Al Jazirah NewsPaper Thursday  08/07/2010 G Issue 13797
الخميس 26 رجب 1431   العدد  13797
 
أعراف
المعلّم
محمد جبر الحربي

 

في صف دراسي.. يبدو المعلم المتصلب أمام اللوح الأسود وهو يلقن أبجديات قاعدة رياضية بحزم.. والطلبة يرددون خلفه بخوف، بينما طالبٌ سارحٌ في مشروع قصيدة.

سرعان ما يلحظه المعلّم الفظ، يلتقط الورقة الخجلى من بين يديه ويصرخ: ماذا لدينا هنا: شعر؟! شعر؟! هذا الولد يظن نفسه شاعراً.. استمعوا: ثم يقرأ النصَّ ساخراً، والكلّ يضحك.

ضربة قاسية بالمسطرة على ظاهر اليد، فعودة إلى القاعدة.. عودة إلى ما هو متعارف عليه، بينما الطفل المغاير سارحٌ في عذاباته وسط ترديد الطلاب الببغائي.. وسط الترديد الخانق الخائب. وفي المنزل، وأمام زوجته، يجلس المعلم مخنوقاً خائفاً!!

هكذا كانت حالة التعليم والتعليب في فيلم الجدار/ لروجر ووترز/ بنك فلويد.

في القاموس تجد معنى جميلاً وعميقاً للفعل عَلم: علم الشيء وبه شعر به، وأدركه.

هذا العِلم - الشعور ينتفي عن كثير من معلمي العصيّ، والعقد، عن المعلمين الحفظة الكتبة، عن معلمي «الإملاء» والترديد، غير الموهوبين، غير المؤهلين تربوياً لقيادة جيل، عن قاتلي المواهب، عن الكوادر المصنفة في سلّم المرتبات.

حين تعود بذاكرتك إلى مراحل دراستك تجد أنك رسمت صوراً كاريكاتيرية لأكثر من معلم، أنك أعدت تسميتهم، وأعدت رسم وجوههم، أنك حقدت على أكثر من واحد منهم، أنك كرهت التاريخ بسبب راوٍ ممل وغير ملهم، والجغرافيا بسبب معلّم لا يجيد الإبحار. أن اللغة، هذا العالم الفسيح الملون، ضيقة بسبب معلمٍ فقيرِ لغة..

أنك لم تصطحب إلى «ألبومك» العائلي سوى القليل النادر منهم.. ذاك الذي يشبه الأب.. الأخ الأكبر كان يستمع إليك باهتمام بالغ.. يرى في عينيك شعلة الموهبة المبكرة فيغريك بالإبداع، إبداع ما أنت قادر عليه، لا ما ليس فيك. كان الدرس مهرجان زهور تتفتح، دهشةَ طفلٍ أمامَ بوابات العالم، خيانةً متكررة للعاديّ، حين كان التواطؤ مع الفرح، حب الحياة والمستقبل علامة فارقة في جبين اللوح الأسود.

لم تكن اللغة الممكن الذي يُمسك باليد، فقد كانت تفرّ كشمس مشاكسة عليك أن تلاحقها بخيالك الجامح.. هيّا ابعث بخيلك لتصطاد قرص اللغة، وحين تعود به أطلقه مرة أخرى في الفضاء الرحب.

كان الدرس حضوراً للغائب، غياباً للحاضر، قفزاً فوق السياج، فقد كنت تكتشف الطائر فيك لأول مرة، الفراشة في اللغة، الزهرة في المعرفة.. والحب في العالم.

هكذا تتذكر معلماً ماهراً احترم الطفل المدهش فيك.. وسط رصيدٍ هائلٍ من التثاؤب، من سياط الخوف، من الهروب بالذاكرة إلى البعيد الأجمل..

«فيا سيدي.. أعطنا ندماً، بقدر محبتنا/ وخذ قلمَ الفحم، وارسم لنا شاربين .. وزَوّرْ رجولتنا..»

هكذا تقرأ «معلّم» الشاعر يوسف الصائغ لتمتد دونك سبورة عرضها العمر، لتعرف معنى المعلم.



mjharbi@hotmail.com

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد