Al Jazirah NewsPaper Sunday  18/04/2010 G Issue 13716
الأحد 04 جمادى الأول 1431   العدد  13716
 
المرأة والعنف الأسري
مي عبدالعزيز عبدالله السديري

 

إذا استعرضنا تاريخنا منذ القدم وقبل الميلاد نجد أنه مفعم بالصفحات الناصعة التي سطرها التاريخ للمرأة العربية، والأمثلة كثيرة والتي تشير إلى تمجيد المرأة.. والاعتزاز بها وتسليم مقاليد الأمور لها حيث أثبتت قدرتها على الإدارة والحكم والدفاع عن بلدها وشعبها، فهناك أروى وأسماء وبلقيس، تلك الملكة المشهورة قصتها مع النبي سليمان، كيف تصرفت بحكمة وحصافة في ردها على دعوى سليمان إليها للإسلام، ولا ننسى زنوبيا ملك تدمر التي قارعت الإمبراطورية الرومانية وخاضت معها معارك عديدة رافضة الخضوع والاستسلام.

وفي عالمنا الإسلامي لدينا شجرة الدر التي أدارت المعركة مع الأعداء رغم أن زوجها كان قد مات وأخفت الخبر حتى تستمر المعركة، وهناك السلطانة راضية وهي من أصل تركي حكمت دلهي وقد جعلها والدها ولية للعهد رغم أنه كان لديه أولاد ذكور ولكن والدها وجدها أنها الأصلح للمهمة، وكلنا يعرف دور زبيدة زوجة هارون الرشيد وكيف أنها وضعت المياه على طريق الحج، وبهذا قامت بدور متكامل شبيه بالدور الذي تقوم به السيدة الأولى في الوقت الحاضر، وطبعا كان ذلك بدعم من الرجل.

وبهذه المناسبة، كلنا يعرف دور المرأة في قبائلنا العربية وكيف يفتخر أبناء العشائر والقبائل بالمرأة، فيقول أحدهم باعتزاز (أنا أخو نورة.. أنا أخو مريم) وهكذا.

المشكلة ليست في العنف الأسري ضد المرأة وإنما في هذه الظاهرة التي ترمي إلى محو تراثنا، وهنا لا بد من القول إنه من حق الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات أن يطرحوا المشكلة ومحاولة إيجاد حل يتناسب مع الحق والعدل المطلوبين بإلحاح للنهوض بمجتمعنا الحبيب.

كان هناك ما نسميه احتلال الأوطان، وقد أصبح لدينا الآن احتلال الإنسان للإنسان، المشكلة في هذا أن الرجل والمرأة لا يتمتعان بالحرية نتيجة التربية الخاطئة التي كونت شخصيتيهما.. فكيف نطلب من الرجل أن يعطي الحرية للمرأة ضمن الحدود المتعارف عليها والمقبولة مجتمعياً وهو لا يملك تلك الحرية ويفتقدها؟

في عصرنا الحاضر، تعتمد التربية على الشرع ولا تعتمد على السلوك والعقيدة علماً أن العقيدة هي أساس الشرع، فإذا لم يكن لدى الإنسان إيمان ثابت يقوم أخلاقه وسلوكه، فما هي فائدة الصلاة؟ نعم إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر بشرط أن تكون تلك الصلاة مستندة إلى العقيدة - إلى الإيمان، وإلا فإن من يؤديها دون هذا الأساس تكون صلاته عبارة عن حركات وقيام وقعود لا يؤدي ذلك إلى الغرض المقصود من الصلاة - إن ذلك الإنسان يملك الشرع ولكنه منفصل عن السلوك الإسلامي، وما هذا إلا لوجود خلل في الأسرة، وإذا فكرت المرأة بالزواج فإنها أول ما تفكر به هو أن تحصل على حريتها أكثر من تكوين أسرة، وتحمل مسؤولية البيت.. تريد أن تخرج إلى السوق وهي لا تدري عن بيتها، كما أن الرجل يخرج من العمل فيذهب إلى الاستراحة، وهكذا لا يوجد وقت لاجتماع الزوج والزوجة لتدارس أمور البيت والأولاد، وكثير من الأسر تجلس مع بعضها كأصدقاء، الأم تفسد علاقة الأولاد مع الأب فتتعلم البنت من أمها، وإذا تزوجت تفسد علاقتها مع زوجها، بحيث تصبح علاقتها بزوجها غير متساوية لأنها في الأصل أخذت صورة مشوهة عن الرجل، فكيف تستطيع أن تبني علاقة حميمة مع زوجها؟ وهذا أمر طبيعي لأنها قد عاشت في بيئة مغلوطة وهكذا تستمر الأمور ولكن في النهاية.

الأجانب ينفصلون عن بعضهم ولكن تبقى العلاقة ودية، الأم تحافظ على علاقة الأولاد بالأب وهو بدوره يحافظ على علاقة أولاده بأمهم وما ذلك إلا لأن تربيتهم تأسست على هذا السلوك، وأما بالنسبة إلينا فإن علاقتنا بالأسرة مشوهة عنف ضد المرأة والرجل.. التربية غير سليمة.. فعندما يدخل الزوج لا يجد تلك الهيبة التي يجب أن يتمتع بها..

ندلع الأولاد لدرجة أننا نسيء إليهم أكثر مما نفيدهم.. إننا لا نقضي معهم الوقت الكافي لنعالج مشاكلهم، وبالتالي، فإننا نحصل على مجتمع معاق، نعم، الطفل المدلع هو طفل معاق.. ووسط هذا كله يسيطر العنف الأسري..

نسينا مشاكلنا الأساسية وبدأنا نهتم بفيلم التيتانيك وغرفة ولدينا مشاكل أهم وأعظم.

علينا أن نقيم تربيتنا من جديد ونضع الحلول لهذه المشكلة التي لا تبشر بالخير حاضراً ومستقبلاً، هناك أمثلة تستحق الدراسة.. لقد استمرت الحضارة الصينية لأن المرأة الصينية تحترم الرجل، والرجل الصيني يحترم المرأة، كلاهما يحافظ على هذا الرابط المقدس.. ولذلك ليس هناك انفصام بين الحاضر والماضي، وبالتالي، فهناك مستقبل واعد لهذا المجتمع، وبالنسبة إلينا، فإن لدينا من الحضارة ما يؤهلنا بأن نكون في طليعة الأمم، هل نسينا أننا نحن الذين اخترعنا رقم الصفر الذي تعتمد عليه كافة الأجهزة الإلكترونية الحديثة، وهل نسينا الحسن بن الهيثم واضع أسس علم الرياضيات الحديثة، وهل نسينا ما قام به محمد القاسم وما قام به أسامة بن زيد؟ كلاهما كانا في السادسة عشرة من العمر وقادا جيوش المسلمين وانتصرا على أباطرة الروم وأكاسرة الفرس.. لم يكن لدى أطفال المسلمين Gamboy وكان هم كل منهم أن يسلم الراية للآخر.

تلك التربية الإسلامية الحقة التي استطاعت أن تبني لنا دولة حكمت العالم700 سنة، وأن تنشئ حضارة ملأت الكون علماً ونوراً وعدلاً.. وأما الآن فإن تربيتنا تعزز الفردية المفرطة والأنانية المطلقة، وهذا دمار لا حدود له.. لن يؤدي إلا إلى الهلاك إذا لم نستدرك الأمر ونعيد سيرتنا الأولى بالتركيز على العقيدة في تربيتنا حتى نتمكن من استعادة دورنا الذي أراده الله لنا عندما قال:(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر).

كان الرجل يتزوج زوجتين أو أكثر ولكن لم يكن لدى أولاده عقد لأن الآباء كانوا يشرفون على أبنائهم مباشرة ويتعاونون مع زوجاتهم في تربية أولادهم، في وقتنا الحاضر زوجة واحدة ومع ذلك نجد أن الأطفال معقدين عقداً مختلفة.. ألعاب الكترونية تستغرق معظم وقتهم.. وفي أحيان كثيرة حبوب ومخدرات.. وغير ذلك.

في تربيتنا الفردية نجعل المجتمع مجتمعاً بليداً وبالتالي فإن ما يقوم به ذلك الفرد إنما يعتمد على مفاهيم خاطئة، ولسوء الحظ ينسبها إلى التراث وينسى أن ينسبها إلى العادات والتقاليد الخاطئة.. نعم هناك عادات حسنة وتقاليد خيرة، لا مانع أن تتمسك بها، ولكن للأسف نتمسك بالعادات السيئة ونترك الحسنة.

نعم لقد وجدت القوانين ولكن لا بد من إخضاعها لمصلحة المجتمع وذلك بأن يعامل الفرد على أساس قدراته وكفاءته وليس على حساب جنسه، قد يكون هناك رجل أفضل من المرأة والعكس صحيح، علينا أن نقيم الإنسان على أساس قدراته وأن ننسى أنه ذكر أو أنثى، وإن ظاهرة الخوف على المرأة راجع إلى دخول الاستعمار الذي شجع على الفساد لأنه ليس لديه حرام أو حلال، ولكن الآن والحمد لله فقد زال الاستعمار وما علينا إلا أن نعطي المرأة حقها وأن نعطيها الثقة حتى يكون هناك تكافل بين المرأة والرجل، وكلنا يعرف أن المرأة نصف المجتمع، فهل نترك هذا النصف دون الاهتمام، علماً أننا إذا أعطيناه حقه نكون في الوقت ذاته قد أعطينا الرجل حقه فيكمل كل منهما دور الآخر، وبالطبع ينعكس ذلك خيراً وبركة على مجتمعنا الحبيب الذي نتمنى له العزة والمجد.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد