بريدة - مكتب (الجزيرة)
كان لـ(الجزيرة) قدم السبق في إجراء لقاء خاص عن حياة أحد الرجال الأفذاذ والنجباء الأخيار بسيرته العطرة والمليئة بالخير والبر والصلاح، إنه الشيخ الفاضل الورع عبدالكريم بن عبدالرحمن بن عبدالله الفدَّا - رحمه الله - حيث سلَّط الضوء على حياته ابنه الأستاذ خالد بن عبدالكريم الفدا، رجل الأعمال وأبان لـ(الجزيرة) الكثير من مآثره الجميلة التي سيطلع عليها القارئ الكريم في الأسطر الآتية:
سيرته
هو الشيخ عبدالكريم ابن الشيخ عبدالرحمن ابن الشيخ عبدالله الفدَّا، من مواليد مدينة بريدة سنة 1337هـ، توفي والده الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الفدَّا وهو صغير يبلغ من العمر 6 سنوات، أتقن قراءة القرآن الكريم، وأجاد تلاوته وحفظه كاملاً وهو في الخامسة من عمره على يد والده الشيخ عبدالرحمن الفدَّا قبل وفاته؛ فتربى يتيماً في حجر أمه (حصة الباحوث) وكنف أخيه (محمد) الذي يكبره بعشر سنوات، ومتابعة أصدقاء والده من المشايخ والعلماء حتى شبَّ على ما كانت عليه أسرته من الصلاح والتقوى والزهد.. أخذ العلم على يد عدد من كبار العلماء كالشيخ عبدالله بن حميد والشيخ عمر بن سليم قاضي بريدة آنذاك والشيخ عبدالله بن سليم.. وغيرهم.
وقد نشأ على معتقد سليم تلقاه عن الآباء والأجداد والمشايخ والعلماء المخلصين؛ فتعلم عقيدة أهل السنة والجماعة والسلف الصالح، وقرأ وحفظ الكثير من كتب الحديث ابتداء بصحيح مسلم وصحيح البخاري وما تيسر من كتب العقيدة والتوحيد والفقه التي تلقى شرحها من مشايخه الذين تعلم منهم العلوم الشرعية. وتعلم اللغة العربية والنحو والصرف، وتعلم الحساب على يد عدد من العلماء، وقرأ كتب الأدب والتاريخ، وتميز في علم المواريث - رحمه الله -.
ومن الكتب التي تعلمها (الروض المربع لابن حجر الحنبلي، كتاب العقيدة الطحوية، كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب، آداب المشي إلى الصلاة، الأجُرُمية في اللغة العربية، كتاب أعلام النبلاء في السيرة، كتاب التدمرية في العقيدة، الأربعون النووية في الحديث، حادي الأنام، زاد المعاد في هدي خير العباد، العمدة، زاد المستنقع في الفقه، بلوغ المرام، تفسير الحافظ ابن كثير.. وغيرها الكثير).
انتقل الشيخ عبدالكريم الفدا إلى العراق وهو في العاشرة من عمره، وأقام في الزبير عند العم عبدالله الفدَّا الملقب (بالحجي)، وتعلم في المدارس النظامية، وحصل على الشهادة الابتدائية من هناك، وكان يعمل في التجارة عند الحجي ابن فدَّا، وهو أحد أثرياء الزبير المعروفين في وقته، كما عمل في تحصيل الديون والشراء والبيع وبرع فيها؛ ما دعا الحجي ابن فدَّا إلى التمسك به. وبعد مرور سنوات ليست بطويلة قرر العودة إلى مسقط رأسه (مدينة بريدة).
بعد ذلك انتقل إلى مكة المكرمة لإكمال طلب العلم، ثم انتقل إلى جده عن طريق أحد المقربين من الملك عبدالعزيز آل سعود؛ حيث كُلِّف بتعليم بنات الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود القرآن الكريم؛ وذلك لصغر سنه وغزارة علمه.
وكانت تجمعه علاقة طيبة مع الأمير عبدالله الفيصل في ذلك الوقت؛ حيث بدأت هذه العلاقة منذ بداية تعليمه لأخواته؛ فكان - رحمه الله - عندما يذهب إليهم يقضي بعضاً من وقته في اللعب مع الأمير عبدالله الفيصل لتقاربهما في السن، وبعدها رجع مرة أخرى إلى مدينة بريدة ليقيم فيها ويكون قريبا من والدته بعد أن اكتسب العلم الشرعي والعلم الدنيوي والخبرة والتجربة.
الاهتمام بالعلم الشرعي
كان - رحمه الله - على جانب عظيم من العلم بشريعة الله سبحانه وتعالى، قضى حياته كلها في سبيل العلم وتحصيله ومن ثم تعليمه ونشره بين الناس، يتمسك بصحة الدليل وصواب التعليل، كما كان حريصاً أشد الحرص على التقيد بما كان عليه السلف الصالح في الاعتقاد علماً وعملاً ودعوة وسلوكاً.
تعين بعد انتقاله إلى بريدة إماماً لمسجد الفدَّا بمدينة بريدة خلفاً لأخيه محمد، واستمر إماماً إلى أن أصبح عاجزاً عن الاستمرار والمواصلة بسبب المرض الذي ألمَّ به قبل وفاته - رحمه الله -.
وهو بذلك يُعتبر أقدم إمام بالعالم؛ حيث استمر لمدة 75 عامًا في ذلك المسجد الذي أمَّه جده الشيخ العلامة عبدالله الفدَّا الذي عُرف عنه الزهد والورع وسعة العلم، ثم خلفه ابنه الشيخ عبدالرحمن الفدَّا الذي عُرف عنه العلم والشجاعة وقربه من الملك عبدالعزيز، ثم خلفهما الشيخ العجلان بتكليف من الشيخ عمر بن سليم إلى أن كبر أخوه محمد وتولى الإمامة رسمياً.
وقد كان - رحمه الله - يُدِّرس خمس حلقات في اليوم لمختلف العلوم الشرعية بعد كل صلاة، وتوقف عن تدريس الحلقات منذ بداية التحاقه في مجال التعليم الرسمي بالمملكة العربية السعودية بالمدارس النظامية. مع استمراره بتدريس من يقصده ويطلب العلم عنده إلى آخر حياته - رحمه الله -.
وكان الفقيد - رحمه الله تعالى - قدوة صالحة ونموذجاً حياً؛ فلم يكن علمه مجرد دروس تُلقى على أسماع الطلبة، وإنما كان مثالاً يحتذى في علمه وتواضعه وحلمه وزهده ونُبْل أخلاقه، وتميز بالحلم والصبر والجدية في طلب العلم وتعليمه، بعيداً عن التكلف، وكان بشوش الوجه اجتماعيا، يخالط الناس ويؤثر فيهم ويدخل السرور إلى قلوبهم.
الشيخ الفدا معلماً في المدارس النظامية
وظل على ذلك إلى أن بدأ التعليم الرسمي في المملكة العربية السعودية؛ حيث تم اختياره ليكون معلماً في المدارس النظامية، ووافق على ذلك؛ حيث تولى التدريس في مدرسة المنصورية حال افتتاحها سنة 1368هـ، وتميز بقدرة مشهودة على إيصال المعلومة إلى الطلاب. ثم انتقل مديراً لمدرسة أبي بكر الصديق الابتدائية عند افتتاحها سنة 1374 هـ، وتميز في العمل الإداري؛ حيث كانت تجمعه علاقة قوية بجميع المدرسين والإداريين والموظفين كافة، وكان يمازح الجميع، بشوش الوجه معهم، رطب اللسان، حسن المظهر والمخبر. وكان - رحمه الله - يفرق بين ساعات الجد وساعات الراحة في العمل؛ حيث كان حازماً عندما تقتضي الضرورة، وهيّناً ليّناً مازحاً في ساعات الراحة.
تعين مستشاراً شرعياً لدى الأمير عبدالله بن فيصل الفرحان رئيس الحرس الوطني، وذلك عام 1378هـ بتوصية من الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - بعد أن أدوا الصلاة في مسجد الفدا ببريدة، ولكنه لم يستمر إلا بضعة أشهر بسبب طلب أهل بريدة حتى وصل الحال بأحد كبار السن إلى البكاء قائلاً «لا تضيعنا يا ابن فدَّا ولا تضيع وصية أهلك اللي بقبورهم». بعد ذلك استأذن الأمير فإذن له وأكرمه ثم عاد بأسرته إلى بريدة ومكث فيها وعاد للتعليم.
كما كان يقيم وينظم رحلات برية في بعض الأيام بعد انتهاء وقت العمل لجميع منسوبي المدرسة للترفية عنهم، وكان متواضعًا جداً مع الجميع؛ حيث كان يمازحهم ويشاركهم اللعب وينصحهم ويرشدهم ويعظهم ويساعدهم ويشاركهم في إعداد الطعام والشراب. ولم يُذكر أنه قد حدث خلاف بينه وبين منسوبي المدرسة طيلة عمله؛ فقد كان متسامحاً محبوباً من الجميع وأبا حانياً وأخاً ناصحاً وصديقاً مخلصاً وعالماً يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
مكث في التعليم أكثر من ثلاثين عاماً حتى طلب التقاعد، وكانت إدارة مدرسة أبي بكر الصديق الابتدائية هي آخر عمل له، وخلال هذه الفترة كان يحظى بثقة كبيرة من كبار المسؤولين بالتعليم؛ حيث كان له وضع خاص وحرية تامة في طريقة إدارته وحرية التصرف بالمدرسة.
إنصاف المعلمين والدفاع عنهم
كان له العديد من المواقف المهمة في مجال التعليم؛ فعلى سبيل المثال عندما أُقر نظام من مجلس الوزراء في عهد الملك فيصل - رحمه الله - بإيقاف من لا يحمل شهادة عليا من المدرسين القدماء على مرتبته وعدم ترقيته، رفع خطابا لوزير المعارف عبدالمحسن آل الشيخ في ذلك الوقت وأوضح له أن هؤلاء المدرسين الذين أُمر بإيقافهم هم من درسوا أولئك الذين حصلوا على الشهادات العليا؛ فلولا الله - عز وجل - ثم جهود هؤلاء المدرسين الأوائل لما قام التعليم بالمملكة العربية السعودية أساساً. وأكمل في خطابه لوزير المعارف بأن هؤلاء المدرسين ليس لهم ذنب؛ حيث لم تكن توجد جامعات في زمنهم، كما طلب من الوزير في خطابه إقامة اختبار بينه وبين أي خريج جامعي ليبين للوزير ويثبت للجميع أنه لو وجدت الجامعات في زمنهم ودرسوا فيها لكانوا جديرين بالحصول على أعلى الشهادات، وجاء ذلك من باب ثقته بالله - عز وجل - ثم بالعلم الواسع الذي تعلمه، كما أوضح أنه ليس من الوفاء مكافأة هؤلاء المدرسين الذين هم أساس التعليم بالمملكة بمثل هذا القرار. ومع إصرار الشيخ - رحمه الله - على الوزير وتنقله بين مقر عمله في مدينة بريدة والوزارة في الرياض لمتابعة الموضوع تكلل مسعاه بالنجاح بعد أن عُرض تقرير يشمل خطابه - رحمه الله - ورؤية الوزارة التي تتفق معه على مجلس الوزراء برئاسة الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - الذي قام بإلغاء القرار السابق. وكانت سابقة لم يحدث قبلها أو بعدها أن أُلغي قرار وزاري؛ فكان - رحمه الله - لا يخشى في الله لومة لائم، يصدع بالحق، لا يبتغي سوى مرضاة الله، كما أنه سعى لتعليم كبار السن عن طريق صفوف محو الأمية المسائية التي كانت تكتفي بتعليم مبادئ الكتابة والقراءة.
تعليم كبار السن
توجه الشيخ عبدالكريم الفدا - رحمه الله - بالفكرة إلى مدير التعليم بمنطقة القصيم طالباً منه السماح بإقامة برنامج متابعة لمن يتجاوز صفوف محو الأمية لكي يتعلموا باقي العلوم مثل: الرياضيات، والعلوم الاجتماعية، وغيرهما من العلوم؛ ليحصلوا عند إتمام برنامج المتابعة على الشهادة الابتدائية؛ فرفض مدير التعليم بمنطقة القصيم بسبب عدم وجود مخصصات مالية لذلك؛ لأن البرنامج ليس مقرراً ومعتمداً من قِبل وزارة المعارف؛ فرد عليه الوالد - رحمه الله - أنه يريد فقط الموافقة منه شخصياً على اعتماد نتيجة البرنامج ومنحهم شهادة الابتدائية في حالة نجاحهم، على أن يتكفل - رحمه الله - هو بالبرنامج؛ فوافق مدير التعليم على ذلك.
وإثرها قام الشيخ بالتواصل مع بعض طلبة العلم لكي يتبرعوا بوقتهم وجهدهم وعلمهم لتعليم هؤلاء الطلاب في الفترة المسائية مجاناً دون مقابل مالي لوجه الله سبحانه وتعالى ثم لنشر العلم إيمانا منه بقوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، وحرصه على أن تعم الفائدة الجميع. كما بحث عمن يتبرع ب(السرج) لتوفير الإضاءة أثناء تدريس الطلاب في الفترة المسائية بمجهودات فردية من هؤلاء المخلصين. وبقيادة وتنظيم الشيخ - رحمه الله - وفقهم الله وأتمَّ له ما أراد، وتخرجت أول دفعة وحصلت على الشهادة الابتدائية.
ومن بعدها اعتمدت الوزارة هذا النظام على مستوى المملكة العربية السعودية، وكان الأول من نوعه في العالم، وانتقل بعدها هذا النظام إلى مختلف دول العالم.
نسأل الله أن يتقبل هذا الجهد منه، وأن يجزل له الأجر.
حرصه على العلم والتعليم
كان حريصا على العلم والتعليم والدروس العلمية، كثير القراءة في كتب أهل العلم، ولاسيما كتب السلف الصالح وأهل السنة والجماعة. كان يحذر من الكتب التي تخالف النص الصريح ومنهج أهل السنة والجماعة، كما أنه لا يرتاح في مجلسه إلا إذا قُرئ عليه شيء من كتب العلم فيَشْرح ويُنَاقِش ويُوَضِّح.. كما كان حريصاً على تطبيق السُّنة في جميع أموره، ومن ورعه أنه كان كثير التثبت فيما يفتي، ولا يتسرع في الفتوى قبل أن يظهر له الدليل.
صفاته - رحمه الله -
تحلى بأخلاق العلماء الفاضلة، التي من أبرزها الورع ورحابة الصدر والصبر والحكمة وقول الحق والعمل لمصلحة المسلمين والنصح لخاصتهم وعامتهم.. ملتزماً بعقيدة السلف الصالح، محباً لها، يدعو إليها كثيراً، مؤيداً لأهل الحق؛ فهو يحب الخير ويبذل النصيحة للصغير والكبير. عُرف عنه الإحسان إلى المساكين والفقراء والمحتاجين والضعفاء؛ فكان كريماً في خلقه، كريماً في عفوه وصفحه، كريماً في علمه ووقته، والذي يكون بيد الشيخ ليس له، ولو سئل أي شيء لأعطى كل ذلك بنفس راضية؛ فهو يتلذذ بالعطاء أكثر من تلذذه بالأخذ. كما كان رحيماً عطوفاً حنوناً على الأطفال، يسلم عليهم ويمازحهم ويُهْدِيهم وينصحهم. والحديث عن كرمه يبدأ ولا يكاد ينتهي.
كان حريصاً على أداء الصلوات في وقتها، ولم يترك أي فريضة جماعة مع المسلمين إلا في السفر أو المرض أو العذر، كما كان كثير القراءة للقرآن الكريم وشديد التعلق به، ومداوما على صلاة آخر الليل؛ فيصلي من الليل ما شاء الله في جميع أيام السنة.
كان يكثر من ذكر الله، يكره الغيبة والنميمة ولا يسمح بهما في مجلسه، ولم يكن متصلب الرأي، كما كان يحب مجالس العلم والعلماء، ويحب قراءة كتب العلم والتزود بما فيها.
لا يعرف الحقدُ طريقاً إلى قلبه، بل قلبه مفعمٌ بالحب والرحمة والرغبة في إسداء الخير للآخرين؛ فالشيخ يصل من قطعه ويعطي من حرمه ويعفو عمن ظلمه ويحسن إلى من أساء إليه.. وهذا أمر يعرفه القاصي والداني.
لا يؤذي أحداً بكلمة، ولا يجرح مشاعر الآخرين، بل تراه ينبه المخطئ بألطف عبارة وأحسن إشارة، وينصح له ويأخذ بيده ويشير عليه، وتميز بالوفاء؛ فهو وفيّ مع الجميع، تراه يعطي كل ذي حق حقه، ومن وفائه تذكره الدائم لأقاربه وأصحابه وحبه لهم وعنايته بهم، ومن ذلك سؤاله المتكرر عنهم واتصاله بهم وزيارتهم.
كان يمازح الجميع، الصغار والكبار، ولم يكن متكبراً على أحد، ويداعب الكل حتى مَنْ يعمل عنده؛ حيث كان يخرج معهم في رحلاتهم ويشاركهم في الأكل والشرب ويسألهم عن أحوالهم وأحوال ذويهم، وهكذا حاله مع الناس. لم يكن ممن يسعون إلى جمع المال؛ بل كان ينفق إنفاق مَنْ لا يخشي الفقر على نفسه ومَنْ يعول، وكان يكثر من الصدقات والمساعدات للمحتاجين.
وقد كان مسالماً، لم يسبق له أن تنازع مع أحد أو دخل في خصومة طيلة حياته، إلا أنه قد أُقحم في خصومة مرتين: مرة في شبابه، ومرة أخرى قبل وفاته، وفي كلتا المرتين رفض الاستمرار في الخصومة محللاً ومسامحاً جميع من تعدى عليه. هذه بعض الجوانب من صفات الشيخ، والمقام لا يتسع لأكثر من ذلك. رحم الله الوالد، وأجزل له الأجر والمثوبة.
الدعوة إلى الله
اتبع الشيخ عبدالكريم الفدا - رحمه الله - أسلوباً متميزاً في الدعوة إلى الله والموعظة الحسنة وتقديمه مثالاً حياً لمنهج السلف الصالح فكراً وسلوكاً؛ فقد كان على جانب عظيم من العلم بشريعة الله سبحانه وتعالى متمسكاً بصحة الدليل وصواب التعليل، كما كان حريصاً أشد الحرص على التقيد بما كان عليه السلف الصالح في الاعتقاد عِلماً وعَملاً ودعوة وسلوكاً.
كان داعياً ناجحاً؛ يعتني بالدليل، ويصبر على الأذى، ويبذل وسعه في الدعوة إلى الله، ولا يَضْعُف من أذى أصابه أو من أجل كلمات يسمعها، بل يصبر ويبذل وسعه في الدعوة إلى الله مع العناية بالدليل والأسلوب الحسن؛ حتى تكون الدعوة على أساس متين يرضاه الله، ويَحْذر من التساهل حتى لا يقول على الله بغير علم؛ فلديه العناية الكاملة بالأدلة الشرعية، ويتحمل في سبيل ذلك المشقة.
قام بالعديد من الرحلات داخل وخارج المملكة سيراً على الأقدام وعلى الجِمال قبل ظهور السيارات، ثم بدأ يتنقل على السيارات، ثم بعد ذلك الطائرات، زار من خلالها عددا من الدول مثل: (العراق - الشام - لبنان - مصر - إيران - الهند - تركيا - بعض الدول الأوربية مثل: بريطانيا)، حيث كان يستفيد من السفر بزيادة الخبرة والمعرفة والتواصل والدعوة إلى الله في مختلف الدول آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.
تأثر به الكثير من غير المسلمين؛ فأسلم على يده عدد منهم. كان يتميز خلال سفره بالصدق والكرم والأخلاق الفاضلة والاعتزاز بدينه ولباسه الوطني (الثوب والشماغ)؛ حيث كان مكان إقامته مسجداً يقصده المقيمون والزائرون في تلك البلدان، يؤمُهُم ويَنصَحُهم ويَتَدارَسُ معهم القرآن والعلوم الشرعية ويَتَفقّدُ أحوالهم.
كما تميز بفكر منفتح على التطور مثل (البرقية، والمذياع، والسيارة)، وهي كانت من المستحدثات المجهولة والمرفوضة في أول الأمر، وقبلها من الناحية الشرعية، وطلب من الجميع الأخذ بها والاستفادة منها بأخذ النافع وترك الضار، فكان - رحمه الله - موحداً مؤمناً، امتلأ قلبه بخشية الله - عز وجل - وتعظيمه وإجلاله، محباً للخير والنصح والإرشاد في كل مكان.
علاقته بشهر رمضان المبارك
كان يفرح فرحاً شديداً ويبتهج عند سماعه بدخول شهر رمضان، وكان يستعد له استعدادا خاصا بالإكثار من العبادات والحرص على المعاملة الحسنة والكلمة الطيبة والإكثار من الصدقات وإخراج الزكاة ومساعدة المحتاجين وإطعام المساكين.
وكان يبتعد عن العباد وملذات الحياة ويتوجه بقلبه وعقله إلى الله - عز وجل -، كما كان يمتنع عن الاجتماعات والسفر في رمضان؛ حيث يقضي جل وقته في المسجد بين الصلاة وقراءة القرآن وأحياناً يختمه كاملاً في يوم واحد، ويُكثر التهجد والدعاء لله - جل شأنه -.
حبه لولاة الأمر
كان محباً لولاة الأمر، ويدعو لهم دائماً بالتوفيق والسداد وإخلاص النية، ويناصحهم إذا اجتمع بهم. كما كان يُقرِعُ ويَغضَبُ ويَزجُرُ من يتطاول عليهم بالقول، وكان منهجه في ذلك أنهم أقاموا الشرع وحققوا الأمن والرخاء فنفع بهم الله البلاد والعباد. ويرفض الخروج عليهم؛ حيث عاصر - رحمه الله - جميع الملوك ابتداء من المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - والملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - والملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - والملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - والملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - وحتى هذا العهد الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله -، فكان شاهدا على التطور والتحول من الفقر والقلة إلى الرخاء والكثرة بحمد الله.
موقفه من الفتن
مرت المملكة العربية السعودية بالعديد من الفتن منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله -، وكان الوالد الشيخ عبدالكريم بن عبدالرحمن الفدَّا - رحمه الله - شاهداً عليها، وكان دائم التصدي لتلك الأفكار، معللاً ذلك بأن الدولة أقامت شرع الله وأحلت العدل مكان الظلم، والأمن مكان الخوف، والوحدة مكان التفرق.. فلهم الشكر بعد شكر الله؛ فلا يجوز الخروج على ولاة الأمر.
ومن تلك الفتن فتنة جهيمان؛ حيث قدِم إليه بعض من ظاهرهم الصلاح لدعوته إلى مناصرة جهيمان في دعواه؛ فرفض ذلك وبيّن لهم خطأهم وخطر دعوتهم.
ومن الفتن أيضا دعوة جمال عبدالناصر وانجذاب الناس لها حيث قال إن ظاهرها حسن وباطنها سيئ، وأظهرت الأيام صدق قوله؛ فوقف ضد هذا الفكر رافضاً له ومبيناً لخطره وخطئه وداعياً إلى الالتفاف حول ولاة الأمر.
ومن تلك الفتن أيضاً دعوة قام بها من يظهرون الصلاح حيث قدموا إليه في المسجد واجتمعوا به على انفراد محاولين إقناعه بأن الحكم يجب أن يكون في آل البيت؛ فسألهم (هل هناك من يقيم شرع الله كما يقام هنا؟)؛ فلم يستطيعوا الجواب؛ فنصحهم ورد دعوتهم رافضاً أي توجُّه ضد ولاة الأمر.
ومن الفتن الحديثة دعوة المسعري وانجذاب بعض الشباب معه؛ فكان - رحمه الله - يناصحهم ويناقشهم بالدليل وخبرة الحياة ويغضب على كل من يدعو إلى الخروج على الدولة. كذلك رفضه لفكر التكفير وقتل النفس التي حرمها الله والاعتداء على الحرمات والخروج على ولاة الأمر.
علاقاته الاجتماعية
كان له العديد من العلاقات الاجتماعية من الطبقات كافة داخل المملكة وخارجها؛ فكان يحب التواصل مع الناس، ويلبي الدعوة، وكان حريصاً على توجيههم وتقديرهم، وكانت آخر المناسبات التي حضرها مجالس معايدة العقيلات ببريدة عام 1429 هـ في ثاني أيام مجالس أعقيل، بحضور العديد من أهل بريدة وغيرهم من الزائرين؛ حيث كان معاصراً لرجال العقيلات؛ فتحدث عنهم وأشار إلى رحلاتهم إلى الشام وفلسطين والعراق وتميزهم بإكرام الضيف، كما تحدث عن المعاملة الطيبة التي يتعاملون بها مع من قابلهم أو التقوا بهم خلال أسفارهم، إضافة إلى الوقت المفضل لهم في السفر في الشتاء الذي يكثر فيه الربيع في البر لتتزود الماشية من الربيع وما يحملونه معهم خلال أسفارهم مثل السمن والاقط والتمر، إضافة إلى المخاطر التي يلاقيها أهالي القصيم في سفرهم وشجاعتهم بالتصدي لها.
والمناسبة الثانية حضوره حفل توديع المدير العام لفرع الشؤون الإسلامية بالقصيم سابقاً الشيخ الدكتور علي العجلان برعاية سمو أمير منطقة القصيم، التي كانت قبل وفاته بشهور، وفي بادرة غير مستغربة كرَّم الشيخ الدكتور علي العجلان خلال حفل توديعه رغم كبر سنه وما يعانيه من ظروف صحية.
جاء ذلك إيماناً من الشيخ بأن المحتفى به أدى رسالته ومهمته على أكمل وجه، وقد تلقى الحفاوة والتكريم والتقدير من الجميع حتى أن صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم عندما أُخبر بوجود الشيخ في الحفل فرح لحضوره رغم أنه لم يخرج من المستشفى إلا قبل ساعات من الحفل، وتقديراً منه - حفظه الله - للشيخ طلب أن يذهب للسلام عليه إذا لم يكن بمقدورِه المجيء، ولكن الشيخ طلب الذهاب إلى مكان سموه والسلام عليه تقديراً له ولحبه الشديد لولاة الأمر.
علاقته بوالدته
تولت والدته - رحمها الله - وأخوه (محمد) تربيته بعد وفاة والده وهو في السادسة من عمره؛ فأحسنت وأجادت تربيته ورعايته؛ فكانت تحمل له من الحب والحنان الكثير، وكانت تخاف عليه من كدر وغدر الحياة، وكانت مشجعة وداعمة له في تلقيه للعلم وحثه على العمل. وقد عُرف عنه - رحمه الله - البر بوالدته؛ فكان شديد الحرص على إرضائها والإحسان إليها والعناية بها والتواضع لها ولين جانبه معها.. فلم يُعهد عنه أنه قد خالف أمرها أو أجبرها على ما تكره، وكان يسعى كثيراً ويعمل لتوفير المال رغم قلته في ذلك الوقت ليحقق لها متطلباتها وكي لا ينقصها شيء. فعندما كان رحمه الله في العشرينيات من عمره حج بوالدته واستمر على ذلك كل عام على الجِمال، ثم بعد ذلك على السيارات؛ فعندما يقترب وقت الحج يستأجر سيارة كاملة لا يركب بها أحد غير والدته وهو فقط، ويملأ صندوق السيارة بالتمر من بريدة ليبيعه في مكة المكرمة، وبعد انتهائه من أداء فريضة الحج وبيع جميع ما معه من التمر يملأ صندوق السيارة مرة أخرى عند العودة إلى بريدة بالأرزاق التي تتواجد في مكة المكرمة ويبيعها في بريدة.
وعُرف عنه الإحسان إلى أهل والدته، وكان حريصا على زيارتهم والتواصل معهم وحسن معاملتهم؛ فكان يحبهم ويبادلونه الحب كذلك. توفيت والدته رحمها الله وهي راضية عنه؛ فما زال بعد وفاتها مواصلاً البر بها ووالده (رحمهما الله)؛ حيث كان يخصص لهما تسبيحات في ورده اليومي صباحاً ومساءً، وكان بذلك مصداقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «..أو ولد صالح يدعو له». وما زال على ذلك إلى يوم وفاته، حتى أنه أوصى ابنه (فيصل) بأن يستمر على ما كان هو عليه؛ ففي صباح اليوم الذي توفي فيه حيث كان بفراشه أمر ابنه فيصل بأن يقترب منه أكثر فجلس بجواره فطلب منه أن يردد «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر» وقال هذه لوالدتي. ثم طلب منه مرة أخرى أن يردد نفس الذكر، وقال هذه لوالدي. تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.
حياته الشخصية - رحمه الله -
كان له من الزوجات أربع، وتوفي عن واحدة. عُرف عنه حسن العشرة مع زوجاته في الشدة قبل الرخاء، وفي القلة قبل الكثرة.
وبادلته زوجاته الوفاء وحسن العشرة؛ فلم يطلق أيا منهن. وله ثمانية عشر من الأبناء، ثلاثة عشر ولداً، وخمس بنات، توفيت واحدة من البنات وواحد من الأبناء في حياته. وله العديد من الأحفاد، رباهم ورعاهم وحثهم على العلم. كان حنوناً، عطوفاً، رحيماً بهم جميعاً، كبيرهم وصغيرهم. أنفق عليهم ولم يبخل عليهم بشيء تشتهيه أنفسهم. قدم لهم النصح وأدبهم, أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر. يفرح لتفوقهم في أي مجال، ويتألم لألمهم. كانت قمة سعادته أن يراهم مجتمعين على الحق متحابين فيما بينهم. لم يبخل عليهم بخبرته وتجاربه وعلمه، ويدعوهم إلى التمسك بقول الحق والابتعاد عن الظلم. يمنح أبناءه الحرية المطلقة في إبداء الرأي واتخاذ القرار الخاص بهم، ويناقشهم عند الحاجة، ولم يُعهَد عليه إجبارهم على شيء حتى وهم أطفال. وكان يخصص من وقته الكثير ليقضيه مع أهل بيته ويقوم بترفيههم بالرحلات ويمازحهم ويعلمهم ويتدارس القرآن الكريم معهم والكتب النافعة، وكان كثير الذكر لقصص الأنبياء والصحابة والقصص التاريخية والاجتماعية. أحب أحفاده كما أحب أبناءه، وله العديد من المواقف الطيبة معهم جميعاً، كما أحب أولاد أحفاده. وكان حسن المعاملة مع زوجات أبنائه؛ فكان يعاملهن كما يعامل بناته؛ فيقدم لهن النصح والإرشاد والتوجيه ويحثهن على حسن الخلق ويشجعهن ويمتدحهن؛ فقد كان لهن أباً حنوناً.
الرضا والاحتساب في مرضه
وأوضح خالد بن عبدالكريم الفدا في ختام حديثه أن والده أصابه المرض - رحمه الله - فتقبل قضاء الله بنفس صابرة راضية محتسبة، وقدم للناس نموذجاً حياً صالحاً يُقتَدَى به لتعامل المؤمن مع المرض المضني؛ فقد أصيب بأمراض القلب والرئتين وأمراض أخرى عانى منها الكثير، وأُدخل المستشفى مرات عدّة. نسأل الله تعالى أن يكون في هذا رفعة لمنزلته عند رب العالمين؛ فقد بدأت قواه الجسدية تضعف قبل خمس سنوات من وفاته، ولكن من أعظم نعم الله على الوالد أن حفظ الله عليه ذاكرته وعقله وقلبه حتى فارق الدنيا - رحمه الله -. وقد أنعم الله على ابنه (فيصل) بنعمة عظيمة؛ فقد سخره الله لوالديه فأحسن برهما عندما انتقلا إلى منزله للعيش فيه رغبة منهما قبل وفاة والده بسنتين؛ فأجاد رعايتهما والعناية بهما مسخراً ماله ووقته وجهده وولده في ذلك.. فلما اشتد المرض بوالده كان يحمله عندما لا يستطيع المشي ويناوله الأكل في فمه عندما لا يقدر الأكل بنفسه ويعتني به وبجميع أموره؛ فكان نعم الابن البار. وتوفي والده وهو في بيته بين يديه راضياً عنه.
وقد قال عنه والده «إن هذه الأيام التي أقضيها في بيت ولدي (فيصل) هي أجمل أيام عمري وأسعدها». وقبل وفاته أشهد على ذلك خطياً وشفهياً خلقاً كثيراً من العلماء المسؤولين ووجهاء المملكة؛ وذلك لفرحه الشديد ببر ولده.
وفاته وتشييع جثمانه
توفي - رحمه الله - مساء يوم الأحد 18-5 -1431هـ، وصلي عليه يوم الاثنين 19-5-1431هـ بعد صلاة العصر في جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، ثم ووري الثرى في مقبرة الموطأ بمدينة بريدة وسط حشود كبيرة من المصلين والمعزين. وصفها بعض كبار السن مِمن حضروا الصلاة والدفن بأنه لم يروا مثل هذا الجمع طيلة حياتهم.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجمعنا به في مستقر رحمته.