكل رتبة بدنيا ونفسيا ومهنيا. كما أن توفر القوى البشرية أو نقص القوى البشرية على المستوى الوطني, وكذلك معدل وتيرة تشغيل القوات العسكرية في العمليات الميدانية, تعد عوامل مهمة في تقليل أو رفع سن التجنيد؛ وبالتالي تقليل أو رفع سن التقاعد.

كما أن ارتفاع مستوى الصحة العامة واللياقة في جيل اليوم متحسن عنه قبل عدة عقود. ولذلك, فالعسكري في سن الأربعين اليوم تتوفر له من اللياقة والصحة والقدرة على التعلم والإدراك والتحمل ما تفوق قدرة شخص آخر في سن الثلاثين قبل عدة عقود. وفي بعض أنظمة التجنيد في الدول يعتبر الحد الأعلى لسن التجنيد عند 24 سنة أو 27 سنة. وفي بعض الجيوش الأكثر تطورا والأفضل احترافا على مستوى العالم اليوم يعتبر الحد الأعلى للتجنيد عند 35 سنة ليبدأ المجند حياته العسكرية, وهنالك مطالبات برلمانية حديثة لجعل الحد الأعلى للتجنيد في ذلك الجيش عند سن 42 سنة. وعند هذه السن المقترحة لبدء الحياة العسكرية للمجندين الجدد يتهيأ بعض المجندين في مؤسسات عسكرية لدول أخرى للخروج من الخدمة إلى التقاعد بقوة النظام. وحين تسهم قوة النظام في تقاعد أعداد كبيرة من صغار السن بعد تأهيلهم واكتسابهم للخبرات فإن ذلك التقاعد غير المبرر منطقيا يعني خسارة كبيرة للمؤسسة العسكرية؛ وليس من السهل عليها تعويض تلك الخبرات بنفس القدر من التأهيل.

ومن حيث تعدد التخصصات العسكرية واختلاف المجهود والوصف الوظيفي بين الرتب فإن لبعض الدول أنظمة وظيفية تنظم رتب ورواتب ومكافآت عناصر الأمن العام وقوى الأمن الداخلي بما يختلف نسبيا عن الكوادر العسكرية للجيش والطيران والبحرية نظرا للفرق الكبير في طبيعة العمل الوظيفي. فهنالك اختلافات واضحة بين المهارات المقررة للرتب في كل من المدرعات والمشاة والمدفعية البحرية والطيران والمرور والسجون والدفاع المدني والجوازات وغيرها. وليس من المحبذ أن تعمل القطاعات العسكرية والأمنية جميعها في ظل نظام وظيفي واحد تتساوى فيه الرتب والحوافز الأساسية. ومن غير الحكمة أن يتقاعد الطبيب والصيدلي والمهندس وصاحب المهنة الدقيقة ورجال المشاة والمدرعات والطيارون والبحارون ورجال المرور ورجال الدفاع المدني والجوازات والسجون بقوة نظام واحد أو متشابه نسبيا.

وتلك مجالات تسعى المؤسسات العسكرية العالمية إلى إعادة النظر فيها عبر دراسات متعمقة للخروج بأنظمة ولوائح وظيفية مناسبة ومتجددة. وحتى تكون التعديلات مناسبة فلا بد أن تراعي المهام الرئيسية لكل قطاع أو فرع في المؤسسة العسكرية, وتراعي أيضا التخصصات والوصف الوظيفي لكل وظيفة حسب سلم الرتب. وليس بالضرورة أن تكون سلالم الرتب متشابهة أو نسخة من بعضها. وفي بعض الدول يوجد نظام خاص لضباط الصف المهنيين يتيح لهم خدمة طويلة وحوافز ملائمة بما يكفل استمرارهم في دعم مؤسستهم العسكرية بالكفاءة الفنية التي تأهلوا فيها حيث تعتبر ترقياتهم ضمن سلم رتب خاصة بهم.

وتخضع الأنظمة إلى رؤية القائمين عليها, ومدى قناعتهم بالحاجة إلى تطويرها أو تغيير بعض موادها؛ وكل يضع رؤيته بحسب مفهومه وبحسب مدرسته الإدارية والمهنية, وبحسب تجاربه الشخصية أو ما تواجهه مؤسسته من تحديات, أو متطلبات. ويمكن أن تصرف الملايين على وحدة عسكرية وتصبح مؤهلة ومحترفة وناجحة بكل المقاييس, ولكن من لا يعرف مفاهيم الاحتراف العسكري ومعاني الجاهزية قد لا يرضيه إلا أن يرى منشآت أو أشياء ملموسة مقابل تلك الميزانيات المدفوعة. بينما المحترف الحقيقي سوف يشاهد الميزانيات المدفوعة ويلمسها في مستوى احتراف الوحدة ومقدرتها ومهارات منسوبيها وانضباطهم ومهنيتهم وعملهم الجماعي وسلامة بيئتهم وقدرتهم على رد الفعل السريع وفعالية منظومة القيادة والسيطرة والاتصالات في مؤسستهم أو وحدتهم.

وفي المقابل هنالك مؤشرات لتقييم كفاءة الوحدة أو المؤسسة برمتها وفي أولها مدة بقاء المنسوبين في رتبهم وعلاقة ذلك بالأنظمة. وكذلك مستوى المؤسسة التعليمية في القطاع العسكري وحجم الإبداع والتأليف للمقررات العسكرية, وعلاقتها بخطط التدريب وبالجاهزية ودورها في إصدار الدروس المستفادة والتقارير الدورية ومدى المصداقية في تأثيرها على التنظيم برمته مهنيا وفنيا وإداريا. وهنالك من يطبق الأنظمة نصا وروحا لإيجاد منظومة قوى بشرية مؤهلة بموجب مسارات تأهيل أكاديمي مهني مقرر لكل رتبة بعينها في موازاة مسار وظيفي محدد لكل رتبة بحيث لا يستمر الشخص في وظيفته لأكثر من رتبتين كأقصى حد. وعلى العكس من ذلك هنالك من يستمر في وظيفة واحدة وفي الإدارة أو الوحدة نفسها لعدد كبير من الرتب, وهذه لعلها واحدة من أسوأ مؤشرات ضعف النظام أو ضعف تطبيق النظام, وهي من دلائل فشل المؤسسة في تحقيق مهامها طبقا للمعايير المفترضة.

ومن المعروف أن استمرار العسكري في وظيفته لعدة رتب متتالية ولفترة طويلة يعد من أبرز التحديات السلبية التي تواجه المؤسسات العسكرية والجيوش في سعيها للاحتراف, ويعد ذلك احد مؤشرات ضعف الأداء على المستوى العام. كما أن عدم قدرة بعض المؤسسات على التغلب على ذلك التحدي المهني يعكس ضعفا إداريا واضحا ويبرهن على حاجة مؤكدة لإيجاد تعديلات على الأنظمة أو تفعيل أنظمة قائمة.

وقد يطول شرح سلبيات بقاء العسكري فترة طويلة في وظيفة واحدة, ولكنني سوف أختصر ذلك في محورين: الأول إداري ومنطقي, فطالما أن هذا الشخص قد تمكن وهو في رتبة صغيرة من القيام بأعباء هذه الوظيفة نفسها ونجح فيها وكان عند حسن الظن في تحقيق أهدافها, فهو من ناحية يستحق الترقية متى اكتملت شروط ترقيته نظاما. ومن غير المقبول أن يرقى ليبقى في هذه الوظيفة لأن ذلك يخل بالتنظيم الإداري الهرمي للمؤسسة, وبالتنظيم الوظيفي؛ لأن هذه الوظيفة خصص لها في أساس التنظيم تلك الرتبة بعينها وتم وصفها وظيفيا. ومن ناحية أخرى, تلك الوظيفة نفسها لا تحتمل أن تخصص لها رتبة أكبر مما قرر لها سلفا حين تم اعتماد الهياكل التنظيمية والميزانيات الوظيفية. وثانيا, فمن أجل تطوير احتراف ومهارات هذا الشخص وتغيير بيئته العسكرية وإكسابه مهارات أرفع وأشمل وجعله أكثر إدراكا لمهام أوسع وأبعد من مستوى رتبته ومحيط وظيفته السابقة, فإن ترقيته في وظيفة أعلى يفترض أن تكون في وظيفة هي في واقعها أعلى مسؤولية وأكثر مهارات؛ وغالبا ما تكون في موقع آخر وفي وحدة أخرى. وهكذا نهيئ لعامة المنسوبين بالترقي إلى الأعلى بما يتوافق والمستوى الهرمي للتنظيم, ونسهم في تداول الوظائف وتداول الخبرات, وضخ الدماء الجديدة, من أجل كفاءات متجددة, وفرص متكافئة, ومن أجل تقييم أكثر واقعية للوحدة وللعسكري مهما كانت رتبته؛ والمستفيد الأكثر هو المؤسسة نفسها.

ولما سبق, فإن دراسة وتعديل الأنظمة العسكرية تعد من أولويات المؤسسات الأمنية والعسكرية الأكثر احترافا, وهي عملية حيوية متجددة ومطلوبة بشكل مستمر وتعد شأنا مهما تفرضه فلسفة العمل العسكري المتجدد والمتطور. فرؤية المؤسسة العسكرية والأمنية ومهامها وواجباتها تتطلب ديمومة التطوير لإضفاء المرونة والحيوية الإدارية والميدانية على واقعها وبيئتها لإكسابها ما تستحق من مقومات التميز والجاهزية.

عضو مجلس الشورى


mabosak@yahoo.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد