Al Jazirah NewsPaper Friday  07/05/2010 G Issue 13735
الجمعة 23 جمادى الأول 1431   العدد  13735
 

نوازع
الغضب ظاهرة
د. محمد بن عبد الرحمن البشر

 

هناك من جُبل على سرعة الغضب؛ حتى لا يتمالك نفسه، فيأتي بها صلعاء حاسرة، لا يفيد بعدها اعتذار إلا عند ذوي الحلم والنهى، ولا سيما إذا كان الغضب في أمر غير ضار، وكان من الجلساء من جُبل على حب الخير وفتح السبل للصفح والعفو. والحقيقة أنني لاحظت أن سرعة الغضب باتت ظاهرة أو ربما هي ظاهرة في مجتمعنا تستحق منا الدراسة النفسية والاجتماعية التي على أثرها يمكن الوصول إلى بعض الخطوات التي قد تساعد في الحد من ذلك، وكثيراً ما أسمع جدلاً ساخناً بل ساخطاً بين أصدقاء يتحدثون عن موقف من المواقف التي حدثت أثناء تحليل مباراة لكرة القدم تتباين فيها الآراء، وكل يدلي بدلوه؛ فلا يلبث البعض إلا وقد أرسل جامَّ غضبه على صديقه بكلمات قاسية، وربما تكون نابية قد تكدر النفس، وتحدث فيها الرواسب ما يمكن تلافيه بشيء من الحكمة والأناة والرويّة واحترام الآخر والإنصات له.

أقول ذلك وأنا أسمع الجدل المحتدم في ميدان الكرة يعلو صوته فوق الجدل الثقافي أو النواحي الاجتماعية والاقتصادية، وهو جدل في ذاته غير مذموم، لكن المذموم هو ذلك التشدد والغيظ والغضب والتنازع غير المبرر لموقف من رأي كروي لا يستحق مثل هذا الجدل، ولعل القنوات التلفزيونية قد ساعدت في هذا الشطط بكثرة ما تطرحه من برامج مثيرة تجعل النقاش القائم بين المتحاورين في التلفاز ينتقل إلى مجالس الأصدقاء والأحباب.

أترك موضوع كرة القدم لأنقل للقارئ الكريم قصتين عن الغضب؛ فقد كان أبو عبدالله بن عياش وابن القالمي كاتبين عند الحاجب المنصور، وكان ابن عياش بارع الخط، بينما كان ابن القالمي ركيكه، غير أنه يفضل ابن عياش في البلاغة، وقد عرض الكاتبان على المنصور خطابين وهو في بعض غزواته؛ فعندما رأى الحاجب المنصور الخطابين، قال: أي خطاب بليغ - يقصد خطاب ابن القالمي - لو كان بهذا الخط، مشيراً إلى خطاب ابن عياش؛ فرضي ابن القالمي، وسخط ابن عياش، وانتزع الخطاب من الحاجب المنصور الأندلسي وطرحه في النار وانصرف.

قال: فتغيّر وجه المنصور، وبدا عليه الغضب، فبادر أحد الحاضرين، فقال: يا أمير المؤمنين، طعنتم له في الوسيلة التي عرفته ببابكم؛ فعظمت غيرته لمعرفته بقدر السبب الموصل إليكم؛ فسرّي عن المنصور وأبدى الارتياح، وقال لأحد خدامه: اذهب إلى فلان؛ فاختر أجمل النساء الأبكار، وآتِ ابن عياش، فقل له: هذه تطفئ من خلقك، وسرعة غضبك، وقد حدث بذلك ابن عياش ثم التفت إلى ولده، وقال له: إنها أمك، ويحسن بي ألا أعلق على ما فعله الحاجب المنصور في ما فعل من إرساله الحسناء؛ حتى لا أبوء بغضب النساء.

وقصة ثانية كانت عند قدوم أبي علي البغدادي إلى الخليفة الحكم المنتصر الأندلسي، فقد أرسل له من يستقبله ويسايره في رحلته عندما وصل إلى شرق الأندلس؛ فكانوا يتذاكرون الأدب أثناء الرحلة، وتطرقوا إلى أدب عبدالملك بن مروان، ومساءلة جلسائه له عن أفضل المناديل، وإنشاده قول عبيدة ابن الطيب:

ثمَّت قمنا إلى جُرَّد مسوّدة

أعرافهنَّ لأيدينا مناديل

لكن أبا علي قال: أعرافها بدلاً من أعرافهن، فلوى أحد المسايرين له، وهو ابن عرافة، عنان فرسه منصرفاً، قال: مع هذا أوفد إلى أمير المؤمنين، وأتجشم الرحلة العظيمة، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور في الناس لا يغلط فيه الصبيان؟ والله لا أتبعه خطوةً، وانصرف عن الجماعة.

فحاول أصحابه ثنيه عن نيته؛ فلم يقبل؛ فأرسل رئيس الوفد إلى الخليفة يخبره الخبر؛ فأجابه الخليفة: الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا مَن يخطِّئ أهل العراق، وابن رفاعة أولى بالرضى من السخط، فدعه وشأنه، وأقدم بأبي علي البغدادي مكرماً غير منتقص، فسوف يعليه الاختيار أو يحطه.

هكذا كان غضب ابن رفاعة وجواب الخليفة، ولذا فأعود لأقول إن الغضب يورد بالمرء في الغالب إلى الخطأ في حق النفس والغير. وأذكر أن أحدهم سُئل عن حلمه وعدم غضبه، فقالوا له: لماذا أنت حليم؟ قال: حتى لا ألجأ إلى ذل الاعتذار.

أرجو أن نمتثل لما أمرنا به ديننا، ونقتدي بما قاله وفعله رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -.. وفق الله الجميع لما فيه صلاح الأنفس وحسن السريرة.

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد