غيَّب هادم اللذات يوم الثلاثاء 2-3-1431ه بمكة المكرمة العالِم والمؤرخ والجغرافي والنسابة الشاعر الشيخ الدكتور/ عاتق بن غيث البلادي الحربي بعد معاناة مع المرض عن عمرٍ يناهز 79 عاماً تقريباً قضاها في البحث والرحلات والمشاهدات والترجمات، خصَّ بها تاريخ وجغرافية مدينة مكة المكرمة وشبه الجزيرة العربية منذ أن كان شاباً عسكرياً في سلاح الحدود (حرس الحدود) حالياً؛ فلقد جاب البلادي معظم أجزاء شبه الجزيرة العربية؛ فبدأ رحلة من مكة إلى اليمن، ورحلة من مكة إلى حضر موت، ومن مكة إلى نجد، ومن مكة إلى برك الغماد، ومن مكة إلى يثرب.. ورصد في رحلاته هذه المعالم التاريخية والأثرية بعد أن وقف عليها شخصياً ووثقها في الكتب الآتية: (بين مكة واليمن، بين مكة وحضر موت، الرحلة النجدية، عرى ربى نجد، بين مكة وبرك الغمد وعلى طريق الهجرة).. ويلاحظ القارئ أن الشيخ تعمد أن يبدأ رحلاته هذه من قلب الجزيرة العربية من مكة مهد الرسل والحضارات التي أضاءت للعالم النور والسلام؛ ما يدل على حبه وتعظيمه لأم القرى التي شغفها حباً واحتراماً وتقديراً فأطلق عليه الأستاذ/ حماد السالمي رئيس نادي الطائف الأدبي وصديق عمره لقب (ابن بطوطة الجزيرة العربية). ولم يقف الشيخ عند هذا الحد بل أرخ لقبائل الحجاز، ولأودية مكة، ولفضائل مكة، ولمعالم مكة التاريخية والجغرافية، بل زاد على ذلك أن ألَّف في الشعر فصيحه ونبطيه والأدب والجغرافيا والموسوعات والمعاجم فأحسن وأجاد، وظلت كتبه مراجع للدارسين والباحثين، فقلما تجد رسالة ماجستير أو دكتوراه تتحدث عن تاريخ وجغرافية مكة وشبه الجزيرة العربية إلا وكتب الشيخ مراجع موثقة لها.
لقد حرص البلادي - رحمه الله - على نشر كتبه ومؤلفاته على حسابه الخاص؛ فأنشأ دار مكة للطباعة والنشر والتوزيع عام 1397هـ؛ فأصدر من خلالها كتبه ومؤلفاته، بل قام وساهم في نشر كتب بعض مؤرخي مكة أمثال الشيخ أحمد السباعي والأستاذ محمد عمر رفيع وغيرهما.
ومن آثار الشيخ - رحمه الله - أن عقد في دارة العامرة في مكة صالوناً أدبياً مساء كل يوم اثنين أسماه (اثنينية البلادي)؛ فبدأ هذا الصالون يستقبل طلابه وتلاميذه وزواره بتاريخ 14-11-1414هـ، وكنت قد حضرت إحدى هذه الأمسيات فإذا بها تغص بالعلماء والأدباء والمفكرين من داخل المملكة وخارجها.
ومن صفات الشيخ - رحمه الله - التواضع والانضباط ومحبة الناس، والسؤال عن أصدقائه ومحبيه، والبُعد عن الشهرة والأضواء واحترام العلم والعلماء، والتوثيق لكل معلومة يحصل عليها قبل تدوينها.
ولقد عرضت عليه كتاباً لي بعنوان (لحيان بين العلا ومكة)، حاولت فيه أن أثبت أن لحيان اليوم هي امتداد للحيان العلا؛ فقال لي بالحرف الواحد: «أمسك عليك قبيلتك فأنت من هذيل وكفى».
لقد كرم معرض الرياض الدولي للكتاب في دورته الثالثة لعام 1430هـ هذا العالِم الموسوعي، فكان ذلك لفتة حسنة من معالي وزير الثقافة والإعلام الأديب والشاعر الدكتور عبدالعزيز خوجة، وعلمت أن هناك ترتيبات للاحتفاء به عن طريق نادي مكة الأدبي واللجنة الثقافية بمحافظة خليص، ولكن سبق السيف العذل فكانت منيته - رحمه الله - أسرع من كل تكريم أو احتفاء.
ويكفيه فخراً حصوله على جائزة أمين مدني للبحث عن تاريخ الجزيرة العربية عام 1421هـ.
ولمن لا يعرف هذا العالِم الجهبذ أسرد نبذه مختصرة عنه؛ فلقد وُلد عام 1352هـ في بادية شمال مكة، ثم ارتحل في طلب العلم إلى مكة المكرمة؛ فدرس على مشايخ الحرم، ثم التحق بالجيش العربي السعودي عام 1372هـ، وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة مقدم؛ فتقاعد للبحث والدراسة والرحلات؛ فكانت مؤلفاته ومصنفاته تزيد على الخمسين في مختلف الفنون (التراث واللغة والجغرافيا والأنساب والمعاجم والرحلات والأدب والشعر والتحقيق.....) وترجم بعضها إلى اللغة الأردية.
ولقد أعددتُ ورقة عمل بعنوان (أدب العسكر بالمملكة العربية السعودية والانتماء الوطني: نماذج مختارة) ترجمتُ فيها للشيخ، حياته ومؤلفاته، ألقيتها في مؤتمر الأدباء السعوديين الثالث بالرياض أواخر عام 1430ه.
لقد خلف هذا العالم الجليل إرثاً ثقافياً وأدبياً وتاريخياً وجغرافياً كبيراً؛ فنأمل أن تتولى جامعة أم القرى عن طريق مركز إحياء التراث إعادة طبع كتبه ونشرها؛ فهذا أقل ما يجب أن تقوم به جامعة مكة تجاه جهود هذا العالِم الموسوعي.
رحم الله الشيخ البلادي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه ومحبيه وطلابه الصبر والسلوان، وجمعنا به في دار كرامته.