Al Jazirah NewsPaper Sunday  18/04/2010 G Issue 13716
الأحد 04 جمادى الأول 1431   العدد  13716
 

الإعجاب بالنفس والنفس العجيبة
محمد بن صالح بن سليمان الخزيم

 

أوصى نهد بن زيد بنيه قائلاً (أوصيكم بالناس شراً كلموهم نزراً وانظروهم شزراً ولا تقبلوا لهم عذراً ولا تقيلوهم عثرة وقصروا الأعنة واشحذوا الأسنة، تنالوا بذلك القريب ويرهبكم البعيد) فتدبر وصية الأب الجاهلي تجدها ملأت عدوانية واحتقار دافعها الإعجاب والزهو إنه إعجاب بالنفس وعلو على بني الجنس، وصية لا صلة لها بالإنسانية فضلاً عن الآداب الإسلامية يستلذها من غرست في نفسه العدوانية.

وهناك نفس عجيبة تحب لغيرها ما تحب لنفسها وربما تلافت الاحتدام لجلب الوئام لا ضعفاً وانهياراً ولكن مبدؤها (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).

عاصم بن قيس تأتيه فاجعة قتل ابنه وهو محتبى فما حل حبوته إنه سيد العرب ومضرب المثل ونفس أخرى مغرمة بالتشدق بالكلام ونهش الأعراض ترى كل ما دنى منها ونأى لا يعرف الصواب ومن حسن الحظ أنه يدفع عن الأبواب.

إن تحدث أحد أو عمل عملاً أو كتب مقالاً أو حتى لبس هنداماً سل عليه لسانه في عرضه وبديع إنتاجه غايته التقليل من شأنه وتصغير أهل الجدارة، إنها نظرات سوداوية تناسى هذا أن أهل النفوس العالية لا يزيدها قوله إلا قوة واندفاعاً. فهم ينابيع جارية تستسقي منهم كل ناحية وقد قيل (ما يضير الجبل عند رميه بالحجر).

ويقابل هذه نفس عجيبة مليئة بحب الآخرين احتراماً وتقديراً وتشجيعاً للعاملين تملك نفساً تفاؤلية سليمة من كل أذية كالنخلة {طَلْعُهَا هَضِيمٌ}.

وقيمة المرء ما قد كان يحسنه

وللرجال على الأفعال أسماء

وربما أعجب النفس حب المخالفة ولو كان بأمور تافهة لا طلباً للحق والحق أبلج ولكن من باب إسقاط الآخر.

كان الإمام أحمد بن أبي دؤاد يناصر القول بخلق القرآن مع علمه بحقيقة الصواب، وعالم الأمة أحمد بن حنبل يقول إنه منزل بلا ارتياب.

فابن حنبل تحمل الأذى وصبر حتى انفلق صبح الحق وعلا. فرفع الله ذكره وذاعت شهرته. وترحم عليه أهله وبنو جنسه حتى قال (ليتني في شعب من شعاب مكة لا أعرف ولكن بليت بالشهرة). فتدبر هذه النفس العجيبة صبرت فظفرت.

ومن الإعجاب في النفس من يدعي حقوق الآخرين يستل المقال وجميل الكلام ناسباً إياه إلى ذاته وأنه من مستخلص أفكاره وواقعه كمن يتزين بثوب غيره، ونحوه من يتعلم من أستاذه ويجحد فضله وعطاءه مدعياً أنه لا يدانيه منزلة ونسي حجة باريه (وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا).

وانظر إلى النفوس الشريفة إلى أصحاب المعالي كان الخليل بن أحمد إمام العربية ومبدع علم العروض إذا استفاد من أحد فائدة أطرأ به وأثنى عليه، وحينما يبذل هو علمه لأحد لا يذكر فضله عليه ولا يثني على نفسه إنه أدب جم وخلق فذ ناتج صنيعه الترقي في العلوم وشهرة تدوم. ومن جميل صنيع البعض إكرام أهل الفضل والعلم في جوائز دورية ومناسبات جماعية.

وإن من الإعجاب والأنانية الممقوتة ما يلاقيك حال مراجعة أحد الموظفين في مكتبه بقوله ليس هذا من عملي؟!! إذا عمل من؟!!

وخلال دقائق تفاجأ بأن المعاملة لديه ولكنها بين رجليه ولو كان الشأن لأبناء قرابته لارتقى إلى رؤساء إدارته يبرر المعوج ويبهرج على أهل السد فلا عجب إذا قرأت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (الناس كمائة من الإبل لا تكاد تجد فيها راحلة).

وفي جنبات مكتبه أو قريباً منه تجد نفساً عجيبة تبذل الجاه مع دمائه أخلاق.

معروفه لا يتوقف بل ربما جاوز حدود إدارته. مهتدياً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم (اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء)

ترى رواده متحلقين حوله كالهالة حول القمر وحق له إنه قمر إدارته فرحاً مسروراً بشفاعته تعلوه الابتسامة عند قضاء أي حاجة الكل يشدوا باسمه ويرفع ذكره عمله محمود وذلك ظلام مذموم ومحروم.

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسان إحسان

ومن الإعجاب بالنفس ما يدونه البعض يخط ببناته ويُسيّل أقلامه بكل ما خطر على باله ويخطي هذا وينقد هذا ويرى أنه بلغ عنان السماء في الجرح والتعديل متناسياً أن سيلان قلمه يجرف محامده ويزرع مفاسده فربما كلمة جرحت قلب وأثارت حرب ويرى أن فعله صحيح وفكره سليم )َفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا)أليست مكابرة وإعجاب ترده النفوس المثابرة؟

وقد قيل (إنما يتراجع الفقيه إذا اتسع علمه).

إن كنت تطلب رتبة الأشراف

فعليك بالإحسان والإنصاف

وإذا اعتدى أحد عليك فخله

والدهر فهوله مكافٍ كاف

وهناك نفوس عجيبة همها معرفة الحق ممن أتى تنشد الصواب وتكافئ عليه. قال الشافعي (ما ناظرت أحداً إلا أحببت أن يكون الحق معه) لأنه بهذا يعرف علماً جديداً. وقس على هذا ما يكنه الطلاب لبعض معلميهم في جامعاتهم ومدارسهم من تقدير وحسن تعبير، فبأول وهلة تلقيها على حمى المؤسسة التعليمية تجدهم قد أحاطوا بمربيهم إحاطة السوار بالمعصم، لأن شعاره بذل الندى وكف الأذى يحس بأوجاعهم ويعالج أوضاعهم بحكمة وحسن طاعة.

سهل الخليقة لا تخشى بوادره

يزينه اثنان حسن الخلق والشيم

ولا يقتصر الجانب النفسي على أهل الظن والحدس بل ربما جاوزهم إلى بعض طلبة العلم والفتوى موزعاً فتواه. رأيته نتفا من العلم أو رخصاً زل فيها من لا يُعصم فيبقى السائل في حيرة بعد حيرة وحقيق بمن هذه سماته أن يقصر في الخطى ولو طال المدى إلى أن يرتقي في سلم العلا. وقد قيل (أجرأ الناس على الفتوى أقلهم علماً) ونعوذ بالله إن كان طالباً للشهرة. قال بشر الحارث (ما اتقى الله من طلب الشهرة). والنفس العجيبة من رست في العلم وأصّلته ومع هذا كانت أبعد الناس عن الجرأة على الفتوى أمانة للعلم فكم قال من فحول العلم لا أدري أو أسأل غيري، فما نقص قدرهم بل عظم أمرهم، هذا سفيان بن عيينة عالم أمة لا يفتي في الطلاق، والشنقيطي صاحب تفسير أضواء البيان لما بلغ سن الأربعين أحجم عن الفتوى مكتفياً بغيره ووجلاً من أثرها. وقال ابن عباس (من أفتى بكل شيء فهو مجنون) لأن العلم بحر لا ساحل له.

هذا ما قيده البنان فتدبر هاتين النفسين جاعلاً قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) نصب عينيك ثم اختر لنفسك خير الطريقين تنعم بالدارين. وفقني الله وإياك للحق.

مدير المعهد العلمي في محافظة البكيرية


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد