Al Jazirah NewsPaper Sunday  11/04/2010 G Issue 13709
الأحد 26 ربيع الثاني 1431   العدد  13709

لمحات من تاريخ الوراقة
حنان بنت عبدالعزيز آل سيف

(بنت الأعشى)

من خلال الكتاب نطل على العالم فنرى حضارته وفضاءاته وثقافته وتاريخه الماضي والحاضر والمكتبة هي الحضن الدافئ التي ينمو من خلالها الكتاب، بل هي تتسم بالديمقراطية في جمعها أصناف العلوم، وأنواع المعارف، وشتى الفنون، والكتاب والمكتبة لهما تاريخ طويل في مسيرة الحرف ودفع عجلته إلى الأمام.

وقد مرّت الكتابة بمراحل عدة على تعاقب السنين وتطاول الأزمان، ومن خلالها حفظ التاريخ لنا شيئاً، بل أشياء من ذلك الماضي الدفين في الكهوف وعلى جدران الصخور، وكانت وسائل الكتابة متنوعة، حتى حذق العرب صناعة الورق. يقول الدكتور عبداللطيف الصوفي ما نصه: (كان لمعرفة العرب بصناعة الورق أو الكاغد كما كان يسمى آنذاك، أثر بالغ في انتشار الثقافة، واتساع رقعتها في البلاد الإسلامية والعالم الأوروبي، كما كان من نتائج ذلك ظهور طبقة الوراقين وهي فئات كان لها أسواق أو متاجر خاصة للجملة والمفرق اهتمت ببيع الورق مع سائر مواد الكتابة الأخرى مع تجليد الكتب وبيعها أو إعارتها للقراءة، وكانت دكاكين الوراقين التي ملأت أحياء بغداد أشبه بالمراكز الثقافية، يلتقي فيها الأدباء والعلماء، وتقام فيها حلقات المناظرة والمناقشة بحرية فكرية غير محددة لم يكن لها مثيل في العالم المسيحي، كما كانت هذه الدكاكين أماكن للمطالعة، تخرج منها عدد من أعلام الثقافة العربية وفي مقدمتهم الجاحظ الذي كان كثيراً ما يكتري دكاكين الوراقين لقراءة ما تحويه من كنوز المعرفة الإنسانية ومن خلال قوله يظهر أن الوراقة كحرفة بدأت منذ العصر العباسي الذي اشتهر ببزوغ المعارف والفنون والثقافات، حيث بلغت حوانيت الوراقين مئة حانوت في القرن الثالث الهجري، اهتم الخلفاء العباسيون بهذه الحرفة أيما اهتمام، وعنوا بها أيما عناية، وجعلوا لها النساخ والخطاطين والمجلدين والمزخرفين الذين كانوا يختلفون في العلم والمقام، حتى إن بعضهم بلغ رتبة الوزارة مثل ابن مقلة الوزير العباسي الذي نكل وعذب وقطعت يده، فكان يجعل القلم مشدوداً إلى ساعده، فيكتب خطاً جميلاً يسر الناظرين فيه، واشتهر الوراقون والنساخ من أمثال أبي علي القالي، العالم اللغوي الشهير الذائع الصيت الذي كان ينسخ الكتب النادرة والمهمة في مكتبة الحكم، ويراجع نسخ الوراقين. وكان من الوراقين والنساخ والخطاطين نساء حفظ لنا التاريخ اثنتين هما لبنى وفاطمة، وكان الوراق يتقاضى رواتب عالية جراء نسخه لمؤلفات العلماء وأدبيات الأدباء، كما فعل الوراقون بكتب ابن عساكر ذلك العالم العلامة، الذي زاد تاريخه عن ثمانين مجلداً، ولكتاب الله جل وعلا نصيب منها، مثل مالك ابن دينار الذي كان ينسخ المصاحف مقابل أجرة مناسبة.

ودكاكين الوراقين أخذت حظها من ترنم الشعراء فيقول أحدهم:

مجالس السوق مذمومة

ومنه مجالس قد فتحت

فلا تقربن غير سوق الجياد

وسوق السلاح وسوق الكتب

فهاتيك آلة أصل الوغى

وهاتيك آلة أهل الأدب

وانتشرت الوراقة انتشاراً مذهلاً وعمت البلاد العربية مثل: الفسطاط والقاهرة وبغداد والبصرة وأصفهان، والأحواز والقيروان وفاس وقرطبة، ومن الأسماء التي تربعت عرش الوراقة ابن النديم في كتابه الفهرست، ذكر فيه أسماء المؤلفين وعناوين مصنفاتهم في العلوم المختلفة، وياقوت الحموي في كتابه (معجم الأدباء) وفيه يقول لنا: (وجمعت في هذا الكتاب وقع إليَّ أخبار النحويين واللغويين والنسابين والقراء المشهورين والإخباريين والمؤرخين والوراقين المعروفين، وأدباء الخطوط المنسوبة والمعينة، وكل من صنف في الأدب تصنيفاً، أو جمع فنه تأليفاً) هذا وقد ذم الوراقة شعراء ذلك الزمان لأنها لا تسد الرمق ومنهم الشاعر الأندلسي محمد البكري حيث يقول:

أما الوراقة فهي أنكر حرفة

أوراقها وثمارها الحرمانُ

شبهت صاحبها بصاحب إبرة

تكسو العراة وجسمها عريانُ

وبظهور الطباعة ودخولها العالم الإسلامي سنة 1129هـ بدأت الوراقة تختفي شيئاً فشيئاً إلا أن مكتبات العالم الإسلامي شاهدة لهم بتلك الصروح العلمية والأدبية، في قرطبة وبغداد والقاهرة.

مراجع المادة:

لمحات من تاريخ الكتاب والمكتبات ط1 1987م دمشق/ مجلة روائع عدد (2) شعبان 1426هـ.

عنوان المراسلة: ص. ب 54753 الرياض 11524 - فاكس 2177739


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد