Al Jazirah NewsPaper Sunday  21/02/2010 G Issue 13660
الأحد 07 ربيع الأول 1431   العدد  13660
 
هموم وشجون على أرفف مكتبة الأمير سلمان المركزية بجامعة الملك سعود!

 

عندما يريد الباحث أن يعرف مدى ما تتمتع به أي جامعة فما عليه إلا أن يدلف إلى مكتبتها المركزية؛ فهي المفتاح الذي يستطيع من خلاله أن يتعرف على مدى تطوُّر الجامعة ومواكبتها للعلوم بجميع أنواعها.

وما يميز مكتبة الأمير سلمان المركزية أنها ليست مجرد مكتبة واحدة، وإن كانت في الحقيقة هي المكتبة المركزية في المدينة الجامعية، إلا أن هناك مكتبات أخرى تتبعها لا تقل أهمية عنها مثل مكتبة مركز الدراسات الجامعية للبنات في عليشة، أو مكتبة الكليات العلمية في الملز، فضلاً عن مكتبات الكليات المرتبطة بالجامعة الأم، كما لا يغيب عن الذهن تلك المكتبات الصغيرة، أو التي تسمى في بعض الأقسام بمكتبة القسم أو مركز أبحاث القسم؛ فهذه المكتبات، وإن كانت صغيرة جداً، أو لا تكاد تُذكر عند مقارنتها بالمكتبة المركزية، إلا أنه قد يوجد بها من الكتب التخصصية ما لا يوجد في المكتبة المركزية.

ومن هذا الباب فإنني أدعو في ظل التطور التقني إلى أن تشكل المكتبة المركزية فريق عمل ولجاناً تفحص ما لدى الأقسام من كتب ودوريات ومستلات أبحاث وتفهرسها، وتربطها بالفهرس العام للمكتبة المركزية مع وضع روابط بذلك؛ ليظهر للمتصفح أن ذلك البحث أو الكتاب محفوظ في مكتبة قسم من أقسام الجامعة.

المكتبات تنمو بالتزويد

وسبب هذا التفرد أو لنقل التميز الذي تنفرد به بعض تلك المكتبات في الأقسام أنها تغذَّى علمياً من أعضاء القسم؛ فأنا أعلم علم اليقين أن بعض الأساتذة يقوم بين الفنية والأخرى بفرز مكتبته الخاصة فيأخذ ما فيها من نسخ زائدة إلى مكتبة قسمه، وقد يكون ما زود به مكتبة القسم ليس موجوداً في المكتبة المركزية.

وإن كان لي من مقترح بهذا الشأن فهو أن تقوم عمادة شؤون المكتبات بجامعة الملك سعود بالإشراف من الناحية التقنية على مثل هذه المكتبات المتخصصة، وتشجيع قيامها، وأن تحث بعض الأساتذة الذين ينوون وقف ما لديهم من كتب متخصصة في هذه المكتبات الصغيرة بإشهار مثل هذا العمل، وترتيب أركان وزوايا وخزائن لحفظ مثل هذه الكتب الموقوفة. وسبق أن دار حديث بيني وبين شيخنا الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن ناصر المانع أستاذ كرسي المانع في الجامعة؛ فأسر لي أنه قد وقف كتبه على مكتبة جامعية، في وصية كتبها محفوظة لديه.

وإني إذ أنوه بمثل هذا العمل الرائد لأشجع على نمو المكتبات في الجامعة وفي غيرها. إن فعلنا مثل هذا الأمر أصبح لدينا مكتبات تدخل ضمن مقتنيات المكتبة من غير أن يصرف عليها أي مبلغ مالي. وهذا الأمر قد شاهدته مجرباً في مكتبة الملك فهد الوطنية التي تضم بين جنباتها مكتبات وقفية لأعلام ما زالوا على قيد الحياة، وليسوا في عداد الموتى، وخير مَنْ يمثل هذه الفئة الأديب الشيخ العالم الجغرافي الموسوعي عبدالله بن محمد بن خميس، أمد الله في عمره على طاعته، وألبسه لباس الصحة والعافية.

ما سبق هو أمر خطر في البال وساح به المداد، عسى أن يكون فيه ما يفيد.

أما ما أود الإشارة إليه في الحديث عن جامعتنا العريقة، جامعة الملك سعود، فهو إشارة المحب العاشق إلى نوع من أنواع وسائط الكتب الذي لو لم يكن منه إلا أنه حفظ لنا ما خلفه سلف الأمة في عصور تطورها وازدهارها، وهو ازدهار نرجو أن يعود قريباً، وتقوده جامعتنا العريقة. ذلك هو ما يُعرف بالمخطوطات؟ وما أدراك ما المخطوطات، تلك الأوراق الصفراء والحمراء والسمراء، لكل لون قصة، ولكل لون حكاية؛ فلون الورق يبين نوع ما صنع منه. وسوف أتناول ما قدمته جامعة الملك سعود من جهود في المحافظة على المخطوطات من خلال مكتبة الأمير سلمان المركزية؛ لأن لي علاقة حميمة مع هذا النوع من الكتب على مدى سنوات تجاوزت العقدين هاوياً محباً، ثم متخصصاً وباحثاً، ثم وقف بي الحال عاشقاً مهووساً به حتى إنني لم أعد أقدر على فراقه ولو أياماً قليلة. ولما كانت هذه الصحبة - كما أسلفت - تجاوزت العقدين فإنني أجد أني لزاماً عليّ أن أذكر أن مكتبة جامعة الملك سعود كانت ولم تزل هي المكتبة الوحيدة على مستوى المملكة العربية السعودية التي فهرست مخطوطاتها منذ مدة ليست قليلة، ولم ينشر من فهارسها إلا العدد القليل، أما باقي الفهارس فلا تزال تنتظر دورها في النشر في مطابع الجامعة، وأعرف الكثير من الباحثين داخل المملكة وخارجها من المهتمين بالمخطوطات والفهارس دائماً ما يتساءلون عن سبب عدم طباعة ما بقي من الفهارس.

كما يشهد أيضا القاصي والداني في السياق نفسه أن مكتبة الأمير سلمان المركزية بالجامعة هي المكتبة الوحيدة على مستوى المملكة التي وضعت بعضاً من مخطوطاتها على موقع الجامعة على الشبكة العنكبوتية، وأصبح من اليسير بمكان تنزيل ما يحتاج إليه الباحث من مخطوطات دون عناء، مع أن لي في هذا الجانب وقفة ليس هذا المقال مكانها، وقد أعود إليها في مقال آخر.

وبهذا يبدو أن المخطوطات في الجامعة وجدت الاهتمام من جوانب شتى، والجانب الأهم هو العناية والفهرسة، ثم طباعة الفهارس وإتاحتها للمهتمين. وفي الجانب الآخر، ومواكبة لعصر الميكنة، جرى تصوير هذا الكم الهائل من المخطوطات تصويراً ملوناً على أحدث درجات العناية، ثم إتاحتها على شبكة الإنترنت، وكلا الجانبين مهم تعاملت معه الجامعة بشيء من العلمية والحرفية غير المسبوقة، ولعل هذا مما يحمد لمعالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن العثمان الذي لا يألو جهداً في السعي الحثيث إلى تطوير الجامعة على الأصعدة كافة، وبخطوات متزامنة في جميع الاتجاهات، كما لا يغيب عن الذهن تلك العمادة الناضجة المتمثلة في عمادة شؤون المكتبات التي تعاملت مع هذا النوع من وسائط الكتابة وفق العقلية الجديدة والمتواكبة مع تقنية العصر، ولم يعد الاطلاع على المخطوطات من المحظورات التي قد تصل إلى المحرمات بحجج واهية قديمة ظاهرها الرحمة وباطنها البيروقراطية المعقدة غير المنطقية، وقد سهلت العمادة مشكورة سبل وصول المخطوطات إلى يد أي باحث في أي جزء من العالم، بأن يطلع عليها ويقلب مصورتها بيده كأنها الأصل. فللعاملين في عمادة المكتبات جزيل الشكر مني شخصياً ومن الباحثين الذين زف بعضهم البشرى لبعض حينما نزلت أول مخطوطة على الإنترنت. ويمكن لأي أحد منا أن يجيل أصابعه على أي محرك بحث أو موقع من المواقع المسؤولة التي تهتم بالعلم وأهله، ويجد تلك البشائر، بل تبادل التهاني على هذه المكرمة التي تفضلت بها الجامعة ممثلة في عمادة شؤون المكتبات.

كرسي المخطوطات وجهود الدكتور ابن جنيد

وإنني بهذه المناسبة التي أُشيد فيها بمكتبة الأمير سلمان المركزية وبالجامعة التي تحتضنها لأقول إن هذه الريادة التي تضطلع بها المملكة، ونحن في عصر المعلومات، تبيّن أنه ليس من الحكمة في شيء التفريط بهذا النوع من المكاسب العلمية؛ إذ كلنا يعلم أن المخطوطات نوع من أنواع وسائط الكتابة، ونقل العلم عرفته الإنسانية زمناً حتى ظهر ما يدعونا إلى أن نذهب إلى غيره، فلعل من الوفاء لهذا النوع أن تسعى الجامعة ممثلة في عمادة شؤون المكتبات إلى ما يأتي:

1 - ضرورة العمل من لدن العمادة وإدارة الجامعة لتأسيس كرسي ل(المكتبات والمخطوطات) يكون باسم الأستاذ الدكتور يحيى بن جنيد، الذي سبق أن حصل على جائزة الملك فيصل، ويعنى الكرسي بأمور مهمة عدة، منها:

- تدريب العاملين في هذا المجال المهم على التقنيات الحديثة التي أصبحت تتطور وتتغير بشكل ليس من السهل متابعته دون تخصيص موارد مالية داعمة.

- ترميم المخطوطات التي تعود لعصور مختلفة.

- دعم الباحثين والدارسين على دراسة وتحقيق ونشر المخطوطات التي لم تنشر بعد.

- العمل على إقامة الورش واللقاءات العلمية بين العاملين والمهتمين في هذا المجال المهم الذي تتزايد أهميته يوما بعد آخر.

- نشر الفهارس الخاصة بالمكتبة وبغيرها من المكتبات.

2 - إقامة تجمع أو رابطة تحت مسمى يتفق عليه فيما بعد يكون معنياً بعلم المخطوطات والخطوط.

3 - يحبذ أن تتبنى العمادة إقامة ورشة عمل يدعى لها من يعمل في فهرسة المخطوطات وترميمها على مستوى الوطن العربي يتخلل هذه الورشة حلقات تدريب ونقاش يقدمها نخبة ممن أفنوا جزءاً من عمرهم في هذا النوع من المعرفة الإنسانية من داخل المملكة ومن خارجها، وأنا على أتم الاستعداد لأن أكون أول المشاركين في هذا الجانب تنظيماً وتدريباً.

المملكة ومكانتها في حفظ المخطوطات

كما لا يفوتني أيضا أن أشير إلى أن المملكة العربية السعودية تعد واحدة من أكثر الدول على مستوى العالم حفظاً للمخطوطات وفي أفضل الظروف، وما قيام مشروع حماية التراث المخطوط في المملكة العربية السعودية الذي عملت عليه عندما كنت مسؤولاً عن المخطوطات والوثائق في مكتبة الملك فهد الوطنية إلا دليل على اهتمام القيادة في المملكة - أعزهم الله - بمثل هذا النوع من الأوعية. وقد كانت فكرة التراث المخطوط من الأفكار النيرة التي تبناها وسعى إلى تحقيقها بدعم من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز، أمير الرياض المحب للكتاب أيّاً كان نوعه، ذلك الأستاذ الفذ الأستاذ الدكتور يحيى محمود بن جنيد (أبو حيدر)، الأمين العام لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية حالياً. لهذا أقترح على عمادة شؤون المكتبات أن تسعى سعياً حثيثاً لعقد شراكة مع عدد لا بأس به من مكتبات العالم العربي والإسلامي والعالم، التي تضم مكتباتها عدداً كبيراً من مخطوطات عربية إسلامية، وتوقع معها اتفاقيات تبادل لمصورات المخطوطات التي يطلبها الباحثون، كل حسب تخصصه، وبهذا العمل سوف تفيد وتستفيد من جوانب عدة، منها:

- ربطها بعدد من الباحثين المميزين الذين يهتمون بهذا النوع من الأوعية.

- سوف تنمِّي مجموعاتها على مر السنين بما سوف يصل إليها من مصورات يتم طلبها لصالح الباحثين، وبهذا تكون قد جمعت الحسنيين.

- القضاء على تجارة مصورات المخطوطات التي برزت خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وقبل أن أختم مقالي أود أن أورد بعض الإحصائيات عما تمتلكه العمادة من مخطوطات؛ فأقول: يبلغ عدد مخطوطات الجامعة 8280 مخطوطاً. عدد لقطات تصويرها يبلغ 2090672 لقطة. وعدد عناوين المخطوطات أكثر من 13000 عنوان، طبع من فهارسها 6 مجلدات فقط. وتعد فهارس الجامعة المطبوعة وغير المطبوعة من أفضل فهارس المخطوطات في المملكة دقة وأقلها أخطاء فنية ومطبعية.

آمل أن أكون قد نوهت بهذا الجهد الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية ممثلة بعمادة شؤون المكتبات بجامعة الملك سعود، وهي عمادة لا تألو جهداً في النهوض بالعملية التعليمية وباقتصاديات المعرفة، وهو مما يميز جامعتنا. فإلى الأمام، والسلام.

* وكيل كلية السياحة والآثار، جامعة الملك سعود



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد