نايف غانم الفقير
أشار وزير الثقافة الفرنسي فريدريك ميتران في خطابه بمناسبة افتتاح الجنادرية 25 يوم الأربعاء الماضي، إلى عراقة قدم العلاقات السعودية الفرنسية، وتحديداً إلى اتصالين دبلوماسيين في غاية الأهمية لتاريخ العلاقة بين البلدين، الأول وجود اتصال بين فرنسا زمن الإمبراطو نابليون بونابرت مع الإمام سعود بن عبد العزيز - رحمه الله - (سعود الكبير) أي زمن الدولة السعودية الأولى، والثاني اللقاء التاريخي الذي جمع جلالة الملك فيصل - رحمه الله - مع الجنرال ديغول مؤسس الجمهورية الحديثة.
لقد بدا لي أنّ ثمة تجاهلاً إعلامياً مع إشارة وزير الثقافة الفرنسي عن الاتصال الفرنسي السعودي في عهد الدولة السعودية الأولى، في حين تم التركيز على تناول قضية لقاء الفيصل - رحمه الله - مع الجنرال ديغول سنة 1967م، هذا التجاهل يعود بالأساس إلى عدم استيعاب إعلامنا لما أشار إليه الوزير الفرنسي من ناحية تاريخية.
إنّ ما أشار إليه وزير الثقافة الفرنسي إنما يعود إلى أرشيف الدولة الفرنسية، الذي يقول إنّ الإمبراطور نابليون بعث رسولاً لمفاوضة الإمام السعودي في ذلك الوقت وهو: الإمام سعود بن عبد العزيز - رحمه الله -.
مصادر التاريخ الفرنسي (أرشيف الدولة) أن رسول فرنسا المكلف بهذه المهمة هو: (دي لاسكاريس)، وإن هذا كان يريد أن يتحالف مع (الوهابيين) كما كان اسمهم في أوروبا ضد السلطنة العثمانية، وهذا بالطبع هو ما قصده وزير الثقافة الفرنسي في كلمته التي ألقاها في حفل افتتاح الجنادرية 25.
أثارت بعثة لاسكاريس جدلاً واسعاً بين المؤرخين، وذلك من ناحية حقيقتها التاريخية كأول اتصال من قِبل إمبراطورية فرنسا بحكام الدولة السعودية الأولى، وقد علّق عليها المؤرّخ عبد الرحمن عبد الرحيم في كتابه عن الدولة السعودية الأولى بقوله: (لا المصادر النجدية أو سجلات حكومة بومباي تذكر أي شيء عن هذه البعثة)، ونحن نعتقد أنّ ما توصل إليه عبد الرحيم قد أثر على غيره من النافين لحقيقة هذه البعثة، غير أنّ المترجم الخاص ل(لسكاريس) وهو فتح الله الصائغ الحلبي، تمكّن من كتابة مذكّراته ووصف رحلته مع دي لسكاريس، ووصف الوفد الذي رافقه فتح الله إلى الدرعية للتفاوض حول حلف فرنسي سعودي ضد كل من تركيا وإنجلترا، بحيث يتسنى للفرنسيين تخليص الهند من الإنجليز بينما يحكم حلفاؤهم (السعوديون) المنطقة العربية كافة.
نتائج المفاوضات
لم تتمخض المفاوضات عن موافقة الجانب السعودي على المشروع، وخرج لا سكاريس يائساً رغم أنه لوّح لعبد الله بن سعود عبر سكرتيره الحلبي، أنّ الاتفاق سيساعدهم على دحر تحضيرات الدولة العثمانية لغزو الجزيرة العربية عبر حملة قادمة من مصر سنة 1809م.
الفشل الفرنسي تُوج بالقبض على لاسكاريس من قبل جواسيس الإنجليز في مصر، بعد أن أبلغهم - فيما يبدو - عميلهم (بوركهارد) بوجود الاتصالات بين أمراء آل سعود والمبعوث الفرنسي لاسكاريس، وكان بوركهارد قد التقى لاسكاريس في إحدى المدن السورية.
الإنجليز بعد قبضهم على الجاسوس الفرنسي وضعوا كل ثقلهم مع الأتراك لدحر النفوذ السعودي في الجزيرة العربية، وخاصة أن اتصالاتهم مع حكام الدولة السعودية الأولى لم تسفر عن أي تعاون جاد، وخاصة فيما يتعلق بالقراصنة القواسم والعتوب حلفاء السعوديين، الذي أزعجوا الإنجليز وتسببوا لهم بخسائر فادحة، ورغم عدم علمهم - أي الإنجليز - بنتائج المباحثات الفرنسية السعودية إلا أنهم فضلوا محو السعوديين من الوجود خشية تعرض نفوذهم في الهند إلى أي خطر في المستقبل.
النتيجة النهائية هي فشل بعثة دي لاسكاريس، ما جعل فرنسا فيما بعد تعمد إلى حاكم الجزيرة العربية الجديد محمد علي باشا، ليقوم الأخير بتمرد على الأتراك لفصل مصر وسورية عن السيادة العثمانية، ولكنه عزم فيما بعد بتحالف (إنجليزي - تركي روسي)، معلومات الصائغ سكرتير دي لاسكاريس قوبلت باستهجان غريب، وإنكار بالكلية، شمل الإنكار التام لبعثة لاسكاريس نتيجة بعض أخطاء تاريخية أو كتابية وقع فيها الحلبي!
الرفض جاء من الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - في مجلة العرب، حيث ذكر أن رحلة الحلبي من نسج خياله، وليت شعري كيف عرف الحلبي وهو شاب كيف عرف الدرعية وابن سعود وابن هذال والدريعي! كيف عرف الحلبي عادات القبائل العربية وأسماء أمرائها، كيف تسنى لفتح الله الصائغ الحلبي أن يذكر - ومن خياله - فارس ابن نجد، وناصر الملحم، وأبي نقطة؟!
كيف عرف الحلبي الدرعية وأنها تقع على وادي عميق وأن النخيل يحيط بها بكثافة؟
إن هذا الاتصال السعودي الفرنسي المبكر هو جزء من تاريخ بلادنا، وبرأيي أن بعثة لاسكاريس كانت - رغم فشلها في مهمتها - إلا أنها تعكس مدى عراقة وقدم الاهتمام الفرنسي بالمنطقة العربية، وهو المغزى الحقيقي وراء إشارة وزير الثقافة الفرنسي الحالي لهذه الحادثة التاريخية.