في حياة المجتمعات حقب من نور تظل لامعة وهاجة في أفئدة الشعوب وسجل التاريخ، ومن هذه الحقب في تاريخ البلاد المباركة التي حملت أمانة التوحيد ورسالة الدعوة إلى الله عز وجل حقبة الدولة السعودية بمراحلها الثلاث بدءاً من عهد الدولة السعودية الأولى بقيادة الإمام محمد بن سعود - رحمه الله - الذي آزر دعوته الشيخ محمد بن عبد الوهاب وسانده بصدق وإخلاص، حتى امتدت آثارها المباركة إلى أجزاء كبيرة من العالم، وتتابع حكامها في مناصرة دين الله خلفا عن سلف يطبقون شرع الله وينشرون دينه في الأرض فيعملون بالإسلام وللإسلام، كما يظهر ذلك جليا على يد الإمام المجاهد والقائد الفذ الملك عبد العزيز - رحمه الله - الذي سلك مسلك آبائه وأجداده فجمع الأمة على كلمة التوحيد وغرس مبادئ العقيدة السمحة، ثم سار أبناؤه البررة من بعده على النهج ذاته مواصلين مسيرة الدعوة والخير والبذل والعطاء والنصرة ووحدة الصف، وتوسعت علاقة المملكة مع دول العالم، واستطاعت أن تثبت مكانتها القيادية والريادية في العالم، وها هي الأيام تمر حتى آل الأمر إلى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله الذي جمع في شخصه الكريم، شخصية تاريخية، استجمعت كل خصال الخير والحكمة، والاعتدال والشجاعة، وكرس حياته كلها لخدمة وطنه ودينه وأمته، فأعطى من خير الله بلا حدود، لكل المسلمين، دولا وحكومات، وشعوبا وأقليات، وانتصر بالحق للحق، فكان عهده بحق - أطال عمره - عهد الخير والنماء والعطاء، وعمل على جمع كلمة المسلمين، وتحقيق معاني الأخوة وتوطيد الأواصر بينهم، والسعي إلى تحقيق السلام ورفاهية الإنسان في جميع أنحاء العالم، وذلك تحقيقا للصيغة الإسلامية الأسمى بتكريم الإنسان نفسه، ونحن نحتفل بالذكرى الخامسة لمبايعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، نجدد له البيعة، ونستحضر الإنجازات التي تمَّت في هذه الفترة القصيرة من عمر الزمن؛ إذ نجد كل إنجاز منها يعد قفزة كبرى إلى الأمام، فما تمَّ إنجازه في خمس سنوات، قد تنجزه دول أخرى في خمسين عاماً، وهذه ليست مبالغة، وإنَّما حقيقة نلمسها ونعيشها ونعايشها، ونسعد بها، ونحن حينما نتحدث عن انجازاته لا يسعنا المكان، ولا يسعفنا الزمان ففي مجال التعليم والبحث العلمي وإدراكاً منه حفظه الله لتطوير البحث العلمي والتعليم باعتبار أنه هو الطريق الوحيد الذي سيمكننا من التفاعل مع التطورات العلمية والتقنية التي يشهدها العالم، جعل ميزانية التعليم هذا العام ما يزيد عن 137 مليار ريال لقطاعات التعليم العام والعالي وتدريب القوى العاملة، وحرصه على النهضة العلمية والتقنية في المملكة أنشأ مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير التعليم العام، و توظيف التقنية لتحسين تحصيل الطلاب والطالبات من أولويات مشروع التطوير وأحد محاوره الرئيسة.
كما أنشأ برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي ليشمل البنين والبنات، ولأول مرة في تاريخ المملكة تخصص بعثات خارجية للبنات إدراكاً منه بأهمية دور المرأة في التنمية، كما أنشأ جامعة الملك عبد الله للعلوم التقنية لتكون جامعة دولية للأبحاث على مستوى الدراسات العليا تكرس جهودها لانطلاق عصر جديد من الإنجاز العلمي في المملكة ويعود أيضا بالنفع على المنطقة والعالم.
وانطلاقاً من مستجدات تطوير التعليم الجامعي وجه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في معرض حديثه عن التخصصات المتوفرة في جامعاتنا، بأن من متطلبات الجامعة: «أن تلبي احتياجات البلاد من الكفاءات والخبرات السعودية المؤهلة تأهيلاً علمياً حديثاً مع بناء هذا التأهيل على الأسس الراسخة للدين الإسلامي الذي ارتضاه الله لنا»، وانطلاقا من ذلك ومن أهداف إنشاء مجلس التعليم العالي والجامعات اهتمت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - بقيادة معالي مدير الجامعة الأستاذ الدكتور سليمان بن عبد الله أبالخيل - بتحسين الجوانب الإدارية والأكاديمية وتطويرها، حتى تحقق أهدافها بمستوى عال من الجودة والكفاءة لخدمة المجتمع السعودي، فقامت بإعداد مشروع خطة تطوير شاملة وتهدف هذه الخطة إلى تنمية كفاءة أعضاء هيئة التدريس، والقياديين، والإداريين والفنيين، وتطوير النظم الإدارية والأكاديمية، وتطوير أساليب العمل، وتحديث عملية الاتصال بين وحدات الجامعة، وتقويم أداء الجامعة على المستويين الأكاديمي والإداري، وتأتي هذه الجهود في إطار خطط الجامعة الخمسية التي تعبر عن واقع التنمية وحجم متطلباتها في المجتمع، كما تهدف الخطة الخمسية التاسعة لمواصلة الإنجازات وتحقيق الأهداف الرئيسة والمتمثلة في تطوير العملية التعليمية والارتقاء بمستواها ومحتواها كماً ونوعاً، وتوجيه سياسة القبول بما يتفق واحتياجات سوق العمل، ورفع كفاءة الأداء العلمي والإداري لوحدات الجامعة الأكاديمية والإدارية والفنية، وتفاعل أنشطة الجامعة مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتطوير مرحلة الدراسات العليا، وتطوير أنشطة ومرافق البحث العلمي، وتأمين احتياجات الجامعة من المباني والمرافق وصيانتها وتشغيلها، والتركيز على إعداد وتأهيل الخريجين والخريجات علمياً وتربوياً وسلوكياً بما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية السمحة ومتطلبات التنمية والتطور، وذلك عن طريق التقويم المستمر لمناهج التعليم وبرامجه، والتركيز على تحسين المستوى النوعي والكمي للتعليم في الجامعة، بإعادة النظر في سياسة القبول ونوعية ومخرجات التعليم، وإعطاء أولوية خاصة للبحث والدراسات العلمية، وتسخير الإمكانات والجهود لتنشيطها، بهدف ان تصبح الجامعة رائدة في مجال البحث، ولعمل والتنسيق بين الجامعة والجهات الأخرى، الحكومية والأهلية، لتقديم الخبرات والبحوث والدراسات والاستشارات العلمية، والحرص المستمر على رفع مستوى الخدمات المختلفة لكافة طلابها ومنسوبيها.
وزيادة التفاعل وتوثيق الارتباط بين الجامعة والمجتمع، إيماناً بدور الجامعة المهم في النهوض بالمجتمع العربي السعودي، وتقديم مختلف الخدمات والاحتياجات العلمية والثقافية والاجتماعية، وتحفيز القطاع الأهلي على تمويل أنشطة الجامعة المختلفة.
* عميد المركز الجامعي لخدمة المجتمع والتعليم المستمر