Al Jazirah NewsPaper Friday  11/06/2010 G Issue 13770
الجمعة 28 جمادىالآخرة 1431   العدد  13770
 

الدين: تربية وتطبيق
د. محمد بن سعد الشويعر

 

حديث عابر يتجاذبه السمّار في مجالسهم، ويكثر مثله على الألسن في مثل هذه الأيام، والحديث ذو شجون، كما يقول أجدادنا العرب في أمثالهم، وقد استرعى انتباهي فيه، ما تطرَّق إليه شخص لحادثة

مرت به فقال: كنت أسير بمركبتي الجديدة التي أنظر إليها بعين حانية، وأقودها برفق وخوف لأنها حصيلة العمر وعرق الجبين.

وفي أحد شوارع الرياض كانت إشارة المرور تحجز السيارات، فوقفت مع الواقفين، وإذا بشاب عليه مظاهر التديّن في ملبسه وشعر وجهه، يأتي مسرعاً ليصطدم بسيارة غالية الثمن كانت بيني وبينه، ومن ثم حصل من فعلته تلك تداخلات عديدة في ست سيارات آخرها سيارة أجرة، ألزم صاحبها الوقوف المفاجئ من هذا الشاب إلى الاصطدام بمؤخرة سيارته. وقد حصل من ذلك تلفيات في هذه السيارات جميعها بين مقلٍّ ومكثر.

لكن المتسبّب لهؤلاء جميعا هو هذا الشاب - سامحه الله - فقد انبرى بما أوتي من حجّة، لجعل سائق الأجرة هو المتسبب في كل ما حصل ليبرِّئ نفسه ويرمي خطأه على غيره.

قال المتحدث: فاشتد ذلك عليّ وعلى صاحب سيارة الأجرة البعيدة عن سيارة ذلك الشاب لأنّ رأيه في الحادث كرأيي بأن المتسبّب في الحادث هذا الشاب بسرعته لغير سبب، قال: وقد جئت إليه لأثير فيه ما يتلاءم مع مظهره، ولأرقّق قلبه، حتى يتراجع عن حماسته، في إصراره على تحميل صاحب الأجرة الضرر كله، لما فيه من إجحاف وظلم.

والظلم ظلمات يوم القيامة، وعاقبته وخيمة، وذكّرته بأن عليه مراقبة الله في هذه القضّية حتى لا يلقى الله بإزرها والتفت إلي قائلاً: ونحن اثنان نشهد بذلك.

فاشتد علينا هذا الشاب، وقال: الرأي ما يقرّره المرور، ثم ذكّرناه بأن عليه أن يتقي الله، في رمي ثقل هذه الخسائر على شخص ليس له في الحادث سبب، مع ضعف حاله، ولكن رأينا صاحبنا مع المرور وفي حديثه يلبّس عليهم الواقع لينفي التهمة والخطأ عن نفسه، متحمساً في رمي ثقل ما جناه، بسرعته وتهوره، على كاهل غيره، مهما كان السبب، معتبراً ذلك نشاطاً وقدرة على حسن التخليص، كما قال الشاعر:

وحملتني ذنب امرئٍ وتركته

كذي العُرِّ يُكوى غيره وهو راتع

عندها أخذتني الغيرة لله: فانتحيت به جانباً، وصاحب السيارة الأخرى، ونحن الأكثر ضرراً بين المجموعة، لنقول لهذا الشاب الذي ظننا بمظهره الخير: رغم أنك المخطئ على الجميع، فإننا سنتنازل عما أصبتنا به من أضرار، وسنبلغ رجل المرور بذلك لا من أجلك أنت، ولكن كراهية للظلم، الذي تريد أن ينوء بكاهله من ليس له ذنب فيما حدث.

ونذكرك بأمور منها: أن الظلم أمره عند الله عظيم، ومرتعه وخيم، فقد حرّمه الله على نفسه، وجعله بين عباده محرماً فلا يتظالمون، وليس الحق بالقدرة اللسانية، وسمَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليم اللسان، فإن من اقتطع شيئاً من حق أخيه وهو ليس له فإنما هو قطعة من نار، فليأخذها أو يدعها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبيّنا له أن الدين لم يكن بالمظهر أو الانتماء، ولكنه رقابة الله والخوف من عقابه وسلوك وعمل، وعليك أن تضع بين عينيك تنبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتخاصمين بين يديه: بتقوى الله وقول الحق، وأن جندي المرور يحكم بما يظهر أمامه، ولعل أحد الخصمين يكون ألحن بحجته من صاحبه، وليراقب الله فيما يأخذ، حتى يرتدع خشية من عقاب الله الذي لا يخفى عليه خافية.

فإنما يأخذه الإنسان بما هو ليس له، «فإنما هو قطعة من نار» وكما قال صلى الله عليه وسلم: (بأنه بشر مثلنا، فليأخذها أو يدعها أوليدعها)، كما جاء في الرواية الأخرى.

وهذا تخويف من رسول الله صلى الله عليه وسلم: وزجر للنفوس البشرية، وحتى لا تتطاول على الأقل قدرة أو حجة.

إنه درس عمليّ وعميق لمن يريد أن يجعل على نفسه رقابة ذاتية، تردعه عن التعدي وميزاناً يقيس به الأمور في كل موقف.

وما ذلك إلا أن الإسلام يحرص بتعاليمه على تربية النفوس، وتأصيل القيم لأن من تخويفاته لأصحاب العقول: أن لحماً نبت من السحت فالنار أولى به، كما أنه يحرّم الحسد والتباغض والتدابر، وأنْ يكونوا برحمة الله إخوانا.

