Al Jazirah NewsPaper Wednesday  30/06/2010 G Issue 13789
الاربعاء 18 رجب 1431   العدد  13789
 
بإيعاز من الوالدين
الطمع يقذف بالأطفال إلى بوابة الهاوية

 

الدمام - هيا العبيد

كسب الرزق الحلال حق مشروع لكل أحد وهو من الوسائل المعينة لبناء البيوت وإعمار الأرض، بيد أن هذا الأمر أخذ ينحو منحى آخر في جعل الأطفال الصغار هم من يؤمنون المال لأهل البيت عبر بسطات جائلة من العصر حتى منتصف الليل، ويزداد الأمر خطورة عندما يكون بإيعاز من الوالدين غير مكترثين بعاقبة هذا العمل الذي خلفه الجشع واستغلال الطفولة من جانب وبحجة انقطاع العائل من جانب آخر.

يرى مختصون أن هذا الأمر من المهاوي التي تؤدي بالطفل إلى تكوينه مجرماً صغيراً حيث يبدأ من بيئة تتلقفه من حيث لا يعلم ليقع ضحية لرفقاء السوء وأهل الجريمة والانحراف بحجة باطلة وهي البحث عن الرزق في ظل صمت، بل وإيعاز من الأهل بسبب الحاجة والفقر والحصول على المال بأي وسيلة كانت.

قامت (الجزيرة) بزيارة لمتاجر الأطفال الجائلة واستطلعت آراء العديد من الجنسين.

كانت البداية في سوق الملك عبد العزيز بالدمام والمعروف بسوق «الحب» لتواجد الأطفال فيه وهم يتنافسون على مرتادي الأسواق من أجل تسويق بضاعتهم حيث التقينا بالطفل محمد البالغ من العمر ثلاثة عشر عاماً يقول: بدأت البيع منذ أربع سنوات عندما حصل والدي على التقاعد حيث كان يعمل في القطاع العسكري مما جعلني أقوم أنا وأخي الصغير بمساعدته والصرف على المنزل الذي يضم»16 شخصا» وذلك من خلال البضاعة التي يحضرها الوالد لنا لنبيعها وتشتمل على الساعات والعطورات الرجالية» وهو من الساعة الرابعة عصراً حتى الحادية عشرة مساء في أماكن متفرقة من السوق من أجل الحصول على لقمة سائغة لأبيه الذي أجبرهم على ذلك.

أما الطفلة سالمة التي تدرس بالصف السادس الابتدائي فقد شاهدت عليها اثر التعب والإرهاق وعندما اقتربت منها بالسؤال عن حالها رفضت الإجابة إلا بعدما أقوم بالشراء من بضاعتها فما كان مني الا أن أحقق لها ذلك حيث بدأت بالحديث معي والتي بررت موقفها بأن والدتها ترغمها على البيع والويل لها إذا رجعت للمنزل دون تصريف البضاعة التي معها وتقوم بالتجوال في أنحاء السوق على الرغم من أن والدتها معها بنفس السوق ولكنها في جهة أخرى وتعمل مثل سابقها من الرابعة عصرا إلى الحادية عشرة مساء وفي الإجازات حتى ساعات متأخرة من الليل، وعن سؤالي عن دراستها بدت غير متفائلة معللة ذلك بأنها لا تستطيع رفض رغبة أمها.

الطفل خالد الناصر أول متوسط برر موقفه بأنه يعمل منذ ست سنوات من قبل زوجة أبيه التى قامت بتوزيعهم هو وأخوه الذي يكبره سناً مشيراً إلى أن والده مريض بالسكر والضغط وليس لديه مصدر آخر للعمل فيقول: «بعدما انفصل والدي عن أمي أخذنا لديه للسكن عند زوجته الثانية، حيث أقوم ببيع العطور وبعض الأجهزة الكهربائية الصغيرة والأغراض التى تخص الرجال حيث أتواجد عند المساجد والشوارع العامة فيما يقوم أخي ببيع الماء والعصيرات على سائق السيارات أمام إشارات المرور وذلك من أجل الحصول على لقمة العيش وتنفيذ طلب زوجة أبي المتسلطة»!

وفي زاوية قصية من السوق التقينا بالطفلة نور ذات السنوات العشر وهي تصارع حرارة الشمس الحارقة طوال اليوم والتعب على وجهها من اثر الركض اليومي فهي أشبه حالاً بمن سبقها إلا أن لها أحلاماً وردية تشابه أطراف أناملها الناعمة بأن تكون مثل الأطفال الآخرين الذين يذهبون للأسواق والملاهي.

وللكشف عن مخاطر هذه الظاهرة وبيان مؤداها على المجتمع شدد الأخصائي التربوي دكتور إبراهيم بن عبدالله العبيد ضرورة أن تشن حملة توعوية من خلال الوسائل الإعلامية التي تقوم على تثقيف الأسر بخطورة انخراط الأطفال في هذه الأعمال في سن مبكرة وصغيرة من أعمارهم، كذلك تقديم بعض الرسائل والنشرات للأسر التي يشك بأنها تخرط أبناءها في التجارة منذ الصغر وضع برامج تدريبية وتثقيفية للأسر وكل من يتعامل مع الأطفال حول خصائص الطفل واحتياجاته ورغباته وميوله وخطورة العمل والاتجار بالأطفال في هذه السن وقال: «إن هناك جملة من الآثار السلبية الناجمة من ظاهرة تجارة الأطفال ومن أبرز تلك الآثار حرمان الطفل من التحصيل العلمي الجيد وهذا بحد ذاته يعد من أخطر الآثار حيث سيفقد المجتمع ابناً من أبنائه لم يحصل له التحصيل الدراسي الجيد والمناسب ومن ثم عدم قدرة هذا الطفل بالمستقبل على العمل ثم يصبح عالة على أسرته ومجتمعه» لافتاً إلى هذه الأعمال في بداية عمر الفتى من شأنها نشر ظاهرة اللا مبالاة وتفشي الجريمة وانغماس الطفل بمستنقع المخدرات والمسكرات بالإضافة لاكتسابه عادات وأخلاقيات سيئة نتيجة البيئة المحيطة بالطفل التي غالباً ما تكون بيئة غير سوية وغير محفزة على الأخلاق الحسنة.

ونوه العبيد إلى أن مسؤولية تجارة الأطفال مشتركة في هذه الظاهرة والجميع تقع عليه المسؤولية ولكن تتفاوت المسؤوليات تبعاً للقرب والبعد من الظاهرة ومن الطفل بشكل خاص، واستدرك قائلاً: «تقع المسؤولية بداية الأسرة، والمدرسة، واللجنة والوطنية السعودية للطفولة»، موضحاً أن الأخيرة لها أدوار ومهام تضطلع بها لتوعية الطفل وأسرته والمجتمع بخطورة هذه الظاهرة بالإضافة للدور المنتظر من هيئة حقوق الإنسان وجمعية حقوق الإنسان.

وناشد العبيد وزارتي التربية والتعليم والشؤون الاجتماعية بالوقوف على هذه الظاهرة وضمان حق الطفل في التعليم وحفظه من الضياع والتشرد والاستغلال.

اما الدكتور عبد العزيز الشهراني‎ مستشار نفسي واسري في مركز التنمية الأسرية بالدمام قال: «إن ظاهرة تجارة الأطفال أحدثت خللاً واضحاً في وعي الطفولة مطالباً بضرورة تدخل الجهات المعنية لإيقاف نزيف أبناء الوطن وتفعيل دور الجهات الرقابية للحد من هذه الظاهرة تحت حجة تأمين المال.

وأكد الشهراني أن ظاهرة التسول بين الأطفال ليست وليدة الزمن بل قديمة جداً، وآثارها مشاهدة على كل مناحي الحياة في المجتمع، أما الآن فالأثر أكثر سلبية بسبب التنوع في الوسائل والأفكار لدى من يقودون هؤلاء الأطفال وهذا يشعب القضية، مبيناً أن من أخطر الآثار السلبية الناتجة عن تلك الظاهرة تداخل القيم لدى الأطفال الأسوياء، فهل التسول يؤدي إلى كسب سريع وكثير؟!! وهل رفض مثل هذا السلوك يكفي لإذابته؟!! وكذلك من الآثار السلبية تطور الظاهرة إلى شكل آخر مثل المؤسسات التسولية التي يدعمها غالباً أثرياء يفتقدون للوطنية وقبل ذلك للحس الديني.

كما أكد على ضرورة تفعيل دور الأندية الشبابية الرياضية والثقافية على مستويات متعددة، والتركيز الواعي على صنع جدار حماية داخل كل طفل يعزز بالتحفيز والتخويف من الدخول في دهاليز هذه السلوكيات الخطيرة على الفرد والمجتمع.

المهندسة نجاة بوحليقة محللة برامج حاسب آلي وأخصائية جودة، وباحثة في مجال الكمبيوتر والتربية والأطفال والذكاء العاطفي أشارت إلى هذا السلوك وأنه يؤدي إلى تزييف وعي الطفل، وإحباطه النفسي، وتعطيل تواجده الذاتي وتقول «غالبية الأطفال مازالوا على مقاعد الدراسة التي تستوجب منهم المتابعة، وجلوسهم في الشارع لساعات طويلة يفقدهم الحافز الدراسي وعدم توفيقهم بين واجباتهم المدرسية ومتطلبات الأسرة التي ترغمهم على النزول للأسواق لفترات طويلة دون مراعاة لظروفهم الحياتية ومستقبلهم العلمي. فالمدرسة تلعب دوراً هاماً في تطوير احتياجاته الاجتماعية.

ولفتت إلى عدم إلقاء مسؤولية الأسرة الاقتصادية والاجتماعية على أطفالهم فهم ليسوا أهلاً لهذه المسؤولية ولا يستطيعون تحملها.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد