إن أهمية رحلة كارستن نيبور تنبع من كونه من أقدم الرحالة الأوروبيين الذي تجولوا في بلادنا، وتقديمه وصفا تفصيلياً لجغرافيا وتاريخ ومجتمعات العرب قبل قرنين ونصف، إضافة إلى تقديمه وصفا عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في أول نشوئها.ونيبور من الرحالة شهود العيان لمرحلة هامة من التاريخ العربي، لأن هناك ظاهرة سيئة تتمثل في محاولة تغيير مجرى الحوادث التاريخية أو الحقائق الساطعة لتجميل أو تشويه صورة جغرافية أو سياسية حاضرة.إن الدقة التي اتصف بها نيبور -وغيره من الرحالة- ومحاولتهم أن يكونوا موضوعيين في أحكامهم ليست نابعة بدرجة أولى من ضمائرهم الحية، بل الواقع أن لدى الأوربيين مبدأ يقول: إن ما يُبنى على الحقائق الموضوعية والمعلومات الحقيقية من برامج سياسية أو اقتصادية هو ما نستطيع أن نتوقع أو نثق بنجاحه.لذلك نجد أن نيبور -وغيره من المستشرقين- لم يعبأ بصورة حسنة أو قبيحة عن العرب أو المسلمين بقدر اهتمامه أن يجمع معلومات صحيحة وموضوعية لتوضع على مكاتب الساسة الأوروبيين الذين سيبنون على ضوء هذه المعلومات سياستهم مع العرب أو الأتراك أيام مجدهم.
فلو كانت هذه المعلومات سطحية أو ذات هدف إعلامي وترف فكري فمعناه أن ما سيُبنى سيبنى على باطل، فلاغرو أن نجد الانجليز الذين اعتمدوا على معلومات نيبور وبعده (بوركهارد) كانوا انجح من غرمائهم الفرنسيين في العالم العربي وأكثر حضوراً في واقعنا التاريخي، وبالطبع كان الاثنان أنجح من الأتراك الذين ليس لهم في العالم العربي إلا دراسات هامشية سطحية هذا إن اعتمدوا على مسألة (فهم العرب أكاديميا) قبل التعامل معهم !
ولد كارستن نيبور في أحد مزارع شمال غرب ألمانيا في 17 مارس سنة 1733م، عمل فلاحاً في مزرعته أول سنين حياته، ثم أظهر ميلا لدراسة الرياضيات وتلقى بعض الدروس في علم المساحة والخرائط.اقترح احد أساتذته أن يشارك نيبور في رحلة علمية أمر بها الملك فردريك الخامس ملك الدنمارك سنة 1760م، وكان هدف الرحلة كتابة تقرير علمي واجتماعي شامل عن الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وافق نيبور على الاقتراح وانخرط في دورة لمدة عام ونصف تقريبا درس بها علم الرياضيات والمساحة والخرائط وبعض الدروس في اللغة العربية بشكل مكثف ليتأهل لموقعه في البعثة كمساح وراسم للخرائط .
ومع مطلع العام التالي (كانون الثاني 1761م) أبحرت الحملة، لتصل إلى الإسكندرية، ثم القاهرة، ثم جبل سيناء.
وفي عام 1762م غادر نيبور إلى السويس ووصل منها إلى جدة، ومن جدة غادر إلى (مخا) في اليمن.
لقد كتب نيبور عن كل المناطق التي زارها، ورسم خرائط لها، وتحدث عن السكان والقبائل والمذاهب والأديان، وقد طالت فترة بقائه في اليمن فزار صنعاء وبيت الفقيه وأبو عريش.
بدأ الإعياء وعدم تكيف الأوربيين مع المناخ ( وخاصة في اليمن ) فتوفي اثنان من رفقاء نيبور في اليمن: (بيتر فورسكال) و(فون هافن)، بل إن نيبور نفسه أصيب بمرض خطير ولكنه تحامل على نفسه - بعد أن ترك بقية بعثة في اليمن- وانتقل إلى الهند، وتكيّف نيبور مع مرضه إلى أن شُفي كما يقول هو باتباع العادات الغذائية السائدة، مع العلم أن نيبور هو الشخص الوحيد الذي عاد سالماً من أفراد البعثة.عاد نيبور من الهند إلى مسقط عاصمة عمان، وتجول بها وكتب عنها، ثم زار إيران ومنها انتقل إلى العراق فمكث في بغداد فترة طويلة نسبيا، وخرج منها قاصدا سوريا فاعترضت قافلته قبائل عنزة سنة 1764م، حيث كانت في حالة حرب مع الأتراك تلك الفترة، فتم نهب القافلة بالكامل، إلا انه تم تأمين المسافرين ومنهم (نيبور) الذي غادر بضمان الغزاة إلى الموصل، ومنها إلى حلب فدمشق، وفي عام 1767م زار اسطنبول، ثم فلسطين ومنها أبحر إلى قبرص ليعود إلى وطنه في عام 1770 تقريبا.تزوج نيبور عام 1773م، تنقل بني عدة مناصب عسكرية في كوبنهاجن حتى عام 1778م عندما استلم منصبا مدنيا رفيعاً في مقاطعة ( هولشتاين)، بقي نيبور هناك حتى حانت وفاته سنة 1815م.
مؤلفاته
1- المجلد الأول: وصف الجزيرة العربية، نُشر في كوبنهاجن بلغة هولندية سنة 1772م، يشتمل على وصف كامل للجزيرة العربية وأسماء مدنها وقراها في نجد والحجاز والأحساء وشبه جزيرة سيناء مع ذكر القبائل العربية والأمراء والأعيان والمذاهب الدينية السائدة، وزين نيبور هذا المجلد بعشرات الصور التي رسمها عن الزي واللباس وحتى خرائط المدن والمناطق.
2- المجلد الثاني: (رحلات إلى بلاد العرب وبلدان أخرى محيطة بها)، نُشر عام 1774م، وقد أعاد أحد أبناء نيبور نشر هذا المجلد سنة 1837م، وأضاف إليه بعض أبحاث رفيق نيبور (فورسكال) عالم الأحياء النباتية، وهذا المجلد تم ترجمته إلى العربية بواسطة : عبير المنذر، وأصدرته دار الانتشار العربي سنة 2007م على مجلدين، في هذا الكتاب يتحدث نيبور عن اليمن والحجاز دون تفصيل ويركز على الأقاليم المحيطة في بلاد العرب مثل العراق والشام وإيران والهند.
3- اختصار الانجليزي (روبرت هيرون) لمؤلفات نيبور، تم طبعه سنة 1792م في مدينة إدنبرة، وبحسب رأيي فإن الاختصار كان مخلا جدا بمادة المؤلف ولكن يبدو انه مناسب لحصول المؤسسات الأكاديمية على ما ترغبه من معلومات تهم أوروبا بالتحديد.