ناقش الإعلامي السعودي الكبير (زهير الأيوبي) حال القناة التلفزيونية الثقافية، والتحديات الكبار التي تواجهها صحيفة (الجزيرة، 4 ربيع الأول 1431هـ، ص29) وهي تحديات نشأت بفعل عوامل عديدة، أشار إليها «الأيوبي»، حيث أصبح الظهور المفاجئ لها حديث بعض الإعلاميين الأكاديميين، والخبراء، والمهنيين، الذين رأوا ضعف الكوادر البشرية، وعدم تأهيلها وفقاً لقواعد سوق الإعلام، وهو ما أتفقُ فيه مع «الأيوبي» الذي طرح رؤية لكيفية مواجهة القناة تحديات، لا أحسب أنها تفوت على الوزير (د. عبدالعزيز خوجة) صاحب فكرة القناة، والمرتبطة به فكرياً وثقافياً.
ابتداءً لا بد من الإشارة إلى أن الميزة الأهم لرؤية (الأيوبي) تنسجم مع مبدأ: الشفافية، والرأي الآخر، الذي يُعدُّ الإعلام أحد أهم قنواته، ولذلك فإن أي نقد أو تقويم للقناة الثقافية، لا بد أن يتم من خلال السياسة الإعلامية السعودية، وخطط التنمية، والانفتاح الإعلامي في عهد الملك «عبدالله بن عبدالعزيز» وجهوده في مضمار الحوار الوطني، وحوار الأديان المنبثقين من الحقيقة الكبرى لموقف المملكة العربية السعودية، الذي يرى أن الإعلام سلاح ذو حدين، وأن أي تناقض ينتقص من قيمته، أو من أي جزئية من جزئياته، ليست من الإعلام في كل أبعاده، وواقعيته، ومستقبله، والمقاصد المتوخاة منه.
فكرة القناة في حد ذاتها جديرة بالتنويه، ولعل أول ما يلاحظه أي باحث لمفهوم ثقافة المجتمع السعودي، أنه يرتبط -أول ما يرتبط- بتعاليم الدّين الإسلامي، فضلاً عن أنّ هذا المفهوم يتميز بالتنوع، والسعة، والشمول، وعلى هذا الأساس عرّفت خُطة التنمية السادسة ثقافة المجتمع السعودي بأنها «تشمل مجموع المعارف، والقيم، والالتزامات الأخلاقية المستقرة فيها، التي ترسخت في ثبات العقيدة، وتعاليم الدّين الإسلامي مثلما تشمل: طرائق التفكير، وأساليب النتاج الجمالي، والفني، والمعرفي، والتقني، وسبل السلوك، والتصرف، والتعبير، وطُرز الحياة، كما تشمل: تطلعات الفرد والجماعة في المجتمع السعودي، وقيمهم ومستقبلهم، وابتكار ما يتفوقون به على أنفسهم».
من المبكر الحكم على نجاح أو فشل القناة الثقافية التلفزيونية السعودية، ولكن عند التقييم المرتقب والمفترض، لا بد من معرفة الأجواء التي ظهرت فيها القناة، والمبررات التي أدت لظهورها، والعناصر المهيأة لحمل رسالة الثقافة، والخطط، والآليات، والبرامج، وعنصر الإدارة، وتوافر المال، وكل هذه العوامل مهمة، وضرورية، وأساسية، ولا ينبغي تجاهلها، بغض النظر عن أسبقية قنوات أخرى مماثلة، والصبغة الثقافية التي تصطبغ بها، لتظل الدراسة التقويمية لأداء هذه القناة، مبنية على معايير الجودة الإعلامية، والمضمون الإعلامي الثقافي الهادف، المتوج بروح المسؤولية، وعمق الرؤية الشمولية، التي تُجسد في هذا الموقف حقوق الإنسان السعودي في الإعلام.
ليس من العيب العودة عن قرار، يتعلق بالتفاعل مع نبض الحياة الإعلامية، وجوهرها، وأهدافها، ومقاصدها، بهدف تنمية الملكات والطاقات والمهارات، كما أنه من المثمر إعادة النظر في مواد هذه القناة من حيث: المضمون، والإعداد، والتقديم، في ضوء المادة (14) من السياسة الإعلامية السعودية التي نصت على أن «تخصص وسائل الإعلام برامج ثقافية رفيعة المستوى، متعددة الاتجاهات، للفئات المثقفة ثقافة عالية، من شأنها أن تلبي حاجات هذه الفئات الفكرية والثقافية، وتستديم اتصالها بالحياة العلمية المتطورة، ووقوفها على الآثار الفكرية المتجددة» وهو ما كنت أتوقع أن تنطلق منه هذه القناة، بالإضافة إلى أن الرؤية المستقبلية لقطاع الثقافة في خطة التنمية الثامنة، تمحورت حول التصورات التالية:
أولاً: توسيع مفهوم محو الأمية من القراءة والكتابة، إلى محو الأمية الثقافية، وإنجازه على المستوى الوطني من خلال:
1 - وضع برنامج وطني شامل تحت اسم «القراءة للجميع» تتعاون على تنفيذه وزارتا: التربية والتعليم، والثقافة والإعلام.
2 - التنسيق بين وزارة الثقافة والإعلام، ومؤسسات الإنتاج الفني، لإعداد الأولى، كما أن الالتزام بها ينبغي أن يكرس في أنماط متعددة من الثقافة، فالمسرح التلفازي والإذاعي يحتاج إلى تفعيل، والدراما تحتاج إلى غربلة وتجديد، وبرامج المسابقات العقلية والذهنية لم تظهر بعد، بالإضافة إلى ذلك ضرورة الإسراع في وضع «خطة وطنية للثقافة، تحدد مكوناتها وفقاً للاحتياجات والتطلعات، مستفيدة من تجارب الدول المتقدمة، التي أنجزت مشروعات ثقافية كبرى».
لا أعتقد أن هذه الرؤى غابت عن وزارة الثقافة والإعلام، ولا أتوقع أن تكون مغيبة، فللوزارة -وبخاصة في عهد الوزير خوجة- مبادرات إعلامية وثقافية لا يمكن إنكارها، ومن هنا فالمتلقون يتطلعون إلى تفعيل هذه الرؤى من خلال القناة الثقافية، ولاسيما أن الدولة -كما جاء في خطة التنمية الثامنة- «تسعى جاهدة لتوفير الطلب على الخدمات الثقافية، والإعلامية، وإشباع الرغبات المعرفية للمواطن، بما يتلاءم وينسجم مع المتغيرات والمستجدات التي يشهدها العالم، ولا يتعارض في الوقت ذاته مع: القيم الدينية والاجتماعية».
بوسع القناة الثقافية التلفازية السعودية، أن تسهم في إثراء الفكر الثقافي السعودي، وتصدره للخارج، وتتبادل معه الثقافة الملائمة لأوضاع المجتمع السعودي، ولعل هذه الرؤية تدفع وزارة الثقافة والإعلام لإعادة النظر في مضامين القنوات الأربع الأخيرة، والاتفاق على صيغة معينة، من أجل قيام مجتمع إعلامي سعودي، يعيش على هاجس المسؤولية الإعلامية، ويجسد الحرية الإعلامية المسؤولة، بعيداً عن التشويه المتعمد الذي تثيره وسائل إعلام وافدة.
بدر بن أحمد كريم
فاكس: 014543856
بريد إلكتروني: badrkerrayem@hotmail.com