وهذه الأمور تأتي من انفعالات النفس الباطنية فيجب كبح جماحها باستحضار الإيمان وحقيقته.

ويدخل في تلك الخصال الحميدة النجش وهو ضرب من الكذب، بالزيادة في السلعة وهو لا يريد شراءها، إضراراً بمن يريد الشراء وهو محتاج لهذه السلعة، وهذا في المعاملات التجارية، والاعتداء والظلم والبغي، وهذه الخصال تنطبق في الحالة التي نتحدث عنها، بحيث يبرز الاعتداء بالنفس قوة أو حجة أو غير هذا مما يفسد العمل، وتسيء النتيجة للآخرين، بما تتركه في القلب من جروح يصعب اندمالها، وتتسبب في دعوة مظلوم، لأنه ليس بينها وبين الله حجاب، وتعهد سبحانه بنصرتها ولو بعد حين.

ولذا كان الصفح والعفو من علامات الفهم العميق لهذا الدين، يقول سبحانه: ?وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ? (177) سورة البقرة، ويقول: ?وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ? (43) سورة الشورى، ويرغّب رسول الله صلى الله عليه سلم في ترويض النفوس بقوله: (من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه) فكيف وهو حق للآخرين، أخذ منهم استضعافاً لحالهم، وليس هذا في الحالة المذكورة ولكنها شاملة. وهذا المشهد الذي جرّ للحديث: أقول إنها نصيحة أخوية أوجهها لنفسي ولإخواني في الله في أي مكان، بالتواضع وعدم الاستعلاء على الآخرين، وطيب المعاشرة وحسن التواضع، وأن نجعل شعارنا: لا يراك الله إلا محسناً، فإن الله يحب المحسنين.

لأن من جاهد نفسه وتواضع لله في اللين والسماحة مع الآخرين، ومن تواضع لله رفعه وعوّضه سبحانه.

ومن التواضع عدم وصْم الآخرين بما ليس فيهم، انتصاراً للنفس، أو رغبة في الارتقاء على أكتافهم، وأن يكون التسامح وحسن الخلق، مسيّراً للعمل، وحاجزا للأثرة عن التغلغل في القلوب، فيصيبها بالكبر وحبّ الاستعلاء.

كما يجب إدراك أن كل كلمة يتحمس لها المرء، يجب أن يتفحصها ونتائجها، قبل الإقدام عليها، لأن للعواقب مهما صغرت آثاراً تلاحق الإنسان، كما يسميها بعض العلماء، اتقوا سهام الليل، ويريد بها دعوة المظلوم ولو في أمر بسيط، لأنها دعوة تسري في ظلام الليل أو عندما يصلي الإنسان ويدعو لأنه وقت إجابة.

لأن كل كلمة يتحمس لها المرء ولم يراعِ النتائج الواجبة مع الورع ومراقبة العاقبة حتى يتلاءم المقصود مع سريرة النفس وحقوق الآخرين، فلا يخالف القول العمل لأن الله سبحانه يبغض ذلك الأسلوب، الذي ألزم بالقول: استعلاء ذلك الشاب الذي اختلف مظهره عن مطامع نفسه يقول سبحانه: ?كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ? (3) سورة الصف، وعلينا ألا نتصيّد من عثرات الناس لنشمت بهم، أو نتعالى عليهم فيفضحنا الله في أسرارنا على رؤوس الأشهاد، أما من رأيناه مبتلى بمعصية أو بنزوة طائشة، فإن الدور الحقيقي يقتضي نصحه برفق وحكمة، مع السر وحفظ الكرامة والدعوة بأن يهديه الله.

وعدم ذكر الاسم لأنه لا غيبة لمجهول، وطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الأمثل بقوله: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا) والتشهير يتحول من نصيحة إلى فضيحة، ومن ازدرى بأخيه عافاه الله وابتلى المزدري، وما من إنسان إلا وفيه عيوب، تفوق ما لدى الآخرين، وأخطاؤه تعلو على أخطائهم كما قيل:

عليك نفسك فتّش عن معايبها

وخلّ عن عثرات الناس للناس

فالكلمة إذا صدرت من القلب كان لها مستقر في القلب، أما إذا كانت دعوة شخصية باستعلاء أو في محفل للتشهير ثم تكبر، فإنها تُحدث ردّ فعل معاكس، وكل فرد منا معاشر المسلمين في تعامله مع الآخرين، وفي دعوته إلى دين الله، وفي مراقبته لنفسه ووزنه أعمالها، في حاجة إلى أن يستظهر الكنوز التي يزخر بها دين الإسلام، وفي حاجة إلى أن تظهر سلوكياته نطقاً، وتعاملاً في أمور الحياة، وفقاً لرسالة الإسلام، الذي ينمّيه المعتقد الديني، ويؤصله النص الشرعي، حتى يكون داعياً لله في تمسكه، وداعياً لله في فهمه، وواقفاً عند حدود شرع الله الذي شرع لعباده، ولا يتجرأ من نفسه بل يسأل أهل العلم عمّا يشك فيه، وعمّا لم يعلمه كما أمر الله.

وبذا يكون أثره لله في تمسكه وداعياً لله في عمله، ونموذجاً لحقيقة المسلم في تصرفه، وناسياً ذاته، ونفسه الآمرة بالسوء في سبيل معتقده، ورفعة دينه، لأن أكثر ما انتشر به الإسلام، القدوة الصالحة في كل مكان، ونحن بالذات هنا، علينا دور كبير بالمثالية وحسن التعامل وترسُّم خطى رسول الله وصحابته، في القول والعمل.

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد