عرض وتحليل: دكتور أحمد بن علي تمراز*
الرجال هم صُنَّاع التاريخ.. هكذا كان العرب قديماً يتعاملون مع تراجم الرجال من أصحاب الفكر والدعوة والمواقف الإنسانية والنبل والشهامة التي اتسم بها العربُ الأوائل؛ فقد امتلأت المكتبة العربية بكتب التراجم التي تميَّز بها العرب عن غيرهم حيث وثَّقوا لقبائلهم ورجالهم الأفذاذ.
وها نحن اليوم أمام أسرة كريمة هي أسرة آل الشثري، فقد صدر عن دار الحبيب بالرياض كتاب «آل الشثري.. علماؤهم وتاريخهم» لمؤلفه الدكتور محمد بن ناصر الشثري، وهو باحث ومؤلف ومحقق، له قرابة العشرين كتاباً. والكتاب الذي بين أيدينا يؤرخ لعلماء آل الشثري وتاريخهم، وهي أسرة أخرجت علماء فضلاء، ووجهاء كرماء، ناصروا الدعوة، وأخلصوا البيعة.والمؤلف من المهتمين بالتراجم والسير، ولديه معرفة ودراية كبيرة في هذا المجال، وبين ثنايا صفحات الكتاب نجد المؤلف قد أوضح عن الكثير مما يَعْرِفُ بهدف حفظ تاريخ الأسرة من الضياع، وبقصد التعريف بهذه الأسرة الكريمة، ولاسيما لأبنائها الذين قد لا يعرف بعضهم الكثير عن أسلافه، وليكون هذا العمل دافعاً للاقتداء بأولئك الأخيار.
وجاء هذا الكتاب في قسمين:
الأول: الترجمة لآل الشثري ابتداء من والد المؤلف إلى علماء قبل أربعمائة سنة، أي بدأ من الأحدث عائداً إلى الأقدام في التاريخ، وترجم في القسم الأول لتسعة من علماء آل الشثري.
القسم الثاني: أغلبه وثائق منقولة، سواء شفهية أو تحريرية، من رجال مختصين.ففي القسم الأول بدأ المؤلف بالترجمة للشيخ ناصر بن عبد العزيز الشثري، والد المؤلف، فهو الذي قرأ القرآن وختمه على يد الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن جبرين وهو في العاشرة من عمره المديد إن شاء الله، وأكمله حفظاً وهو في الرابعة عشر، والتحق الشيخ ناصر بالمعهد العلمي في الرياض عام 1372هـ، وأكمل دراسة الكفاءة والثانوية، ثم التحق بكلية الشريعة، وتخرج فيها عام 1379هـ، ثم عمل مدرساً للمواد الدينية بالمعهد العلمي بالرياض، وعُيِّن مديراً عاماً للشؤون الدينية في الحرس الوطني عام 1384هـ، وأنجز الكثير من مشاريع الخير أثناء عمله بالحرس الوطني؛ إذ أشرف على بناء العشرات من المساجد، وإنشاء مدارس تحفيظ القرآن الكريم بالحرس الوطني.
ومن معايشة كاتب هذا المقال للشيخ ناصر الشثري وزيارته له أسبوعياً أكثر من مرة يجزم -هو وغيره- بأنه يتمتع بالكرم والشهامة، فهو محب لمكارم الأخلاق، ومجلسه حافل برجال العلم والدين والأعيان، فضلاً عن أصحاب الحاجات، فهو لا يرد محتاجاً، ولا نسمع منه إلا كل خير، ولا نرى منه إلا ما يسر النفس من كرم وجود، ولا يقدم إلا النصح والإخلاص؛ الأمر الذي جعله يحظى بتقدير كبير من الجميع عامة، ومن أولى الأمر خاصة، ولم يبخل قط -حفظه الله- بجاهه وماله في مساعدة طالبي العون فيعينهم على حل مشكلاتهم، ويقوم بدور بارز في إصلاح ذات البين ويزيل ما بين المختلفين من خصومة أو سوء فهم حتى يصلح بينهم مهما كلفه ذلك من أعباء مالية أو معنوية.
الترجمة الثانية التي تناولها المؤلف هي للشيخ الفقيه العالم عبد العزيز بن محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم الشثري الذي ولد عام 1305هـ، ونشأ نشأة صالحة، وحفظ القرآن قبل كل العلوم، وقرأ مبادئ النحو على والده وعلى مشايخ بلده ، وتعلم الفرائض والتوحيد والحديث، وسافر إلى الرياض في العشرين من عمره، وهناك قرأ على مشايخ أجلاء منهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ، والشيخ عبد الله حسن بن حسين آل الشيخ، والشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والشيخ سليمان بن سحمان.. وغيرهم.
* عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض