Al Jazirah NewsPaper Thursday  04/03/2010 G Issue 13671
الخميس 18 ربيع الأول 1431   العدد  13671
 
الذاكرة... ظل
سليم صالح الحريص

 

ذاكرتك حبلى بالصور.. مليئة بالذكريات.. ما بين ذكرى مبهجة تزفك إلى عالم لا يغرد في فضائه إلا بلابل تعانق الفرح.. وما بين ذكريات تحمل بين صورها دمعة الوجع والآهة المترعة بالهم والأسى.

* في وقت ما... في زمن ما... يحلق بك الفكر... يعيدك إلى الوراء عنوة.. لأنك لا تقوى على كبحه. تمتطي صهوة فرسك... تعيدك إلى الوراء. قبل سنوات.... قبل سنين... قبل عقود.

* يستهويك النكوص عنها... العودة إلى حيث كنت. ولكن... إنك لا تقوى. لا تملك القدرة على أن توصد نوافذ هوائها... ولا نسمات حضورها.

* طيف الذاكرة... يحاصرك... وأنُسك في زمنك الجميل ذاك تعجز عن صد حضوره.

* الذاكرة... هي الحاضر... الغائب....

الصوت والصدى... حاضرة معك أينما كنت وفي أي مكان تكون...

* الذاكرة تلقي بظلالها عليك.. لها جمرة متقدة إن كانت الصورة تحمل الوجع الذي ما زالت وشومه في قلبك وفكرك وعقلك. ولها إشراقة على الشفة ولها صفاء وانشراح أسارير الوجه إن كانت تشكل نقطة مضيئة في حياتك.

* الذاكرة تحملها معك... تنقلها أينما اتجهت.. لا تستطيع الانفكاك منها.. لا تستطيع الخلاص من قيدها. في كل مكان تطأه قدمك له ذكرى... له صورة. تستيقظ... كلما أسرجت لخيول الفكر حرفا.. أبحرت في تفاصيل المكان.. إن حجرت على تفكيرك وتأملت هنا... وهنا... وهناك.. سيأتيك ذلك الذي يوقد الجمرة.. يلفحك بنسماته. عندها ترهف السمع لصوت يأتيك من الأمس.. يأسرك... يضع قيده.. تهب عليك نسيمات من ذلك الشيء الذي له في نفسك وقع... له في قلبك مكان. وله في عينيك سكن.... تراه... تتخيله كل حين...

* ذاكرتك ظلُ... لا يسير أمامك... لايبتعد عنك. وإن حاولت التخلص منه... ذاكرتك ليست أوراقاً تمزق أو تحرق... ليست ورقة من تقويم لعام مضى طويتها أو رميت بها. أو قذفت بها... (إنها شبيهة بقبقاب غوار الطوشه).

* حين تهطل سحب الذاكرة... لا تستأذنك في الهطل... ولن تمنحها تأشيرة كي تدلف إلى عالمك... تزورك في أية لحظة... تعانقك عنوة.. تفتح لك سجلاتها متى شاءت... لا متى رغبت أنت.

* في حياتنا محطات... تسعفنا الذاكرة.. كي نرتق ما بلي.. من سِفر عُمر.. من سنين توارت... خلف جدران التناسي... النسيان.

* وفي حياتنا خيبات تمدنا الذاكرة بما يخفف عنا وقعها... بل وتعطينا جرعة كي نتجاوزها؛ لنملأ الدنيا ضجيجاً... صخباً.

* تأتيك في نومك... وتزورك في صحوك.. وتعتقلك في خلوتك.. تسامرك إن قل المتسامرون... وتسليك إن نأيت بنفسك وتوحدت في المكان... وأرخيت لسابحات الفكر... وأطلقت العنان لطائرك كي يغرد.... تنقل إن شئت... ارتحل كيفما أردت.

* تريد أن تكسر الحواجز... تقفز فوق الحقائق... أن تغيرّ من واقع الأشياء... لكنها... تبقى رقيباً... تتهكم عليك... تسخر منك حين تريد تبييض ما أسودّ... تلميع ما ترمد... تلوين ما بهت.

* إنها سيف مسلط... عواصف لا تتحكم بها حالة المناخ ولا تنبؤات جوية... لا تعرف الفصول الأربعة...

* من يريد التخلي عن أشيائه... الانسلاخ من محيطه.. الانطلاق في فضاء جديد... بلا جذر... دون عروق... ستذهب به الريح... تحمله إلى دوامة لا مستقر فيها... إنها الذاكرة التي ما تنفك عن ملاحقتك

* أن تملك مساحة.. للبوح... ابحث عن البياض... في تأملك.. وانظر للإخضرار حولك.... وتمتع بنظر يطالع كل الاتجاهات ولا تطالع موطئ الأقدام..

* لا تقلق من الأسئلة... وإن كثر الطرح... ولا تغص في تفاصيل الأشياء وإن أقلقتك... فأنت تبحث عن الأشياء التي قد لاتجيء إلا بجهد... بتعب... فتش عن الذاكرة... فقد تجد في مخطوطاتها ما يسعفك... كي تصل... تضيء لك قناديل... قد تأخذ بيدك.. تقرئك بعضاً مما تضم سجلاتها... قد تجدي... قد تجد فيها ما ينفعك.

*... إنها الذاكرة.... الظل.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد