Al Jazirah NewsPaper Friday  30/04/2010 G Issue 13728
الجمعة 16 جمادى الأول 1431   العدد  13728
 

وكم مالئ عينيه
د. محمد إبراهيم الحمد*

 

هذا جزءٌ من شَطْرِ بيتٍ لعمر بن أبي ربيعة, يقول فيه:

وكم مالئٍ عينيه من شيء غيره

إذا راح نحو الجمرةِ البيضُ كالدمى

ومعنى البيت: كثير من الناس يُطْلِقُ بَصَرَه في النظر إلى النساء إذا ذهبن لرمي الجمار.

وهو في هذا البيت يشير - على مذهبه الغزلي - إلى أنّ كثيراً من الناس يَسْبِيْهِ التطلعُ إلى ما لا يمتلك, ويخص بذلك النظر إلى النساء الأجنبيات عنه.

ولعلّ المعنى لا يقف عند حد النساء فحسب, بل يتعداه إلى أمور آخرى؛ فكثير من الناس يزهد بما في يده, ويتطلّع إلى ما عند غيره أَيَّاً كان ذلك المُتَطَّلع إليه؛ فكم من أناس يقطعون المسافات لطلب العلم عند عالم وعندهم في بلدهم من يفوقه، ولكن زامر الحي لا يطرب, وأزهد الناس في العالِم أهله وجيرانه.

وكم من الطلاب من يَدْرُسُ - على سبيل المثال - في كلية الشريعة وتراه يحرص كثيراً على طلب العلم، والسؤال عن طريقة الترقي فيه، وتجده يتطلّع إلى كتب ليست مقررة عليه.

ولو أنه اقتنع بما عنده، ولزم الإقبال على المناهج المقررة عليه لكان خيراً له؛ إذ غالباً ما تكون تلك المناهج مدروسةً بعناية، وتكون مهيِّئةً للطالب أن يسير على وَفْقِ نظامٍ يوصله إلى درجة عالية من العلم، والمنهجية المنضبطة.

ثم ما يحصل عليه من العلوم بعد إلمامه بما قُرِّرَ عليه يُعدُّ رِبْحاً.

ولكن التطلُّع إلى ما ليس قريباً يقطع الإنسان عن الوصول إلى المبتغى.

والغريب في الأمر أَنَّ مَنْ يكون في غير تلك الكليات ممن يرومون العلم الشرعي يتمنّون من كل قلوبهم أن يلتحقوا بتلك الكليات، ويدرسوا مناهجها التي يزهد بها بعض المنتسبين إليها.

وكم من الناس من يستشير البعيد عنه، ويزهد بالقريب منه من نحو والدٍ، أو قريب أو أستاذ، مع أنّ من أولئك من قد يفوق المستشار البعيد بمراحل؛ فأولى لهذا ثم أولى له ألاّ يزهد بمن عنده إلاّ إذا كان يستحيي من مشورة القريب في بعض الأمور.

وكم من الوالدين من يزهد بأولاده ولا يراهم أهلاً لأي مكرمة أو تَحَمُّلِ مسؤوليةٍ، مع أنهم يبلغون من الشهامة والفضل مبلغاً عظيماً.

وربما أُعْجِب بأبناء فلان من الناس وأثنى عليهم، وفضَّلهم على أولاده مع أنّ أولاده يفوقونهم بمراحل.

بل بعضهم لا يرى أيَّ قيمة لأولاده إلاّ بعد أن يسمع ثناءً عليهم في محفل، أو إشادة بهم من أحد الناس.

وكم من الناس من يرغب عن الطعام الذي يُعَدُّ له في منزله، ويرغب في طعام أقلَّ منه جودةً إذا كان خارج المنزل.

وكم من الناس من يزهد بحاله التي هو عليها، ويتمنى لو كان كفلان أو فلان من الناس مع أنه ربما يتمتع بصحة، وراحة لا يجدها أولئك الذين تمنى مكانهم بالأمس.

وكم من أناس يزهدون بمن يسوس أمرهم من مدير، أو مسؤول، ويتمنّون زواله عنهم، ثم بعد ذلك يبكون على تلك الأيام التي قضوها معه بعد أن يجربوا غيره، و:

ربَّ يومٍ بكيتُ فيه فلما

صرت في غيره بكيتُ عليه

فهذه نبذة يسيرة، وأمثلة قليلة في شأن من يملأ عينيه من شيء غيره، والأمر أوسع من ذلك وأعم.

فالتطلُّع إلى ما في أيدي الآخرين مما يورث الحسرات، والغموم؛ فحريٌّ بالعاقل أن يرضى بما عنده، وألاّ يمد عينيه إلى ما ليس له إليه سبيل.

ومن أعظم ما يعين على ذلك لزوم القناعة؛ فإذا لزم العبد القناعة أشرقت عليه شموس السعادة.

ومن يطعمِ النفسَ ما تشتهي

كمن يطعم النار جزل الحطب

قال تعالى: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: 131).

قال أُبي بن كعب - رضي الله عنه -: «من لم يتعز بعزة الله تَقَطَّعتْ نفسه، ومن يتبع بصره فيما في أيدي الناس يَطُلْ حُزْنُهُ، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه - فقد قلّ علمه، وحضر عذابه».

وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي - رحمه الله - في تفسير الآية السابقة:

«أي ولا تمد عينيك معجباً، ولا تكرر النظر مستحسناً إلى أحوال الدنيا والممتعين بها من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجملة؛ فإنّ ذلك كلَّه زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجاباً بأبصار المعرضين، ويتمتع بها - بقطع النظر عن الآخرة - القوم الظالمون، ثم تذهب سريعاً، وتمضي جميعاً، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه يوم القيامة، وإنما جعلها الله فتنة واختباراً؛ ليعلم من يقف عندها، ويغتر بها، ومن هو أحسن عملاً».

وما أحسن قول أبي فراس الحمداني:

إن الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسه

ولو أنه عاري المناكب حافي

ما كل ما فوق البسيطة كافياً

فإذا قنعتَ فكل شيء كافي

ومما يوصل إلى ذلك أن ينظر الإنسان إلى من هو أدنى منه في أمور الدنيا، وإلى من هو أعلى منه في أمور الدين وسائر الفضائل؛ فهذا هو المعيار الحقيقي، وتلك هي الموازنة المجدية؛ فهي تُبصِّر الإنسان بنعمة الله، وتقوده إلى شكره وإيثار محابِّه.

فإذا نظر الإنسان إلى من هو فوقه في التقوى، والعلم، وسائر الفضائل - حمله ذلك على العمل والمسارعة إلى الخيرات.

وإذا نظر إلى من هم دونه في أمور الدنيا في الصحة والمال ونحو ذلك - قاده ذلك إلى مزيد من الشكر.

وإلى هذا المعنى العظيم يشير قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فُضِّل عليه» متفق عليه.

وزاد مسلم: «فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».

قال ابن بطال - رحمه الله - في شرح هذا الحديث: «هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛ لأنّ المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها - إلاّ وجد من هو فوقه؛ فمتى طلبت نفسه اللحاق به استقصر حاله؛ فيكون أبداً في زيادةٍ تُقَرِّبه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلاّ وجد من أهلها من هو أخسُّ حالاً منه. فإذا تفكر في ذلك علم أنّ نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضَّل عليه بذلك من غير أمر أوجبه؛ فيلزم نفسه الشكر؛ فيعظم اغتباطه بذلك في معاده».

ولقد أحسن ابن الرومي أيّما إحسان في قوله:

إذا ما كساك الله سربال صحة

ولم تخلُ من قوت يحل ويَعْذُبُ

فلا تغبطَنَّ المترفين فإنهم

على حَسْبِ ما يكسوهم الدهر يسلب

ولا يعني كل ما مضى ذكره أن يكون الإنسان راضياً بالدون، غير ساعٍ إلى الأعلى والأكمل في أمور دينه ودنياه.

ولكنها دعوة إلى الرضا بما هو في الإمكان، والسعي إلى ما هو أعلى وأرفع.

* جامعة القصيم


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد