Al Jazirah NewsPaper Monday  05/04/2010 G Issue 13703
الأثنين 20 ربيع الثاني 1431   العدد  13703
 
نصف الكأس
عامل فيها مثقف!
فهد الغريري

 

أنعم الله عليَّ أن فتحت عيني في بيت يحوي مكتبة كبيرة متنوعة، فتلك الأخت زودت المكتبة بعدد لا بأس به من أعمال توفيق الحكيم والمنفلوطي ونجيب محفوظ، وذاك الأخ افتتن بأجاثا كريستي، بينما انشغل الأب بكتب التاريخ، واتفق الجميع على السير الشعبية: عنترة وتغريبة بني هلال وغيرها، كما حوت المكتبة عددا من كتب التراث العربي والعالمي انطلاقا من ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وانتهاء بذهب مع الريح وديفيد كوبرفيلد، بالإضافة إلى الشعر الفصيح والنبطي والطب والجغرافيا وأسرار الكون العلمية وأدب الرحلات وغيرها.

مع مرور الوقت وانشغال الكبار بظروف الحياة تفردت صغيرا بتلك المكتبة فإذا بها مع مرور الزمن تزداد ازدحاماً. وفي ذلك الوقت جاءت هدية خالتي (البدوية) بنجاحي من المتوسطة نسخة لرواية «البؤساء»، لاحظ زوجها «البدوي» فرحتي بالكتاب، فأهداني في المرحلة الثانوية نسخة من «القبعة والنبي» لغسان كنفاني كانت نقلة فكرية مبكرة لشاب سعودي لأواصل بعدها ارتحالي من دوستويفسكي وروسيا إلى ماركيز وأمريكا اللاتينية، ثم إفريقيا السوداء واليابان والصين وغيرها.

مكتبة المدرسة بدورها شكلت رافداً قوياً حيث وجدت فيها سلسلة قصص من الأدب العالمي للناشئة منها قصص مقتبسة من الإلياذة والأوديسة (لا زلت أذكر صورة بينلوبي مع مغزلها على غلاف إحداها) وشخصيات مثل هانيبال والإسكندر الأكبر، نعم كانت هذه القصص في مكتبة الابتدائية! وكان المعلمون في أوائل الثمانينات الميلادية يوجهون الطلاب إليها دون خوف من المساءلة بدعوى الغزو الفكري!

القراءة المتعددة قلب كبير مستعد للتواصل مع الآخر مهما كان دينه ولونه وثقافته: في الخامسة عشرة من عمري تعاطفت مع السود أبناء العم توم في أمريكا، نقمت على طغيان الكنيسة والإقطاعيين في أوروبا، واحترمت ثورة العمال في روسيا. فهمت إحساس شيخ همنجواي بالوحدة، ومعاناة جين اير مع اليتم، وسأم ألبرتو مورافيا. كبرتُ لأقابل كل من يصادفني في حياتي من السود والبيض ومن جهات الدنيا الأربعة مستحضراً تاريخهم وثقافتهم وأدبهم ومحترماً كياناتهم وخياراتهم.

بالمقابل، خارج البيت، في الشارع وبين الأقران، كانت القراءة فعلاً اجتماعياً غريباً، ردة الفعل لدى الغالبية عندما يرون الكتاب في يدك هي: عامل فيها مثقف! أما عندما تطرح وجهة نظرك بتسلسل منطقي فالتعليق هو: بدينا بالفلسفة! لتتطور المسألة إلى الاتهام بالانحراف الفكري وإشاعة الفساد!

من يشتري هذا النوع من الكتب فهو: يضيع فلوسه! ومن يذهب إلى معرض الكتاب فهو: فاضي! أما من يقرأ كتباً مترجمة فهو مغسول المخ تم غزوه واحتلاله! باختصار: مالك إلا «هيفا»، أو تصير «مطوع!».




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد