Al Jazirah NewsPaper Sunday  14/03/2010 G Issue 13681
الأحد 28 ربيع الأول 1431   العدد  13681
 

سياحة في بيت
الله يذكر ذاك الإنسان بالخير!

 

تدري وش آخر كلمة قلتها عنك

الله يذكر ذاك الإنسان بالخير!

ليلان الرشيدي – تمير :

إنه (بيت وحيد لي لم أضف عليه شيئا لأنه اكتمل معناه بالنسبة لي) هكذا قال عنه صاحبه في مقال توضيحي غرضه التوثيق, نشره في صفحة عزيزتي الجزيرة قبل ثلاث سنوات ونصف تقريبا, وتحديدا في العدد الصادر يوم الأحد 3-8-1427هـ-، الموافق 27-8-2006م..

والبيت بسيط جدا وواضح جدا, ومباشر جدا أيضا, وهو - من حيث الصياغة - إلى النثر أقرب منه إلى الشعر.. لكنه مؤثر, يستوقف سامعه ويشد انتباهه, وهذا هو ما نسميه الإدهاش, وكما يكون الإدهاش بالصورة الممغنطة, وبالكلمة الملوَّنة, وبالمعنى المبتكر, وبالإيحاء المهم.. يكون أيضا ببساطة المعنى, وربما بسذاجته..!

وفي كثير من الأحيان يعجز المحلل المتأمل عن تحديد مشعات الجمال في بيت من الأبيات أو نص من النصوص, لأن هذه الإشعاعات تكون من النوع الذائب في تركيبة البيت أو النص ذوبانا يخالط اللحم والعظم والدم, ويسري فيه سريان تيار الكهرباء الذي تظهر آثاره في الإضاءة والإشراق ولا يُرى بالعين المجردة..

وأتوقع أن البعد الإنساني في بيت ليلان هذا هو أحد مصادر إشعاعاته الجميلة, فنحن نستشهد به لأنه يسعفنا في بعض المواقف في التعبير مشاعرنا تجاه الأعزاء بعمق.. وأظن - غير جازم - أن التعبير عن المشاعر بشعر هو إلى النثر أقرب, يبقى أكثر تأثيرا ووصولا إلى قلب المخاطب من التعبير بالشعر الصاخب الإيقاع, أوالنثر المنزوع الإيقاع, لأن الإيقاع الصاخب يُضعف بِجَرْسه حالة الاتصال الروحي بين الطرفين, ويَخرج بشفرة الاتصال من الطبيعي السلس إلى المتكلف المجلجل.. أما الإيقاع الهادئ فيضيف إلى الموقف حالة من الارتخاء والارتياح. والقلوب لا تتمازج مشاعرها ما لم تتعانق في جو طبيعي لا صخب فيه.. هكذا أتخيل المسألة!

ومن أجمل ما في عالم الشعر الساحر أن مقومات الجمال والإدهاش فيه لا تقتصر على الغريب الصعب في المعنى والصورة والكلمة والبناء, ولا على الغامض الذي يستنفر الحواس للدخول في جوّه الخاص.. فالإدهاش لا علاقة له بالوضوح والغموض, ولا بالسهل والصعب. وساحر الواضح أجمل - في تصوري - وأمتع وأكثر جمهورا من ساحر الغامض, وإذا كان الغموض موجّها للنخبة من المتذوقين, فإن الواضح موجّه للخاصة والعامة معا, والمبدع عامة والشاعر خاصة يهمه - حسب طبيعته الإنسانية - أن يكسب أكبر عدد من المعجبين, ويسرّه أن يسمع عبارات (لله درك!.. أحسنت!.. لا فُض فوك!) من أكبر عدد من الناس.

ولا أقصد بكثرة جمهور الواضح جمهورَهُ من العامة فقط, لأن هذا يشير إلى ابتذال الشعر أكثر من الإشارة إلى رُقيّه وجماله وعذوبته, وذوق العامة وحدها لا يرفع من قيمة الشعر.. لكن الذي أقصده هو ما يأسر العامة والخاصة معا.. وهذا شعر نزار قباني, وهو من رموز الوضوح, ارتقى به في سموات المجد, وأقرَّ برقيّه وجماله المثقف والعامي على حد سواء, ارتقاءً لم يحصل للملهمين من شعراء الرمز, وشعراء الحداثة وغيرهم..

وعندما قرأت البيت في مقالة ليلان آنفة الذكر أعجبني فأرسلته عبر الجوال إلى صديق من الزملاء من أرباب الأدب والثقافة وهو شاعر وناثر وناقد أيضا, وعندما وصله استملحه فأرسله بدوره إلى صديق له كانت له معه مواقف وفاء.. وعندما وصل البيت إلى ذلك الصديق أعاده نفسه من الغد إلى صاحبي, لأنه لم يجد - كما يبدو - معنى يرد به أفضل وأكثر تعبيرا منه, فرده بنصه إليه.. وعندها كتب زميلي إليه الأبيات التالية تعبيرا عن الموقف, بعد أن صدّرها ببيت ليلان فقال:

تدري وش آخر كلمة قلتها عنك

الله يذكر ذاك الإنسان بالخير

ما هو لزين أفعالك اللي تجي منك

وما هو لأنك فيك للطيب تقدير

لكن لأني بنك مبدا.. ترى البنك

حتى لسرّاقه يسوق الدنانير

وأنا بحالات التفاريج والضنك

مبداي خير.. وموقفي دايمٍ غير

عبدالعزيز القاضي

Alkadi61@hotmail.com

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد