Al Jazirah NewsPaper Friday  14/05/2010 G Issue 13742
الجمعة 30 جمادى الأول 1431   العدد  13742
 
المسكوت عنه
مع فتاوى الشيخ ابن منيع
د. حمزة بن محمد السالم

 

في مقال له في جريدة الرياض بعنوان «فتاوى» يوم الثلاثاء 13 جمادى الأولى، سخر الشيخ ابن منيع وضرب الأمثال وأنشد الأشعار في جهل وحماقة أي مخالف له في القول بربوية الفلوس المعاصرة. وأنا ممن أخالف الشيخ في القول بربوية الفلوس المعاصرة، لذا فسأناقش الشيخ في مقاله هذا، ولن استشهد هنا إلا بأقوال الشيخ ابن منيع نفسه.

قال الشيخ ابن منيع في مقاله «فهذا الذي ينفي عن الأوراق النقدية ثمنيتها يُطالَب، إن كان له عقل ونظر علمي، بأن يذكر الأثمان التي هي معايير التقويم ووسائل إبراء الذمم ومستودعات الثروات ومحل جريان الربا بنوعيه - ربا الفضل وربا النسبة». والشيخ قد قرر هنا بأن من يخالفه في القول في ربوية الفلوس المعاصرة يلزمه بأن ينفي الثمنية عنها ويطالبه بأن يذكر الأثمان الموجودة الآن. واعتقاد الشيخ هذا غير صحيح لأن من يخالف الشيخ يقول بثمنية الفلوس الحالية ولكن لا يلتزم بجريان الربا فيها، فليس كل ثمن يجري فيه الربا، والأدلة على ذلك كثيرة منها ما نقله الشيخ ابن منيع عن جماهير علماء المسلمين في كتابه بحوث في الاقتصاد الإسلامي ص 269 ما نصه «وذهب بعض العلماء إلى أن علة الربا في الذهب والفضة غلبة الثمنية، وهذا الرأي هو المشهور عن الإمامين مالك والشافعي، فالعلة عندهما في الذهب والفضة قاصرة عليهما، والقول بالغلبة احتراز عن الفلوس إذا راجت رواج النقدين فالثمنية عندهما طارئة عليهما فلا ربا فيها».

والصحيح أن الشيخ هو الذي ينفي الثمنية على الفلوس المعاصرة وليس مخالفه. فالشيخ هو من قال في كتابه السابق ما نصه «حينما يُتخذ النقدان سلعاً تباع وتشرى فيطرأ عليهما ما يطرأ على السلع من ارتفاع في القيمة أو انخفاض تبعاً لطبيعة العرض والطلب والعدم والوجود، حيث تفسد بذلك ثمنيتهما على العباد». فالشيخ ينص على أن الشيء إذا أصبح يُباع ويشرى فقد ثمنيته، وسوق العملات الآن أكبر سوق في العالم ويخضع للعرض والطلب وتباع وتشرى فيه أربعة ترليونات دولار يومياً. إذن فبنص الشيخ ابن منيع فإن فلوسنا المعاصرة قد فسدت ثمنيتها على العباد، إذن فهي ليست ثمناً بل سلع على رأي الشيخ.

ومن شواهدي من السنة على أن ليس كل ثمن يجري فيه الربا بأن الإبل أثمان تدفع بها المهور وما تزال معايير التقويم للديات عندنا، وكذلك عندما فُرض لأبي بكر نصف شاة يومياً لقاء تفرغه للخلافة، ولم يجر الربا في الإبل والغنم قط ومع ذلك يجري فيهما الزكاة. إذن فلا صحة لمعنى قول الشيخ في مقاله بأن ما لا يجري فيه الربا لا زكاة فيه. وأما قوله بأن الفلوس المعاصرة هي الجزء الأكبر من الوعاء الزكوي، فهذا صحيح بالنسبة للضعفاء ذوي الدخل المحدود، وليست للأغنياء الذين اتخذوا رأي الشيخ حجة فمنعوا الزكاة في غالب أموالهم والتي لا تكون فلوساً عادة..

وأما قول الشيخ في سياق حجته في مقاله «إن قال الذهب والفضة فأين هذان الثمنان الآن في دنيا الواقع»، فأقول هو دليل على الشيخ في بطلان إطلاق علة الثمنية التي تبناها، فبما أن النقدين (الذهب والفضة) لم يعودا نقدين ولا ثمنين فلا يجري فيهما الربا على تخريج الشيخ في إطلاق علة الثمنية.

والشيخ آنفاً يجعل وجوب وجود الربا وانتشاره في البلاد ضرورة علمية وحجة عقلية لا راد لها، وهذه هي أصل المشكلة في هذه المسألة، وهو تقرير نتيجة وجوب وجود الربا سلفاً، ثم جعل أي طريق لا يوصل لهذه النتيجة فهو طريق من لا عقل له. وأين العقل في تحريم ما لم يحرم شرعاً ثم الاحتيال عليه.

وكذلك وصف الشيخ آنفاً للأثمان بأنها «مستودعات الثروات» هو دليل عليه لأن الفلوس بعد 1973م ليست مستودعاً للثروة بإجماع أهل الخبرة.

وفي ختام المقال يعزو الشيخ تجاهله لهذا المخالف له بأنه أبلغ إجابة له، وأقول للشيخ إن هذا فيه نظر. أفرأيت لو قال شخص بزواج المتعة أو بجواز الجماع برابط الصداقة لا الزواج أو أكان يُسكت عن «المسكوت عنه»؟ أو ليس الربا أعظم من الزنا؟ فلم تتجاهل من يخالف في جريانه في الفلوس المعاصرة؟



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد