تناظرت مع عدد من المدافعين عن الفصحى ضد الشعر الشعبي، وأثرت نقاطاً جديدة تثار لأول مرة في الموضوع.. هل ترى أنهم على صواب في اعتقادهم بأنه يشكل خطراً على الفصحى وبالتالي يجب القضاء عليه ؟
- لا أظن أن الإخوة المنافحين عن الفصحى يحبونها ويتمنون لها الخير أكثر منا.. ولكنهم في طرحهم يصرون على الخطأ من خلال نقدهم للنتيجة وتجاهلهم السبب والمسبب. فالشعر العامي -كوسيلة تعبيرية- ظهر كنتيجة لسيادة الفكر العامي.. وهم بطرحهم هذا يطالبوننا بالفصل بين «لغة التفكير» و»لغة التعبير»، وهذا ممكن نظرياً، ولكنه مستحيل تطبيقياً.. حتى عليهم هم، لأنه، وإن تحقق، فإنه يفرغ الشعر من أهم عناصره وهو مبدأ الصدق في التعبير، الأمر الذي حدا ببعضنا إلى الاتجاه للكتابة بالعامية كخيار وليس كاضطرار، وأنا منهم.. فلدي القدرة على الكتابة بالفصحى، ولي بعض التجارب بها ولكني فضلت الكتابة بالعامية لأنها حتى الآن الأقرب إلى تفكيري والأصدق في التعبير عني. ودعني أستشهد فقط بما قاله علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر رحمه الله، أحد أبرز أدباء الجيل الأول، وأستاذ الأجيال اللاحقة، في هذا الخصوص: «الشعر الشعبي أقرب إلى الطبيعة وأصدق في التعبير وأرق في الإحساس من كثير من الشعر الفصيح لأن الفصيح تكثر فيه الصنعة ويبرز فيه التقليد في حين أن الشعر الشعبي يعبر عن سجية وطبيعة ما يجول في النفس من مشاعر ومعان سامية»،انتهى.. على أية حال أنا أظن أن الأحرى بهؤلاء الإخوة، بدلاً من إضاعة وقتهم -إن كانوا مخلصين-، أن يبحثوا عن السبب والمسبب لسيادة الفكر العامي، وقد أساعدهم في ذلك بالإشارة إلى أننا ومنذ بدأنا نتعلم اللغة العربية في مدارسنا الأولية ونحن ندرسها بالعامية!! وهذا ما أدى إلى تواري الفصحى عن حوارنا اليومي، فاللغة ممارسة، وليست حصة في اليوم الدراسي.. وكلنا يعرف أن سبب ضعف معظم طلاب المدارس في اللغة الإنجليزية مثلاً هو دراستها بالعربية، وعدم ممارستها..وهذه حقيقة يعرفها الجميع بما فينا هم. من هذا نستنتج أن قضيتهم ليست معنا، بل هي مع جهات أخرى لا يعرفون -أو لا يريدون أن يعرفوا- طريق مكاتبها.. وأنا شخصياً أحملهم مسئولية هذا التقصير. حقيقة، أنا أستغرب اهتمام هؤلاء بالشعراء الهنود والروس والإسبان مثلاً، واحتفائهم بشعرهم، ومفاخرتهم بما يحفظونه لهم ، في حين أنهم يحاربون الشعر العربي العامي سليل اللغة العربية الفصحى الذي يستخدم نفس أدوات الشعر الفصيح من قاموس لفظي وأوزان وأخيلة، ولا ينقصه سوى التشكيل. كان من الأحرى أنهم أن يصفقوا لشعراء هذه المرحلة لأنهم بادروا بتطوير لغتهم في اتجاه ما يسمى باللغة الوسطى أو اللهجة البيضاء، الأقرب للفصحى..