(نمو الذكاء يحتاج إلى سعة في طرح الموضوعات) جملة قالها الشيخ صالح آل الشيخ وزير الشؤون الإسلامية -وهو يقصد الذكاء السعودي تحديداً- وذلك في محاضرته التي ألقاها خلال ملتقى المدربين المعتمدين لنشر ثقافة الحوار بالرياض قبل أشهر.
شدتني هذه الجملة كثيراً وأنا أستمتع بتلك الجولة الفكرية التي كان بطلها شيخاً حضرت له دروساً في بعض المتون الشرعية التي كان يشرحها قبل عشرين سنة في أحد مساجد الرياض، وإذا بي أراه بعد أن اشتعل الرأس شيباً يتحدث عن غوستاف لوبون وأرسطو وأفلاطون والفارابي ويقدم فلسفته حول نظرية الحكم وقيادة العالم في إطار شرعي مدعم بقال الله وقال رسوله.
إنها السعة في طرح الموضوعات عبر التوسع في المشارب الثقافية والقراءات المتعددة غير المقيدة. والسؤال هو: كم من بيننا يقرأ وفق هذا المنهج؟ نحن نعاني وبلا شك في غياب القراءة كنشاط اجتماعي) مثل ما هو موجود في الغرب والشرق من حولنا (يمارسه السعودي في الطائرة أو في المقهى أو في غرف الانتظار بالمستشفيات والدوائر الحكومية ومحلات الحلاقة) باستثناء المجلات الهابطة فكرياً لدى بعض الفئة الأخيرة (دون أن يتعرض لنظرات الريبة والشك من الموجودين حوله كونه يحمل كتاباً! أو نظرات التعاطف ولسان الحال يقول: يذاكر للاختبار الله يوفقه! ليواصل الجميع هوايتهم غير المستنكرة أثناء الانتظار (البحلقة) في الآخرين!) إن كان الشيخ وهو المتبحر في العلم والمتربع على كرسي (الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد) يقرأ بهذا التنوع ويلفت أذهان مريديه إلى عقول الآخرين (الكفار) وفلسفاتهم، فمن هم أصحاب التحذيرات الشرعية من القراءة والاطلاع على الفكر والأدب، بدعوى تكذيب القصة وغواية الشعر وتكفير الفلسفة؟. وبالمقابل، قصر القراءة على نوع معين منها ويفسرونه حسب هواهم ويحجرون على العالم برؤياهم! لا شك أن حق إبداء الرأي محفوظ، لكن: لماذا سعى البعض لتكريس رأي هذه الخطورة اجتماعياً حتى تغلغل في ذهنية أجيالنا مناهج فقيرة فكرياً، وعقليات إدارية ديناصورية، وفئة تعليمية تضخ في أذهان الطلاب هذا المفهوم غير المبرر؟! من هو المسؤول عن قتل فعل القراءة في المكتبات المدرسية، وتجميد عدد المكتبات العامة بدلا من نشرها في الأحياء بعد عقود كبرت فيها المدن وترامت أطرافها؟! إن هؤلاء - الذين يتحسسون أسلحتهم عندما يسمعون كلمة ثقافة- بعضهم لا يملك نصف علم الدكتور آل الشيخ الشرعي وأغلبهم لا يملك اطلاعه وفقهه بالواقع، وإن كان تحريمهم ما أحل الله غير مبرر، فإن خوفهم من الثقافة مبرر.. لأن المرء عدو ما يجهل.
fahadag@gmail.com