Al Jazirah NewsPaper Thursday  01/04/2010 G Issue 13699
الخميس 16 ربيع الثاني 1431   العدد  13699
 
العاصمة.. و(المدينةُ العَدْليَّةُ) الحُلُم!
عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالعزيز السليِّم

 

يظهر لمستقرئ الشريعةِ الإسلاميةِ في مواردها وأصولها، ودلائل كليَّاتها؛ أن الدولة التي أرادها الله؛ هي الدولة الخادمة لشريعته، الناهضة بأعبائها، وعمارة الأرض بها؛ إنها (دولةٌ) تسمو في مدارج الحضارة، وتزهو بأسمى (المبادئ) والمُثُل؛ طُهْراً وزكاءً ورحمة.

إنها (مبادئٌ) نشأت في ظلِّها حضارةُ الرحمة والإحسان، في كَنَف دولة العدل والنظام؛ تكلؤها الرعاية الإلهية، وتسوسها الحكمة النبوية.. ومن بعده عليه الصلاة والسلام جاء طلابُه؛ طلابُ الحكمة النبوية؛ صحابتُه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، فعمروا دياراً، وبنوا حضارة. ولم تزل دولة الإسلام تتنقَّل بين أيدي الأمناء من خلفائها وأمرائها، وعلمائها ومصلحيها؛ على تنوُّع الظروف، واختلاف الأحوال، وتطاول السنين.

حتى جاءت النَّوْبَة في شِبْه الجزيرة العربية إلى خادمةِ الإسلام والحرمينِ الشريفين «المملكة العربية السعودية»؛ الدولةِ التي تعود جذور تأسيسها إلى أكثر من مائتين وأربعة وسبعين عاماً؛ عندما تم اللقاء التاريخي بين الإمام محمد بن سعود رحمه الله، والشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عام 1157هـ؛ فقامت بذلك الدولة السعودية الأولى على أساس الالتزام بمبادئ العقيدة والشريعة الإسلامية، ومن بعدها الدولة السعودية الثانية التي سارت على المبادئ ذاتها.. حتى كان استردادُ الملك عبد العزيز رحمه الله للرياض في الخامس من شوال عام 1319هـ إيذاناً باسترداد ما تباعد من البلاد، حتى انتظمها رحمه الله مدينةً مدينةً، وجعل شريعة الإسلام شريعةً مَنيعة، وغايةً مُعِينة، فسار بتوفيق الله على نهج الآباء، في تأسيس الدولة الحديثة، وجَمَعَ الناس في وطن واحد، وتحت شريعة واحدة، ونَقَلَهم من التغاير والتباين، إلى التجاور والتعاون.. ومن بعده رحمه الله؛ جاءت عهودُ بنيه - الملوك سعود وفيصل وخالد وفهد رحمهم الله وأكرم مثواهم - امتداداً لذلك النهج الأول، في جهود مُتَّصلة من الكفاح والعطاء، ترقَّت بأبناء الوطن في أطوار التنمية والبناء.

وفي هذا العهد الزاهر؛ عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز أيَّده الله؛ سارت فيه الدولة على النهج الأول، حتى تحوَّلت كثيرٌ من الأحلام إلى صروح، والآمال إلى شواهد، وتحقق اليوم؛ ما كانت تتطلَّع إليه نفوس الطامحين بالأمس. في شواهد كثيرة، ومصالح متعددة؛ قرَّت لأجلها العيون، وخفقت من جرَّائها القلوب، ولهجت على أثرها الألسن بالدعاء.

فمن ذلك؛ ما نشهده من توسُّعات كبيرة في الحرمين الشريفين والمشاعر المقدَّسة؛ كمنشأة الجمرات.. التي أبهرت الجميع بمثاليَّتِها النظرية، ثم العملية، وكذلك المدن الاقتصادية الكبرى في ست مناطق من مناطق المملكة، وافتتاح الجامعات العالمية، وتوسُّعها في المدن والمحافظات، ومشاريع التطوير في القضاء، والتعليم العام، والطاقة والنفط، ومركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني في المجال الثقافي.. وغير ذلك مما يضيق المقام عن تعداده.

تجتمع هذه السياسات؛ الثقافية والتعليمية والاقتصادية والقضائية وغيرها؛ لتكوِّن وشائجَ السياسة الداخلية الحكيمة، القائمة على مقرَّرات الشريعة ومبادئها، من القيام بعمارة الأرض، وواجب الاستخلاف، ورعاية المصالح، وحفظ الضروريات، وإنماء المشترك الإنساني العام.

ويقابل هذا كله؛ سياسة خارجية حكيمة، ضَمِنَتْ للمملكة حضوراً دولياً؛ تفرضه هيبتُها المكتسبة من الحنكة السياسية، وعمق التجربة.. إنه توفيقُ الله وفضلُه، ثم نعمتُه علينا ب(قادة مُباركين).. لا تأتي العزائم منهم؛ إلا على أقدارهم.. جعلوا من (أبناء هذا الوطن) غايةً للعملية التطويرية، ومنالاً للمشاريع المستدامة.. لم يزالوا - حفظهم الله - يؤكِّدون على ذلك في كل محفل، وفي كل مناسبة، والتي كان من آخرِها ما تفضَّل به خادم الحرمين الشريفين أيَّده الله في كلمته التي افتتح بها أعمال السنة الثانية من الدورة الخامسة لمجلس الشورى؛ حينما قال حفظه الله: (إن الآمال والطموحات لا تتحقق إلا بالتوكُّل على الله جلَّ جلاله، ثم بعزائم أبناء هذا الوطن، وبذلك تتحوَّل «الأحلام» إلى واقع مؤثِّر في مسيرة الشعوب)، إنه تواضع الملوك، وتبسُّط الكبراء في التشجيع والتحفيز وخفض الجناح.

كل هذه المشاريع وخطابات القادة، وغيرها من العوامل المؤثّرة؛ تستحثُّ عمومَ أبناء الوطن؛ بمختلف طبقاتهم، وتعدد جِهاتهم ووُجهَاتهم؛ على مشاركة مؤسسات الدولة في همومها وتطلُّعاتها، وتبنِّي مشاريعها وعزَماتِها، والترقِّي معها في آمالها وطموحاتها، وتشجيعها والوقوف معها في (المارثون العالمي للحضارة الرشيدة)...

ومن تلك المؤسسات التي تمس حياة الناس، ومصالح الأشخاص (الطبيعيين والاعتباريين): «المؤسسة القضائية»، والتي كانت عنايةُ الدولة بها عنايةً قديمة، بدأت مع بداية مراحل التأسيس، ولم تزل في ترقٍ وتطوير يحكي طموح الدولة حكومة وشعباً...

يظهر ذلك جليَّاً للمستقرئ لأحداث ملحمة التأسيس وفصولها... فبعد عام 1343ه والذي دخلت فيه الحجاز تحت حكم الدولة السعودية، وقبل عام 1351ه والذي تم فيه الإعلان بتوحيد البلاد وتسميتها ب(المملكة العربية السعودية)؛ صدرتْ مجموعةٌ من الأنظمة، والقرارات، والقواعد التنظيمية للأعمال القضائية. ففي 18 من شعبان من عام 1344 صدر أول تنظيم يحدد إجراءات التقاضي، تحت عنوان: «تشكيلات القضاء مواد إصلاحية» في خمس عشرة مادة، وفي 6 من صفر من عام 1346؛ صدر مرسوم ملكي بنظام تشكيلات المحاكم في خمسة فصول، ثم أعقب ذلك صدور الأمر السامي في 26 من صفر من العام نفسه؛ باعتماد نظام متكامل لكتاب العدل في ثلاثين مادة، وفي 29 من صفر من عام 1350 صدر أول نظام بشأن إجراءات التقاضي، وذلك بمقتضى الأمر السامي رقم 21 عرف ب»نظام سير المحاكمات الشرعية»... كل هذا وغيره من الأوامر والتنظيمات؛ كان قبل صدور الإعلان الكريم بتوحيد المملكة؛ أما بعد صدوره؛ فكان إيذاناً ببدء ملحمة التخطيط والتنظيم والتطوير... في فصولٍ دوَّنتها محابرُ المؤرِّخين القانونيين، ولم تغفِلْها كتاباتُ المتخصِّصين في (تاريخ الأنظمة).

حتى جاءت النِّقْلَةُ الكبرى في 19 من رمضان من عام 1428، وذلك بصدور الأمر السامي الكريم بالموافقة على (نظام القضاء ونظام ديوان المظالم).. ويكفي في بيان أثر هذا الأمر السامي الكريم؛ أن الأجيال القادمة من الحقوقيين؛ ستحفظ تاريخ صدوره، وستحكيه بفخر واعتزاز... خاصة أن صدوره جاء متوَّجاً بمشروع الملك عبد الله لتطوير القضاء، مع اعتمادات مالية ضخمة، وقواعد وآليات لتنفيذه.

وبصدور هذا النظام الجديد؛ زادت ضمانات التقاضي بتعدد درجاته، وتقرر بموجبه مبدأ التخصص، فتوزَّعت اختصاصات محاكم الدرجة الأولى في القضاء العام على خمس محاكم (العامة، الجزائية، الأحوال الشخصيَّة، التجارية، العمالية)، ثم محكمة الاستئناف ودوائره المتخصصة في الدرجة الثانية، ثم تأتي المحكمة العليا على رأس الهرم القضائي في عمله الفني.

والحق أن مؤسسات الدولة المعنيَّة بتنفيذ النُّظُم القضائية الجديدة، ووضعِها موضعَ التنفيذ؛ قد حملت على كاهلها حِمْلاً ثقيلاً، وعملاً ضخماً؛ يدلِّل على ذلك: الأعمال المنصوص عليها في (آلية العمل التنفيذية) الصادرة مع (نظام القضاء ونظام ديوان المظالم)... إضافة إلى أن مكْمنَ التحدِّي في هذه القضية - والذي لا يغيب عن أذهان المسؤولين - أن القضاء بأنظمته ورجاله ومنشآته؛ يجب أن يكون سابقاً للقفزات التطويرية التي تشهدها البلاد في كافة المجالات؛ إذ إن القضاء هو أول من يباشر النوازل والمستجدات الحادثة من جرَّاء العملية التطويرية، والفصل فيها.

والناظر غير المتخصص في النُّظُم القضائية الجديدة؛ سيتوقف عند عدد المحاكم، وتنوعها، وتعدد اختصاصاتها؛ إذ إن من المعلوم أن عدد المحاكم في القضاء العام سيكون خمس محاكم في الدرجة الأولى، مع محكمة الاستئناف في الدرجة الثانية، والتي ستكون في ست مناطق من مناطق المملكة (الرياض، مكة المكرمة، المنطقة الشرقية، القصيم، عسير، الجوف)، وتزيد الرياض بمحكمة سابعة؛ وهي المحكمة العليا؛ إذ الرياضُ مقرُّها... إضافة إلى ما قد يُستحدث من محاكم متخصصة وفق الآلية المنصوص عليها في نظام القضاء، وفي ديوان المظالم أيضاً؛ ثلاثُ محاكم (المحكمة الإدارية في الدرجة الأولى، محكمة الاستئناف الإدارية، المحكمة الإدارية العليا).

وبهذا يصبح عدد المحاكم المسمَّاة في مدينة الرياض خاصة؛ عشر محاكم، إضافة إلى ما قد يستتبع ذلك من محاكم متخصصة، ومبانٍ إدارية، ودوائر عدلية أخرى.

وتفرُّق هذه المحاكم والإدارات والدوائر في عاصمة كبرى، مثل (مدينة الرياض)؛ قد لا يجعل الخدمة المُقدَّمة منها في مستوى المدينة، وقدر الطموح، والجهود المبذولة، إضافة إلى ما قد يسببه تفرُّقها من عدم وجود بعض الخدمات المهمة، كمواقف السيارات مثلاً ونحو ذلك، في حين أن تجمُّعَها يُسْهِمُ في إبراز (المعالم المدنيَّة) للقضاء وقيم العدالة في التشكيل المادي للمدن والتجمُّعات الحَضَريَّة، مع ما قد يحتفُّ بها حالَ تجمُّعِها من خدمات ومرافق مساندة.

والحقيقة أن (المنظِّم السعودي) لم يُغْفِل هذه الجزئية؛ إذ جاء في الفقرة (7) و (8) من (القسم الثالث - أحكام عامة) من (آلية العمل التنفيذية لنظام القضاء ونظام ديوان المظالم)؛ ما نصُّه: (7- تشكل لجنة من ممثلين لا تقل مرتبة كل منهم عن الثانية عشرة من المجلس الأعلى للقضاء، ومجلس القضاء الإداري، ووزارة المالية، ووزارة العدل، ووزارة الشؤون البلدية والقروية، وأمانة اللجنة الوزارية للتنظيم الإداري، لوضع خطة زمنية تتضمن إنشاء مقار دائمة للمجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا وديوان المظالم، والمحكمة الإدارية، ومحاكم الاستئناف، ومحاكم الاستئناف الإدارية، وبقية المحاكم الأخرى المنصوص عليها في نظام القضاء ونظام ديوان المظالم، ورفع ما يتم التوصل إليه إلى المقام السامي لاستكمال الإجراءات النظامية.

8- قيام وزارة العدل بعد التنسيق مع المجلس الأعلى للقضاء بوضع مواصفات فنية لمباني المحاكم المراد إنشاؤها، وكذلك تحديد المتطلبات المتعلقة باستئجار المحاكم الجديدة على أن تكون هذه المتطلبات بحسب الإمكانات المتاحة في توفر الدور) ا.هـ.

وهذا النص في الحقيقة؛ فتح المجال للقضاة والموظفين والعاملين في دور العدالة، والمستفيدين منها خاصة؛ من محامين ومستثمرين وشركات ورؤوس أموال وعموم المواطنين والمقيمين؛ فتح المجال - لكل هؤلاء - لمزيد من الآمال والتطلعات والطموحات.

إن الحقوقيين في المملكة العربية السعودية - وبخاصة في العاصمة (الرياض) - يحلمون يتجمُّع مهيب بهيج لدور العدالة، وما يلحقها من مصالح؛ في مكان واحد، وعلى أرض واحدة... إنها (المدينة العدْلية) الحُلُم، التي تجمع لهم من دور العدالة؛ ما تفرَّق منها في عاصمتهم الكبرى التي يحبُّون... إنها (حُلُمٌ)... رسمتها الجهودُ الكبيرة من قادة الدولة وفّقهم الله، الذين وسَّعوا الآمال، وأجَالُوا يدَ التطوير في مرافق الدولة ومصالحها.إنها (المدينة الحُلُم) التي يتخيَّلُها الحقوقيون مدينةً بهيجة؛ تأخذ صورة العمارة الحديثة، بملامح تراثية وطنيَّة، تجمع القديم والحديث، والأصالة والتجدد... إنها (المدينة الحُلُم) التي يتخيَّلُها الحقوقيون مدينةً مهيبة؛ يتوسَّط (منطقتها العدْلية) مسجدٌ جامعٌ كبير، تحفُّه المسطحات الخضراء المفتوحة، التي تتقاطع فيها طرق المشاة المؤدية إلى الدائرة الكبيرة المحيطة بالجامع، والتي تنتظم فيها المحاكم بتنوُّعِ درجاتها واختصاصاتها... يقابل الجامع في نصفه الأول أبراجُ المحاكم الابتدائية الخمس، ويقابل نصفه الآخر (محكمةُ الاستئناف)، ويتوسَّط مبناها الطويل برجُ (المحكمة العليا).. وهذه الصورة الحلم؛ أعني صورةَ المحاكمِ المحتفَّةِ بالمسجد؛ توحي للناظرين؛ أن الإسلام وشريعتَه الخالدة؛ دينٌ ودنيا، وحكم وعبادة، وقضاء وسلوك، ووعظ وتهذيب... إنها صورة تحكي كمال الشريعة، وصلاحها لكل زمن، ومُسايرتها للمَدَنِيَّةِ أنَّى سارت.

وتحت هذه (المنطقة العدلية) والدائرة الحضارية؛ توجد مواقف السيارات الخاصة بالعاملين؛ كدَوْرٍ أرضي وآخر سفلي... وخلفَ كلِّ محكمة من هذه المحاكم توجد مواقف السيارات ذات الطوابق؛ الخاصة بمراجعيها وعموم المستفيدين منها.

وخارج هذه الدائرة الكبيرة وفي ناحية منها؛ توجد (المنطقة الإدارية) التي تحوي المباني العدلية ذات الاختصاص الإداري والإشرافي على دور العدالة والعاملين فيها، والذي نُصَّ على بعضها في النص النظامي السابق... وهناك مرافق أخرى لم يشملها النص؛ كمثْلِ (هيئة التحقيق والادعاء العام)... جميلٌ أن تُضَمَّ مع المرافق العدلية الأخرى بوصفها أحد أهم مرافق العدالة وشريك في تحقيقها.

وما أجمل لو حوتْ هذه المنطقة مباني أُخَر؛ يكون أحدُها مقراً ل(مكتبة فقهيةٍ قانونيةٍ متخصِّصَة) تحوي دواوينَ الفقهاء في الشريعة والقانون والعلوم ذات الصلة؛ لتكون عوناً لمنسوبي المحاكم والعاملين فيها كالقضاة والباحثين والاستشاريين، ولغيرهم من المحامين والمختصين... إنها (مكتبةٌ) تضارعُ مكتبات (المدن العدلية) النظيرة في الدول الأخرى.

ومبنى آخر خاصٌّ ب(شؤون المحامين والمحكَّمين)؛ إذ هم شركاء في تحقيق العدالة، ويؤمَّلُ منهم الكثير في تقريب الحقيقة، وحفظ الحقوق... وتوسُّعُ قطاع الأعمال والأنشطة الاقتصادية والشركات بمختلف أنواعها في بلادنا المباركة؛ يوجبُ توسُّعاً آخرَ في قطاع المحاماة والتحكيم؛ مما يحْملُ الجهات المختصَّة على مزيد من العناية والمساعدة لهذه الفئة، وتطوير أدوارها، وتأهيلهم، وتنظيم أعمالهم، فيكون هذا المبنى نواة لهذه الأدوار الكبيرة.

وثالثها؛ مبنى إداري؛ خاص (بإدارة المدينة)، في مرافقها وصيانتها وأمنها، وإيصال الخدمات إليها... ومبان أُخَر؛ تكون مراكزَ للتدريب والدراسات والبحوث وفق ما تطمح إليه مؤسساتُنا القضائية. ويحيط بهذه المنطقتين الحضاريتين - العدلية والإداريَّة - (طريقٌ دائري) يسهل لقاصدهما الوصول إلى كل مرفق منها... وما أجمل أيضاً؛ لو ضُمِّنَتْ هذه (المدينة)... فراغات خضراء، وحدائقَ مفتوحة، وممرات للمشاة... تكون لأبناء العاصمة رئةً جديدة، وبيئةً مثالية لمعاني السَّكِينة الاجتماعية، وصورةً من صور التقارب الجميل بين أبناء المدينة ودورِ عدالتهم.

وتتَّسع الآمال؛ في أن تحوي هذه المدينة الحضارية (منطقة سكنية) خاصة بالقضاة، تتوفر فيها الاحتياجات الأساسية، من مسجد، ونادٍ للمناسبات الثقافية والأنشطة الرياضية، ومرافق صحية وتعليمية، وحدائق وخدمات مصرفية ونحوها من الخدمات الأخرى... إن هذه (المنطقة السكنية) ومرافقها المختلفة؛ تمثِّل إحدى صور التكريم الذي توليه الدولة للقَضاء والقُضاة؛ لقاءَ الدَّوْر المناط بهم.

إن هذه (المدينة العدلية) الحلم، وما تَنْتَظِمُه أسوارُها، وما تؤدي إليه بوَّاباتُها - وبغض النظر عن تفاصيلها -؛ ليست بكثير على عاصمةٍ كبرى؛ تتحفَّز لنقلات حضارية عظمى، تسابق بها الزمن، وتترقى بها في مدارج الكمالات، في مختلف المجالات.

إن الأمل ليسمو بالجميع في أن تكون هذه (المدينة الحلم) لؤلؤةً في عِقْد المشاريع الضخمة في جِيْد (عاصمة البلاد المباركة)، والتي أصبحت اليوم - كما يَصِفُها أميرها أمير البرِّ والوفاء - (حاضرةً عالميةً كبرى) انتقلت بفضل الله ثم بفضلِ الجهودِ المخلصةِ من «بلدة صغيرة يسكنها بضعة آلاف من السكان الذين يمتهنون الزراعة والتجارة» إلى عاصمة الأعمال والآمال والإرادة السياسية.

تحقَّقَ لها في غضون سنوات قليلة في عمر الزمن؛ مقدَّراتٌ ضخمة، وبنى تحتية فائقة، وشبكة واسعة من المرافق والعمارة والميادين... في كثير من الشواهد على المنشآت الحضارية في عاصمتنا (الرياض)... كمثْل: منطقة قصر الحكم، بمنشآته وساحاته وميادينه الحضارية، وقصر المربع، ومركز الملك عبد العزيز التاريخي ومنشآته الحضارية، والمحكمة العامة، وحي السفارات الذي روعيت فيه أدق تفاصيل العمارة وأحدثها... ومركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات، وكذلك المباني الإدارية لمؤسسات الدولة؛ كمجلس الشورى، ووزارة الداخلية والخارجية.. وكذلك المدن الصناعية، والمدن الطبيَّة، والمدن الجامعية التي أصبحت تنافس على مراكز الصدارة العالمية، والمجمعات التعليمية، وإسكانات الوزارات والدوائر المختلفة، ومطار الملك خالد الدولي، وبرنامج تطوير الدرعية، والميادين الفسيحة والحدائق العامة، والمجمعات التجارية المفتوحة والمغلقة، والمكتبات العامة والخاصة، والمؤسسات الاجتماعية، وجمعيات الخير والبر والإحسان المنتشرة في أرجائها، والمدلِّلة على سموِّ النزعة الإنسانية الخالصة لله في نفوس أبنائها... في سلسلة طويلة من المنجزات والمشاريع... والتي كانت لكل منها قصة مستقلَّة، وفصول من التخطيط والعمل الجاد الدؤوب، من مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة؛ إلا أن هناك شخصاً عاصرَ هذه المشاريع كلَّها، وعاصر مراحلَها وأطوارَها منذ كانت أحلاماً؛ حتى أقرَّ الله عينَه بإتمامها صروحاً وشواهد... تلك مشاريع لم يكن لها لترى النور لولا فضل الله وتوفيقُه، ثم الرؤية الحكيمة، والتجربة العميقة، والنَّفْس الطموح من مقام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ورئيس الهيئة العليا لتطويرها، الذي جعل (الرياض) جزءاً من حياته، فجمع في كيانه ما تفرَّق فيها من المعاني الكريمة، رِفعةِ رُباها، وطيبِ رياضها... أخلص للدولة في رعاية عاصمتها، حتى أصبحت (الرياض) اليوم تتهيِّأ لقيادة البلاد لدخول مرحلة جديدة من مراحل التطوير والعطاء؛ كما قادتها بالأمس في مراحل التأسيس والبناء.

(رياض اليوم) تتهيَّأ لاستقبال عقد جديد ومنظومة متكاملة من المشاريع والبرامج التطويرية، والتي جاءت لتكون امتداداً للدراسات والبحوث، والخطط الإستراتيجية، والتحديثات المستمرة لها من مقام (الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض) برئاسة أميرها حفظه الله ورعاه... حتى إن الزائر اليوم لمدينة الرياض؛ لا تكاد تخطئ عينُه الرافعات المنتشرة في كل مكان... والتي تخبره: أن (الرياض) تقف على أعتاب مرحلة جديدة.

فهناك... مركز الملك عبد الله المالي، وجامعة الأميرة نورة للبنات، ومشروع حدائق الملك عبد الله العالمية، ومشاريع برنامج الأمير سلطان للطوارئ والخدمات الإسعافية، ومشروع واحة الأمير سلمان للعلوم، ومدينة تقنية المعلومات والاتصالات، ووادي الرياض للتقنية، والضواحي السكنية الجديدة، والتوسُّعات الجديدة في مطار الملك خالد الدولي، ومكتبة الملك فهد الوطنية، والكليات الجديدة للبنات في المدينتين الجامعيتين، والحركة النشطة لأمانة مدينة الرياض في البناء والتطوير لمشاريع الطرق والميادين وملتقيات الجسور والساحات البلدية في كل أحياء المدينة، إضافة إلى ثراء المشاريع في (القطاع الخاص) في صورة إيجابية تنافسية؛ تعكسُ تطوُّرَ (البيئة الاستثمارية الآمنة) في عاصمة البلاد... في منظومة طويلة من المشاريع وأعمال البناء والتطوير.

تجتمع هذه المشاريع في مدينة (الرياض) لتصوِّر لساناً ناطقاً يحكي لزائريها تاريخَ المدينة العريق، وشرفها العالي، وحجم الطموح والإرادة في نفوس أبنائها وقادتها... ذلكم الطموح، وتلكم الإرادة التي جعلت القيادة الحكيمة مفاتيح للخير ومشاريع النماء... والتي جعلت من الأبناء؛ سواعدَ للبناء، الذين سطَّروا مع قادتهم فصولَ الكفاح، وملاحمَ التطوير، على اختلاف التخصصات والاهتمامات والمجالات... ومن ذلك؛ (المؤسسات القضائية)، بكافة اختصاصاتها ودرجاتها... والتي حُقَّ لنا - نحن السعوديين - أن نفاخر بها، وأن نفاخر أخرى بقياداتها الحصيفة، الوافرة في خبراتها وتطلُّعاتها وإنجازاتها، الدؤوبة في دَرَك المصالح، وتحقيق الطموحات، المستحقَّةِ بامتياز ثقةَ القيادة، وحملَ الأمانة، ودعاء المواطنين... إنها قياداتٌ سبقت بفكرها، وبجميل ما أنعم الله عليها؛ كثيراً من الطُّموحات والتطلعات والآمال.

ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك؛ ما سبق إليه تصريحُ أحد القادة في مؤسساتنا القضائية الموقَّرة، وهو معالي وزير العدل وفَّقه الله، عندما تطرَّق لهذه الفكرة في مَعْرِض تفاصيل خُطته الشاملة في تطوير أعمال الوزارة؛ بقوله: «إن المدن العدلية التي تفكر وزارة العدل بإطلاقها، ستشمل كافة المحاكم التي تم تسميتها في الترتيبات القضائية الجديدة، ضمن المشروع الإصلاحي الذي تبناه خادم الحرمين لتطوير مرفق القضاء.. وفق نموذج المدن العدلية بتنوع معماري على تنوع درجات التقاضي واختصاصها النوعي، ليستطيع الشخص من وحي الشكل الخارجي التعرّف على مبنى المحكمة، والاستدلال على درجتها، واختصاصها النوعي».

وبعد هذا كله؛ تأتي هذه الكلمات المتواضعة لتمثِّل نتيجةً للجهود الكبيرة للسياسات القضائية الرشيدة، في مدِّ الجسور... وفتح قنوات التواصل (المتعددة) مع عموم المستفيدين من المواطنين والمقيمين، وإشراكهم في (الشورى المجتمعية) لسماع ملاحظاتهم وتطلعاتهم وآمالهم، تحت (قبة الإعلام الوطني الحر) بما يعود على سير الدولة الرشيد بمزيد من الرفعة والترقِّي... وهذه (السياسة) ليست إلا امتداد لنهج المليك، والقيادة الحكيمة من بعده؛ في سماع هموم المواطنين، وجَعْلِهم محورَ (خطط التطوير المستدامة).

إننا في (عاصمة الوطن المعمور) نقرأ في الأفق القريب مزيداً من المؤشرات الحضارية التي تشير بالحرف الصريح إلى المستقبل الزاهر الذي ينتظر (الرياض)، إن المستقرئ لتاريخ الرياض، والمستشرفَ لمستقبلها؛ ليعجب من عظيم ما أودع الله فيها، وجلالة ما نََشَر عنها، وكريم آثارها... التي تبلى الأيام ويبقى ذكرُها الخالد... إنها المدينة التي كانت - وستبقى - مسرحاً لأدوار الحب والبطولة بين القيادة والشعب وبين وطنهم الذي يُحِبُّون... وكما قيل: (لا يعذل في حب الوطن إلا ظالم)...

(فوَحقِّ مَنْ جمعَ المحاسنَ فيكِ ما

أبصرتُ بعدكِ ما يُقال له حَسَن)

أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يزيدها علوَّاً (لا نظيرَ له في العوالي، وفخاراً ضلَّت عن مثله العصورُ الخوالي)، وأن يبارك في جهود أميرها أمير البرِّ والوفاء، وأن يقرَّ عينَه وعيونَ أهلها وسُكَّانها وقادتها والمسلمين؛ بمزيد سلامِ الله عليها ورحمتِه وبركاتِه.

خطيب جامع الفاروق بحي الجزيرة بالرياض



 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد