Al Jazirah NewsPaper Thursday  24/06/2010 G Issue 13783
الخميس 12 رجب 1431   العدد  13783
 

الرؤية الراشدة بعمق الإيمان هي الرائدة
د. عبدالمحسن بن عبدالله التويجري

 

قال أبو العلاء:

اثنانِ أَهلُ الأَرضِ ذو عَقلٍ بِلا

دينٍ وَآخَرُ دَيِّنٌ لا عَقلَ لَه

إن كان القصد الذي أراده أبو العلاء الإشارة إلى أن العقل والدين في تضاد فإنني أردت أن أفهم القصد بمعنى أهمية العقل للدين، وعظمة التقوى حين يكون العقل في رحابها ليفهم، وبهدى من فهمه تسير به الحركة نحو المزيد من التقوى؛ حيث العقل هنا نورٌ للتقوى كما لو أنه سُخّر لها فتبسط التقوى اليد لتعبر عن فعلٍ بنّاء حتى لو كان الرفض من العقل ظاهراً وملموساً حين يضطرب كيانه، وإن كان هذا من النادر حدوثه فغالباً أن كلاً من التقوى والعقل في حالة من تبادل دفع القوة لمزيد من الفاعلية لكل منهما؛ حيث إن الواحد منهما معينٌ له يهديه صواباً لا خطأ معه.

إن امتزاج الرؤية الراشدة بالتقوى المنبعثة من أصل الدين قمة في المنى، وهذا ما يأمله العبد في عبادته وسلوكه، فهو الذي ينشد الهداية بوحي من عقله، وحصانة من التقوى لديه.

وأعتقد أن أبا العلاء لم يكن قصده أن العقل ضد الدين أو العكس؛ حيث إن كلاً منهما كمالٌ للآخر وقوة له، وأظن أن ما قصده أبو العلاء - وكما أفهم - هو التأكيد على حتمية العقل للدين، فدينٌ بلا عقل قد يقود إلى المبالغة المقيتة، والحق سبحانه أكرم العقل ونبّه إلى أهميته فخاطبه وحثّه على إدراك ما أمكن من الحقيقة حيث ينطلق من العمق بالحس الديني نور بهديه لا شطط ولا زلل فيحلّ هذا النور في كيان المخلوق، وهو أمرٌ غير معتاد إلا بتوافر مثل هذه الحالة التي تلعب دوراً يحفّز الإرادة لدور تفعله له نتائج إيجابية على كامل السلوك الإنساني. لقد حث الحق سبحانه وتعالى على الشورى، وأظن أنها الحصيلة لجهد الحكماء وما يشيرون به.

فمن يسلط العقل ليفهم ويتأمل ويستنتج العبرة من قول الحق سبحانه (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ) (116) سورة الأنعام.

وإن كانت استشارة الغالبية وكما يفترض من إيجابيات لهذا، ومع ذلك فإن الآية تهدي الإنسان إلى سواء السبيل، فقول الحق فيه الفصل القاطع (وجوب مراجعة أسباب النزول، والصحيح من التفسير).

أظن أنَّ من مقاصد أبي العلاء التنبيه إلى حالة الفهم حتى لا يقع الإنسان في الخطأ الذي يقع فيه الكثير من الناس المتمثل في الفهم الخاطئ للدين فيفسرون هديه ورخصه والحلال فيه بالحرام المطلق، فالإسلام قضى على الخوارق والمعجزات، ودعا إلى بصيرة قوية ومقدرة في رؤية العقل لتأتي بأثر وتأثير فتصون المسيرة من كل مبالغة أو غلو وانحراف.

إن الإشارة في هذا تؤكد على لقاء العقل بالدين، وهي حاجة ماسة أرادها الله للإنسان، وفي ذلك هدى نحو طريق مستقيم بروح من الدين الحنيف وحاديه عمق التقوى. والله الموفق.

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد