Al Jazirah NewsPaper Sunday  27/06/2010 G Issue 13786
الأحد 15 رجب 1431   العدد  13786
الأراجيف الكاذبة
د. محمد بن عبدالله الشويعر

تنتشر في بعض المجتمعات أخطار كثيرة تُهدد أمنه واستقراره وتماسك وحدته، ومن أشد تلك الأخطار خطر الأراجيف الكاذبة التي يستخدمها المرجفون ويثيرونها في كل مكان وبسرعة هائلة ومخيفة.

و معنى الأراجيف: أرجف: رجف القوم: خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن، وفي قول الله تعالى (لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا)(60) سورة الأحزاب.

والإرجاف: الخبر الكاذب المثير للفتن والاضطراب.

وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من التسرع في تصديق تلك الأراجيف وذلك بقوله تعالى ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين? (6) سورة الحجرات.

واستخدمت الأراجيف الكاذبة زمن نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- حيث لم يسلم منها عليه الصلاة والسلام، حيث استغل المنافقون حادثة الإفك التي اتهمت بها أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، فجلس النبي قرابة الشهر ينتظر التوجيه الرباني من السماء، فكثرت الأراجيف في المدينة، وأرجف الناس فيما بينهم حتى كاد يكون بينهم شر، إلى أن نزلت براءة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- من السماء في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (11) سورة النور، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس وخطب فيهم، وذكر لهم ما أنزل الله من براءة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، و حمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم.

وهذا يُدلل على وجوب معاقبة أصحاب الأراجيف الكاذبة إذا ثبت عليهم ذلك، حتى يستقيموا في أخلاقهم، ولا يعودوا إلى تضليل الناس بالافتراءات الكاذبة، والأقاويل الباطلة.

وفي مجتمعنا المعاصر كثر ترويج الأراجيف الكاذبة والمغرضة، وكثر تداولها بين الناس، وخاصة بين ضعفاء النفوس الذين لا يحسبون للقيم الأخلاقية أي حساب، ولا تعنيهم مصلحة بلادهم وأمنه واستقراره.

ويستخدم هؤلاء المرجفيون إستراتيجيات متعددة في ترويج أقاويلهم الكاذبة، فيستخدمون مواقع الإنترنت، ورسائل البريد الإلكتروني، ورسائل الهاتف الجوال، وأكثر هذه الإستراتيجيات استخداماً هي مواقع الإنترنت التي أصبحت ملاذاً آمناً لهؤلاء المروجين لأكاذيبهم، حيث يطلقون الأكاذيب والإشاعات عبر تلك المواقع لتجد تلك الأكاذيب نفوساً ضعيفة تتلقفها وتزيد من نشرها بين أوساط المجتمع.

ويتنوع إرجاف هؤلاء المرجفين، حيث يحاولون في بعض الأحيان إسقاط وإضعاف بعض الشخصيات التي تعمل وتثابر في بناء المجتمع وذلك من خلال أراجيفهم، فيطلقون الإشاعات المغرضة والمحرضة، وذلك لتصفية حسابات شخصية لهم، وتكون هذه الأنفس بعيدة جداً عن الجانب الإنساني الإيجابي المحب لبلاده ومجتمعه، كما أنهم يطلقون إشاعات تشاؤمية على إحدى الشخصيات المهمة في المجتمع، إما بإعلان وفاته أو حدوث مكروه له، ومن ثم يتناقلون ذلك فيما بينهم لمحاولة تثبيته وتصديقه بينهم.

ويكون استخدام الأراجيف مباحاً إذا كان ذلك يهدف للصالح العام، وخاصة عند حدوث أي خطر لا قدر الله قد يهدد أمن البلاد، فبتالي يكون استخدام تلك الأراجيف مطلباً إستراتيجياً يغرر بالعدو ويفشل مخططاته، ومن ثم يصبح استخدامها مفيداً ونافعاً لمصلحة البلاد والعباد.

والرسول عليه الصلاة والسلام استخدم تلك الإستراتيجية أثناء غزوة الأحزاب والتي حدثت في السنة الخامسة للهجرة، وذلك عندما حاصره المشركون في المدينة ومن معهم من غطفان وبنو قريظة، وعندما اشتد البلاء على المسلمين، أتى نعيم بن مسعود الأشجعي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله إني قد أسلمتُ ولم يعلم قومي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (إنما أنت رجل واحد، فخذِّل عنا ما استطعت، فإن الحرب خُدعة)، فعزم نعيم بن مسعود على تنفيذ خطة لإفشال العدو وذلك بترويج أقاويل غير صحيحة بين الأعداء، وبالفعل فقد نجح الصحابي الجليل في الإرجاف بين الأعداء وتفرقة كلمتهم ووحدتهم حتى فشل المشركون في خطتهم، وتم رفع الحصار عن المدينة، وفرح المسلمون بهذا النصر المؤزر على المشركين، وانتهاء تلك الأزمة التي كادت تعصف بالمسلمين.

ولهذا فإن النجاح في استخدام الأراجيف وترويجها ضد الأعداء، يكون عاملاً إستراتيجياً مهماً في كسب أي معركة أو قضية.

أما الاستمرار في ترويج الأراجيف الكاذبة بين الناس إنما هو فعل يمقته الله ورسوله ويمقته المجتمع بأسره، لذا فواجب كل مواطن ومواطنه التحصن من تصديق الأراجيف الكاذبة التي ينشرها ثلة من ضعفاء النفوس، القصد منها إشاعة البلبلة والأخبار الكاذبة بين الناس، ويجب عدم مساعدة أصحاب تلك الأراجيف في ترويج أكاذيبهم وافتراءاتهم وتمريرها عبر وسائلهم، حتى يتمكن المجتمع من إضعاف دورهم ومن ثم القضاء عليهم.



 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد