Al Jazirah NewsPaper Wednesday  24/03/2010 G Issue 13691
الاربعاء 08 ربيع الثاني 1431   العدد  13691
صحافة المؤسسات الصحفية من القرار إلى التنفيذ وحتى الآن

بقلم: خالد بن حمد المالك

في محاضرته بعنوان (صحافة المؤسسات من القرار إلى التنفيذ وحتى الآن) في جامعة القصيم، تحدث الأستاذ خالد المالك عن انتقال الصحف المحلية من الملكية الفردية، إلى صدورها عن مؤسسات صحفية أهلية منذ عام 1383هـ - 1964م وحتى الآن، وفيما يأتي نص المحاضرة:

يقترب عمر المؤسسات الصحفية من بلوغ نصف قرن منذ صدور أول نظام أناط بها مسؤولية إصدار الصحف وفق مجموعة من الشروط والمتطلبات التي تنظم الصناعة الصحفية، مع مراعاة ما ينسجم مع مصلحة الوطن، وبما يخدم المواطنين، وضمن ضوابط واضحة للسياسات والأهداف التي ينبغي على الصحف أن تلتزم بها دون أي إخلال برسالتها، أو إعاقة لتطورها.

وبالتأكيد، فإن عام 1383هـ - 1964م يشكل عاما بالغ الأهمية في تاريخ الصحافة السعودية؛ حيث صدر نظام المؤسسات الصحفية الذي وضع حدا لصدور صحافة الأفراد، وأنهى أية علاقة للصحف بالملكيات الفردية، وأن بديل ذلك صدورها عن طريق المؤسسات الصحفية، والتزامها بالمعايير والشروط والمتطلبات التي نص عليها هذا النظام.

ولسائل أن يتساءل عن مضمون هذا النظام، من حيث استجابته لتطلعات الحكومة والمواطنين، وقدرته على تطوير الصحف تطويرا يصب في مصلحة الأهداف والرؤى التي كان ينتظرها الجميع، إثر تنفيذ القرار وممارسة العمل بعد مضي سنوات على قيام المؤسسات الصحفية، وما صاحب ذلك من تطورات لامست - كما هو واضح - طبيعة العمل الصحفي، وأثرت به أحيانا، وأثر بها في أحيان أخرى.

ولا شك أن صدور أول نظام للمؤسسات الصحفية مثل عند صدوره نقلة نوعية، وسرع في تحقيق بعض الأهداف التي سعى النظام إلى تحقيقها، مع أنه كان متواضعا من حيث الاشتراطات التي حددها لإنشاء أية مؤسسة صحفية، ومن حيث متطلبات ممارسة العمل، غير أنه في مقابل ذلك كان يتوافق مع ظروف تلك المرحلة، ويلبي الكثير من احتياجاتها مقارنة بما كان عليه الوضع في عهد صحافة الأفراد.

ومن يقرأ نظام المؤسسات المشار إليه، ويقارنه بما هي عليه صحافة اليوم، سوف يفاجأ بكثير مما ورد فيه من نصوص، وبخاصة إذا كان من يقرؤه يمارس المهنة، ويعرف الكثير عن أوضاعها، فهو حينئذ لن يجهل أن المؤسسات الصحفية تجاوزت بإمكاناتها البشرية والفنية ما ورد في نظام المؤسسات الصحفية، وأن العمل فيها توسع أكثر بكثير مما ألزم به نظام المؤسسات الصحفية من اشتراطات لإصدار صحفها.

وأنا هنا أتحدث عن أول نظام للمؤسسات الصحفية صدر عام 1383هـ/ 1964م، وهو ما أعنيه تحديدا حين أكرر القول عن خلوه من البنود المحفزة لتطوير الصحف التي تصدر عن المؤسسات الصحفية، بمعنى أني لا أقصد بذلك ثاني نظام للمؤسسات الصحفية صدر في العام 1422هـ/ 2001م، الذي عالج الكثير من أوجه القصور في النظام السابق، وظهر أكثر تميزا وأكثر قربا وتمكنا في خدمته لصحافة المؤسسات الصحفية.

وربما تطلب الأمر من الباحثين - في ضوء ذلك - عمل مقارنة بين النظامين للتعرف على المعالجات التي تمت، وهو ما يمكن التعرف عليها بقراءة النظام الجديد، بحكم أنه ثاني نظام صدر للمؤسسات وجاء بعد ممارسة المؤسسات الصحفية لأعمالها على مدى سنوات طويلة اعتمادا على النظام القديم؛ فكانت الاستفادة كبيرة من التجربة، ومن الممارسة الثرية؛ حيث ساعدت في بلورة ووضع الضوابط الجديدة في النظام الجديد، وتعديل ما كان يحتاج إلى تعديل في مواد النظام القديم التي بقيت سارية المفعول في النظام الجديد.

ويلاحظ أن النظام الجديد لم يتطرق إلى رأسمال كل مؤسسة صحفية ومستويات وعدد العاملين فيها، مثلما فعل في النظام القديم؛ لأن المؤسسات الصحفية طورت إمكاناتها البشرية والفنية والطباعية ورأسمالها، بأكثر مما طالبها به النظام الجديد فضلا عما ورد في النظام القديم؛ ذلك أن متطلبات التطوير المستمر للصحف، وملاحقة المستجدات في التقنية، وآلية العمل المناسبة، والطباعة المتطورة، مع الاعتماد على العنصر البشري المدرب، ضمن احتياجات أخرى كثيرة تم تحقيقها مبكرا بحكم أنها من أهم متطلبات وشروط الصحيفة الناجحة، وهذا ما تنبه إليه أصحاب الصحف، وعرفوا أنه خيارهم الوحيد للبقاء في أجواء المنافسة، وتمكين صحفهم من النجاح.

ويبدو أن النظام الجديد تعمد أن يترك ذلك لتقدير كل مؤسسة صحفية، دون وصاية عليها، أو تدخل في أوضاعها الداخلية، مما أوجد حراكا صحفيا ومنافسة شديدة بين الصحف لبلوغ الأهداف التي تمكنها من الاستحواذ على القراء، ومن ثم على المعلنين، بحسب إمكانات ورؤية كل مؤسسة صحفية، ووفق المعايير التي تحددها كل مؤسسة في رسم هذه الأهداف، تبعا لقراءتها لخريطة الصحافة في المملكة، ومحاكاتها لما يصدر من صحف متطورة في مختلف دول العالم.

ويلاحظ أن النظام الجديد خفف من سلطة وزارة الإعلام على الصحف، وتبنى إنشاء هيئة للصحفيين السعوديين، وصدر عنه لائحة لتنفيذ نظام المؤسسات الصحفية الجديد، ولائحة أساسية لهيئة الصحفيين، وإيجاد مجلس إدارة للمؤسسة الصحفية، وإلغاء لجنة الإشراف على التحرير، وإلغاء شرط أن يكون المدير العام ورئيس التحرير من أعضاء المؤسسة الصحفية، وتعيين المدير العام دون الحاجة إلى أخذ موافقة وزارة الثقافة والإعلام، والاكتفاء بمرشح واحد لرئاسة التحرير بدلا من ثلاثة، ونصوص أخرى تحمي الصحفي من الفصل التعسفي، مع معالجة للازدواجية في عضوية المؤسسات الصحفية، حيث لا يسمح للشخص الواحد بأن يكون عضوا في أكثر من مؤسسة صحفية واحدة، فضلا عن أن النظام الجديد ألزم المؤسسات الصحفية بوضع هياكل ولوائح لتنظيم العمل فيها، وكل هذه أغفلها النظام القديم، بينما ألزم بها النظام الجديد، أو أنه قام بتطويرها وتحسينها.

وتمثل صحافة المؤسسات الصحفية مرحلة بالغة الأهمية في تاريخ الصحافة السعودية، مقابل ما كانت عليه قبل أن يتم إلغاء الملكية الفردية للصحف السعودية إثر صدور نظام المؤسسات الصحفية.

وتأتي أهمية قيام المؤسسات الصحفية، وصدور الصحف عنها، من كونها تلغي بنسبة عالية سيطرة الفرد في توجيه سياسات وتوجهات الصحيفة، ومن أن حصر صدور الصحف عن طريق المؤسسات مكنها من أن تفي بمتطلبات وشروط والتزامات الصحف بفضل إمكاناتها المادية والبشرية والفنية العالية.

وليس من شك أن هذا التوجه نحو هذا التنظيم في إصدار الصحف وإلغاء الاحتكارات الفردية قصد منه الارتقاء بمستوى الصحف، وإشراك أكبر عدد من المؤهلين في إدارتها، والتأكد من أنها تؤدي رسالتها على النحو الذي ينبغي أن يعالج ما كانت تمر به الصحف من أخطاء في الفترة التي سبقت قيام المؤسسات الصحفية.

ولا يعني صدور الصحف عن مؤسسات صحفية خلوها من بعض السلبيات، أو أنها قد حققت كل ما كان يسعى إليه نظامها، ولكنها بالتأكيد عالجت الكثير من أوجه القصور، وحققت من متطلبات إصدار الصحف اليومية ما كان سيعجز الفرد الواحد عن تحقيقه أو القيام به.

ولحسن الحظ فإن التفكير في الانتقال من الصحيفة ذات الملكية الفردية إلى الصحيفة التي يتم إصدارها من خلال نظام مؤسسي قد تم في فترة زمنية مبكرة، وأن هذا الإجراء قد أذن بدخول الصحف السعودية مرحلة متقدمة من حيث المهنية، فضلا عن أنه مكن الصحف من توسيع دائرة العمل وإتاحة الفرصة لمزيد من الشباب كي يعملوا في بلاطها.

ويحسب للمؤسسات الصحفية أنها باشرت عملها بإمكانات تفوق بكثير المتطلبات والشروط التي نص عليها نظام المؤسسات الصحفية، وأنها دخلت في منافسة مع بعضها بعضا بشكل أسرع في خطوات التكامل لأجهزتها البشرية والفنية؛ ما مكنها من أن تبلغ ما بلغته من تطور عال ومثير للانتباه في المستوى والمهنية.

لقد ساعد المؤسسات الصحفية في اختصار الزمن لبلوغ أهدافها ارتفاع مستوى التعليم بين المواطنين، ونسبة النمو العالية في عدد السكان، والوضع الاقتصادي الممتاز في البلاد، وتنامي عدد القراء، وارتفاع حجم الإعلانات في السوق السعودية، والتوجه نحو استخدام التقنية الجديدة في العمل الصحفي، وما صاحب ذلك من تنام في إيرادات الصحف بشكل مكنها من تنفيذ برامجها، والتخطيط لمزيد من النمو في مدخولها.

غير أن ذلك لا يعني أن صحف المؤسسات الصحفية قد بلغت أهدافها كاملة، وأن عمليات التطوير والتحسين قد قطعت شوطا كبيرا ووصلت إلى غاية ما تسعى إليه، نسبة إلى أن الصحف بتقنياتها المتطورة ينبغي أن تمر بمرحلة تجديد وابتكار دائمين كما هو الوضع على مستوى الصحف في مختلف دول العالم، وبالتالي فينبغي عليها أن تستجيب لتأثير هذه التقنية وتتفاعل مع كل هذه المستجدات لتحقيق كل ما هو مرسوم لها من أهداف.

كانت الفترة الزمنية التي سبقت صدور قرار مجلس الوزراء المؤيد بمرسوم ملكي بإيقاف صحافة الأفراد والبدء بإصدار الصحف عن طريق مؤسسات تنشأ لهذا الغرض فترة مرتبكة ومضطربة تعاني منها صحافة الأفراد، بدليل أن بعض من يقوم بإصدار صحيفة في هذه المدينة أو تلك من المواطنين لا يلبث أن يوقفها عن الصدور بعد البدء بإصدار بضعة أعداد منها، نظرا إلى عدم قدرته المادية على تمويلها، وضعف الإقبال عليها إعلانيا، ومحدودية إيراداتها من بيع ما يطبع من نسخ منها.

ولم تكن هذه العوامل سببا وحيدا في تدخل الحكومة، وقناعاتها بتحويلها إلى مؤسسات، وتوسيع الملكية لها تبعا لذلك، وإنما كان الهدف من ذلك توجيه سياسة الصحيفة من قبل عدد من الأشخاص، وتحسين أوضاعها المالية، حيث يمكنها أن توفر احتياجاتها ومتطلباتها التي تمكنها من الوفاء بما يؤهلها للصدور بأفضل مستوى، ضمن سياسة إعلامية تقودها وتوجهها الدولة لخدمة أهدافها الأخرى.

وهذا الاهتمام المبكر بالصحافة سواء حين كانت تابعة في ملكيتها للأفراد، أو حين أخذ القرار في الوقت المناسب بتحويلها إلى مؤسسات صحفية يملكها عدد من المواطنين، جاء بسبب أن الصحيفة كانت هي الوسيلة الإعلامية الأولى والوحيدة في بداية عهد الملك عبدالعزيز، حيث صدرت صحيفة أم القرى الحكومية قبيل دخوله مكة المكرمة، مما يظهر أهمية الصحافة في خدمة الدولة الناشئة، بينما تأخرت وسائل الاتصال الأخرى من إذاعة وتلفاز في الانضمام إلى الصحافة لتقديم خدمتها إلى ما بعد ذلك التاريخ بكثير.

على أن تفاعل الصحف مع قضايا المجتمع السعودي بقي منذ ذلك الحين وإلى اليوم قوي التأثير، ولم يضعف من هذا التأثير ومتابعة القراء لها مزاحمة بقية وسائل الإعلام الأخرى؛ إذ إنها احتفظت بجمهورها رغم دخول القنوات الفضائية والإرسال الإذاعي المتطور ومواقع الصحف في الشبكة العنكبوتية.

إن موضوعنا هو عن صحافة المؤسسات الصحفية حصرا، وليس عن صحافة الأفراد سواء في العهدين العثماني والهاشمي أو في العهد السعودي، وسواء كان هذا قبل دمج الصحافة الفردية أو بعد دمجها، بحكم أنها ترمز حتى بعد الدمج إلى ما اصطلح عليه بأنها صحافة أفراد.

وصحافة المؤسسات التي نعنيها، هي الصحف التي صدرت بعد شهرين من الإعلان عن نظام المؤسسات الصحفية الذي حدد الشروط والمتطلبات، وأصبحت بذلك جميع الصحف التي يملكها الأفراد في حكم الملغى الترخيص الممنوح لها بالصدور، مع حق أصحابها في البحث عن شركاء لإصدارها والاحتفاظ بأسمائها والصدور ضمن التنظيم الجديد.

ألغيت إذا تراخيص الصحافة الفردية، وكان ذلك في العام 1383هـ - 1964م، وهو العام الذي صدر فيه أول نظام للمؤسسات الصحفية، ولم يقابل هذا القرار بالرضا من مالكي الصحف، الذين فهموا القرار وكأنه يمس حقوقا لهم، وأنه بشيء من الاتصالات والمحاولات مع الجهات المختصة ربما مكنهم من ثني المسؤولين عن تطبيقه.

لهذا فقد توجه عدد من أصحاب الصحف في المنطقة الغربية لمقابلة رئيس مجلس الوزراء وولي العهد آنذاك الأمير فيصل بن عبدالعزيز - الملك فيما بعد - ووزير الإعلام الأسبق الأستاذ جميل الحجيلان؛ لشرح الأمر لهما من أن تحويل الصحف إلى مؤسسات صحفية قرار يصعب تطبيقه ويتعذر تنفيذه.

وقد تشكل المعترضون على القرار - بحسب ما رواه الأستاذ عبدالله عمر خياط في كتابه (صحافة الأمس والغد) من أحمد السباعي (جريدة قريش)، أحمد عبدالغفور عطار (جريدة عكاظ)، صالح جمال (جريدة الندوة)، هشام ومحمد علي حافظ (جريدة المدينة) وعبدالله خياط (عن جريدة البلاد السعودية)، وتوجهوا إلى الرياض لمقابلة فيصل بن عبدالعزيز وجميل الحجيلان، وفي نيتهم تقديم التماسهم بأمل أن يلغى القرار وتبقى الصحف ذات ملكية فردية.

ويضيف عبدالله عمر خياط في كتابه المشار إليه بأن المجموعة سهرت من بعد صلاة العشاء حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليلة في محاولة لكتابة مذكرة صغيرة للملك فيصل يطالبونه فيها بالإبقاء على صحافة الأفراد، لكنهم لم يتوصلوا إلى صيغة توافق رأي المجموعة؛ فقال أحمد السباعي: يكفي هذا.. إن اختلافنا على مذكرة صغيرة دليل على عدم إمكانية نجاح فكرة المؤسسات الصحفية، وليكن هذا شاهدنا عند مراجعتنا لفيصل بن عبدالعزيز وجميل الحجيلان.

قابلوا الملك (فيصل)، وشرحوا له الموقف عن عجز المجموعة في كتابة مذكرة صغيرة؛ ما يدل - بحسب رأيهم - على عدم إمكانية نجاح المؤسسات الصحفية، لكن الفيصل حسم الأمر بأن قال لهم: لقد قضت المصلحة بما صدر به المرسوم الملكي، وعليكم أن تحسنوا اختيار الأعضاء، ثم غادر مكان الاجتماع.

ولم يكن موقف جميل الحجيلان أكثر تسامحا أو تفهما مما سمعوه من الفيصل؛ فقد قال لهم - كما رواه عبدالله عمر خياط -: إن قرار المؤسسات لا بد أن ينفذ، وعليكم اختيار من ترونه صالحا لمشاركتكم المسؤولية، وإلا فإن الوزارة ستشكل المؤسسات بمن يصلح أمر الجرائد، ولا داعي لتضييع الوقت، فأمامكم شهران فقط لترشيح الأعضاء.

نفذ القرار في 1-11-1383هـ/ 15-3-1964م، وأصبحت الصحف التي استجابت للقرار تصدر لأول مرة من المؤسسات الصحفية، بينما توقفت تلك الصحف التي لم يتقدم أصحابها بتشكيل لصحفهم، وبين هذه الصحف صحيفة القصيم التي كان يملكها ويرأس تحريرها عند صدور نظام المؤسسات الصحفية الشيخ صالح السليمان العمري.

ومع ما حققته الصحف من تطور وحضور فاعل من خلال إصدار المؤسسات الصحفية لها، فإن التحديات المستقبلية ستظل كبيرة مع تنامي ثورة الاتصالات، واستخدام الإعلام الجديد في تحمل أعباء الصناعة الإعلامية، كما أن بروز الخيار التقني لإصدار الصحف ربما أغنى القارئ في المستقبل المنظور عن قراءة الصحف الورقية.

وبالتأكيد فإن المؤسسات الصحفية، بإمكاناتها الكبيرة وخبرتها الطويلة، قادرة على أن تواجه هذا التحدي بالتعامل الواعي والمدرك مع كل المستجدات، وأخذ الخيار المناسب الذي يبقيها في موقعها، تبث الوعي، وتخدم أهدافها، وتتواصل مع ما يلبي سعيها للقيام بما هو مطلوب ومنتظر منها.

غير أن ذلك يحتاج من المؤسسات الصحفية، ومن الآن، إلى الاستعداد والتهيؤ، ومواكبة التطورات التقنية في هذا المجال، والاستفادة من الدروس والتجارب التي تمر بها الدول ذات الأسبقية في الابتكارات، واستثمار كل ما هو جديد في هذا العالم المتجدد.

لقد كانت أول صحف استجابت لقرار المؤسسات الصحفية، وأنهت العلاقة الفردية في ملكيتها هي: البلاد، والمدينة، وعكاظ، والندوة، والجزيرة، واليمامة، والدعوة، واليوم، وتزامن صدورها بين يومية وأسبوعية؛ لتضعنا هذه الصحف أمام تجربة جديدة قادرة على إحداث نقلة نوعية في مستويات الصحف في الزمن القريب.

وهذا ما عبر عنه رؤساء التحرير والكتاب في كلماتهم التي نشرت في الأعداد الأولى التي صدرت من صحف المؤسسات، وقد تجاوب معها القراء بتفاؤل كبير، ترجموه بما نشر لهم من مقالات أيدوا فيها هذا التحول في الملكية، وتوسيع رقعة المشاركة، وصدور الصحف عن مؤسسات صحفية.

ومن يقرأ صحف المؤسسات اليوم ويقارنها بما كانت عليه صحف الأفراد، سيرى البون الشاسع في الجوانب الصحفية والفنية والطباعية، وأن التفوق يميل - وبكثير ودون أدنى شك أو مقارنة - لصالح صحف المؤسسات، بحكم تطور آلية العمل واستخدام التقنيات العالية في إصدار الصحف، وما رافق ذلك من توسع مستمر في تقنية وسائل وخدمات الاتصالات.

وهذا يقودنا إلى القول بأن رواد الصحافة السعودية الأوائل هم الذين تحملوا مسؤولية إصدار صحف الأفراد، وقادوا زمام المبادرة مبكرا في إصدار صحف في البلاد على النحو الذي لا يمكن معه تجاهل دورهم المؤثر في هذا المجال، وما حققته وتحققه صحف المؤسسات الآن ومستقبلا إنما هو امتداد لما بدأه الرواد، حيث يحسب لهم ولا ينبغي إغفاله أو تجاهله أو تهميش دورهم في الصناعة الصحفية في البلاد.

ولا بد من التذكير بأن نظام المؤسسات الصحفية لا غنى له عن نظام للمطبوعات والنشر، لكي يسترشد به الجميع في التعرف على ما له أو عليه من التزامات وحقوق بشأن ما ينشر في الصحف، وليكون مرجعية لأي مخالفات في قضايا النشر الصحفي، بعيدا عن الاجتهادات الفردية في الأحكام التي لا تستند إلى نظام؛ فتكون أضرارها حينئذ أكثر بكثير من فوائدها.

ولهذا جاء صدور قرار مجلس الوزراء لآخر نظام للمطبوعات بتاريخ 1-9-1421هـ ليكون بديلا عن النظام السابق، بمثابة إطلاق المجال أمام المزيد من التنظيم من خلال سن القواعد التي تحكم نصوصها حرية التعبير عن الرأي في نطاق الأحكام الشرعية والنظامية، مع ضمان عدم استخدام الصحيفة في نشر ما يسيء إلى الآخرين.

ولأن الحديث عن صحافة المؤسسات لا يمكن أن يتم بمعزل عن الحديث عن صحافة الأفراد - كما أشرنا من قبل -، وبخاصة أن صحافة المؤسسات هي امتداد لصحافة الأفراد، فإن ما أرغب أن أضيفه وأختتم به هذا الموضوع، هو هذه المقارنة الجميلة بين عهدين مرت بهما الصحافة السعودية، وهي مقارنة للدكتور حمود البدر أقتبسها من كتابه: (صحافة الأفراد.. أم صحافة المؤسسات؟)، الذي يرى أن المقارنة الموضوعية تبدو غير ممكنة إطلاقا، وحجته في ذلك أنها تختلف من زمان إلى آخر، ومن مكان إلى مكان ومن شخص إلى شخص، ثم تأتي عوامل المنافسة التي لا يمكن إغفالها مهما حاول المرء ذلك؛ فصحافة الأفراد في بدايتها الأولى يمكن أن تقارن بما يصدر منها في ذلك الزمن مع عدم إغفال نسبة الأمية التي كانت هي الأعلى لو قورنت بما هو حادث لصحافة المؤسسات، بل لو قورنت بما هو عليه الحال عندما تقرر الدمج، وهو يرى أنه ليس من العدل أن تقارن صحف الأفراد بشكل مطلق بصحافة المؤسسات لعدم وجود استقرار في عوامل المقارنة التي مر ذكرها، ويمضي إلى القول بأن الأقرب إلى عدم ظلم هذه المرحلة لصالح تلك المرحلة أن يوزن أداء كل مرحلة بمحيطها ومكوناته.

وأنا أقول نعم، إن المقارنة من حيث الشكل والموضوع بين صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات هي في حكم المستحيل، فلا الإمكانات هي الإمكانات، ولا الظروف المحيطة والمؤثرة بكل من العهدين هي ذاتها، وبينها نسبة الأمية بين عدد السكان، ومستوى التعليم، والوضع الاقتصادي في البلاد، ودخول وسائل الاتصالات في خدمة الصحافة، وتطور صناعة الطباعة.. غير أن الذي لا بد من القول والتأكيد عليه أن صحافة المؤسسات هي امتداد لصحافة الأفراد، حتى مع إقرارنا واعترافنا بتواضع مستويات الصحف التي كان يصدرها الأفراد، أمام ما نشهده الآن من تطور لافت في مستويات الصحف التي تصدرها المؤسسات الصحفية.

بقي في نهاية حديثي لكم، أن أحيي معالي مدير جامعة القصيم الدكتور خالد الحمودي على موقفه المشجع والداعم لكرسي الجزيرة في الجامعة، وأن أشكر وكيل جامعة القصيم للشؤون التعليمية بوصفه مشرفا على الكرسي على جهده فيما حققه الكرسي من نجاح، مع تقديري للدكتور فهد النافع أمين الهيئة المشرفة على الكرسي على متابعته وتواصله من أجل أن يحقق الكرسي أهدافه، ولن أنسى تقديم الثناء والإشادة بكل أعضاء الهيئة المشرفة على الكرسي، فقد كان دورهم مؤثرا في مسيرة الكرسي حتى بلغ ما بلغه من النجاح.

كما يسعدني أن أهنئ من تم قبولهم في برنامج دبلوم الصحافة المكثف الذي تنظمه الجامعة ضمن نشاط وفعاليات كرسي الجزيرة للدراسات الإعلامية، هذا البرنامج الذي يهدف إلى تعليم المهارات الأساسية اللازمة للعمل الصحفي من قبل نخبة من الأكاديميين المتخصصين في الإعلام، وهي فرصة ضمن فرص كثيرة سوف يقودها الكرسي ضمن التعاون بين جامعة القصيم وصحيفة الجزيرة، ما يعني أهمية أن ينتهزها من يرغب في التعرف على أسرار هذه المهنة وينوي أن يعمل وينضم إلى عالمها المثير.






صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد