Al Jazirah NewsPaper Wednesday  04/08/2010 G Issue 13824
الاربعاء 23 شعبان 1431   العدد  13824
 

في بستان المعمرين
عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف

 

إذا طال عمر المرء في غير آفة

أفادت له الأيام في كرها عقلا

الرجال الذين مد الله في أعمارهم وطال مكثهم في الحياة أزمانا طوالا أصبحت سيرهم مرجعا ومرتعا خصبا للقراء والباحثين والمؤلفين أمثال أبي حاتم السجستاني صاحب مؤلف (المعمرون) المعروف بحسن اختيار ما يلتقطه من صفحات جيد الكتب فيضمها في مؤلفاته كثيرة العدد، فالأجيال الذين عاصروا أولئك المعمرين في تلك الحقب المتعاقبة استفادوا من خبراتهم ومن تجاربهم الطويلة في حسن التعايش والتعامل مع مجتمعاتهم، وكيفية تدبير أمورهم بالطرق السليمة الميسرة التي تقيهم من كثرة الزلل وتكبد المتاعب، وحتى في هذا العصر؛ اللاحق يستفيد من تجارب السابقين وسيرهم، ولقد أجاد الشاعر أبو يعقوب الخريمي حيث يقول:

إن الأمور إذا الأحداث دبرها

دون الشيوخ ترى في بعضها خللا

إن الشباب لهم في الأمر معجلة

وللشيوخ أناة تدفع الزللا

ويعتبر السجستاني أحد الوراقين المشهورين وهو: سهل بن محمد بن عثمان الإمام أبو حاتم السجستاني البصري، الكوفي المقري، صاحب كتاب -المعمرون والوصايا- وكان إماما في علوم اللغة والأدب والقرآن والشعر، وصاحب مؤلفات شملت مصنفات عديدة من العلوم المختلفة تربو على ثلاثة وعشرين كتاباً، ولقد ولد أبو حاتم في عام 160هـ ومات سنة 248 أو سنة 250، وبعدما كبر وترعرع وختم القرآن الكريم تتلمذ على الأخفش أحد أئمة اللغة فقرأ عليه كتاب سيبويه مرتين، وجلس إلى العلماء غيره...، ثم صار أستاذا يحضر حلقته في مسجد البصرة المتأدبون، أمثال أبي العباس المبرد وغيره، ويعتبر من حذاق ومهرة المؤلفين في تلك الأزمان البعيدة المدى في حسن اختياره وانتقائه جيد الألفاظ والكلمات الجزلة الهادفة بعيدا عن العبارات المستهجنة أو الهزيلة... فحسه وذوقه الرفيع جعل مؤلفاته الكثيرة تَرُوج، وتهفو إليها نفوس الكثير من العلماء والأدباء، ومتذوقي الأساليب البلاغية بلاغة قدماء الشعراء، ويعتبر كتاب (المعمرون) مع ضم كتاب الوصايا من أجمل الكتب وأهمها التي خلفها أبو حاتم السجستاني لما يحتضنه بين دفتيه من أمثال وحكم تشد القارئ، فهي لون مميز في الجودة وروعة الخيال في النماذج الشعرية التي قام بجمعها وانتقائها من بطون الكتب القديمة المعروفة في تلك الحقب البعيدة في زمانه وتمثل تلك المجموعات الشعرية فناً من الشعر الجاهلي في دقة وصفه الطاعنين في السن، وما يلقونه من ملل وطول في حياتهم التي شفها الكبر وجعلهم يسأمون من مكابدة مسببات الهرم وأوجاعه.. ولقد عاش أبو حاتم في بيئة علم وأدب تَعج بالأدباء والشعراء.. حيث كان يرتاد مجالسهم ومنتدياتهم الحافلة بأرباب الفصاحة وقوة البيان، وبملازمة فحول الشعراء مما أثرى حصيلته العلمية والأدبية اتساعاً ومهارة في قوة الملكة في الترسل وسلاسة الأسلوب، ولقد أفرز ذلك حسن اختياره فيما يكتبه، ويلتقطه من أفواه الرواة ومن بطون أمهات الكتب والأسفار المودع بصفحاتها جيد الحكم والأشعار ومتانة الأساليب العلمية والأدبية التي تروي غلة الصادي، والباحث عن مقاصده بين أسطرها ويعتبر العصر الذي عاش فيه العصر الذهبي في ازدهار العلوم والترجمة، وتدوين اللغة العربية ولقد برع وأجاد في إيراد واختيار بعض النماذج من أشعار القدماء المعمرين الذين استمدوا معاني أشعارهم وألفاظهم من صميم اللغة العربية، والتحليق بأفكارهم وأخيلتهم باصطياد بعض العبارات والكلمات اللغوية نادرة الاستعمال التي قد تُنسى أو يقل استعمالها في عصرنا الحاضر، فإحياؤها إثراء للمخزون اللغوي والأدبي المعنيين باللغة وشواردها وآدابها، فهي مورد عذب يقتات منها الكاتب والمتحدث..، ولقد أورد أبو حاتم السجستاني شطراً من أشعار أولئك القدماء الذين ملوا وسئموا من طول الإقامة في الحياة الدنيا لهرمهم وشعورهم بجحود وجفوة أقرب الناس إليهم من بنين وأحفاد بل ومن أصدقاء وجيران، ولعل هذا من أسباب استبطاء مرور شَعوب عليهم الموكل برحيل من استوفى نصيبه من أيام الدنيا الفانية، فهم يرون الإقامة في باطن الأرض أولى لهم من تتابع التأوهات وكظم العبرات احتجاجاً على تنكر ونسيان الواجب نحوهم، الواجب الأبوي والإنساني معاً، ومن أولئك المعمرين رجل من أسلم يقال له أوس بن ربيعة بن كعب بن أمية الأسلمي عاش مائتي وأربع عشرة سنة، وقال في ذلك:

لقد خُلّفت حتى ملّ أهلي

ثوائي فيهمُ، وسئمت عمري

وحُق لمن أتت مائتين عامٍ

عليه وأربعٌ من بعد عشرِ

يَمَل من الثَّواء وصُبح يومٍ

يُغاديه، وليل بَعدُ يَسري

فأبلى جِدتي وغديت شِلواً

وباح بما أُجِن ضمير صَدري

وينظر لذلك مايعانيه لبيد بن ربيعة من كثرة سؤال الناس عن حاله في أوقات متقاربة ومتتالية، وكأنهم في نظره يستبطؤون رحيله ومكثه بينهم، فهو يضجر من تكرار سؤالهم إياه حتى بلغ به الأمر أن يصرح بما يعانيه من إلحاحهم حيث يقول:

ولقد سئمت من الحياة وطولها

وسؤال الناس كيف لبيد!

فالبعض من بني البشر قد تساوي لديه الحياة أو الممات، والرحيل عن الوجود لأسباب كأن يعيش طول حياته كئيباً مُعدماً قليل الحيل، وقد يكون هروباً من مضايقات اجتماعية وأسرية، أو لمرض مصاحب له لا انفكاك منه ولا يرجى برؤه، وهذا يذكرنا بحال هاجر بن عبد العزى الخزاعي الذي عاش سبعين ومائة سنة وقال:

بَليت وأفناني الزمان وأصْبحتْ

هُنيدة قد أنضيت من بعدها عشرا

وأصبحتُ مثلَ الفرخ لا أنا ميتٌ

فأُسلى ولا حي فأُصدرَ لي أمرا

وما من شك أن بعض من يتقدم بهم العمر ويقعدهم الكبر داخل منازلهم، ولاسيما إذا صاحب ذلك شيء من الأمراض المزمنة تعوقهم عن مزاولة الحركة داخل المنازل، ولم يستطيعوا خدمة أنفسهم وإنما يحملون من غرفة إلى أخرى وهكذا، فإنهم يجدون حرجا وخجلا عند من يتولى خدمتهم..، وفي هذه الحال قد يتمنوا أن يتواروا عن الوجود، ويستريحوا في أجداثهم إلى أن يأذن الله بنهوض جميع الخلائق ليوم الحساب، كما أن بعض المعمرين الذين عاشوا ما يقارب أربعمائة عام ما زالوا يرغبون إعطاءهم فسحة من العمر رغم تخطيهم أكثر من ثلاثة قرون، أمثال: كعب الدّوسي الذي عاش ما يناهز أربعمائة سنة فقال:

كبرتُ، وطال العمر حتى كأنني

سَليم أفاع، ليلهُ غير مُودَع

ثلاثُ مئين قد مررن كواملاً

وها أنذا أرتجي مَرّ أربع

فالمرء المعافى ما عاش ممدود له الأمل ينشد البقاء حتى يلاقي الذي لا بد منه، وهذه سنة الله في خلقه، فلولا الآمال لم يحلُ عيش الإنسان:

لولا الأماني فاضت روحهم جزعا

من الهموم وأمسى عيشهم هونا

ويقول الآخر:

لا يشبع النفس شيء حين تدركه

ولا يزال لها في غيره نظر

ونخلص في هذه العجالة أن المرض الملازم للمرء يرخص الحياة لديه، وأما المعافى فيظل جذلا في مسيره وتقلبه في مناكب الأرض ونواحيها حتى يأتيه أجله المحتوم. وبهذا نختتم هذه الجولة من كتاب (المعمرين) التي حوت عددا من الشواهد الشعرية للمقارنة بين راغبي الحياة، ومفضلي الرحيل عنها؛ فالتباين بين أولئك واضح في كثير من أشعارهم التي أفرغوها من خواطرهم عبر القرون، فالله سبحانه قد منح الكثير من خلقه في تلك الحقب الموغلة في القدم أعماراً طويلة، قد تتجاوز خمسمائة عام، كما هو مسطر في بعض الأسفار، ولله في خلقه ما يشاء وهو العليم الحكيم، وقد أشار بعض الشعراء رداً على من يسوف بالتوبة والإياب ويتمنى ديمومة الحياة قائلا:

نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح

لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح

فالأعمار بيد الله والأعمال بحسن الختام.

يا رب قد أحسنت بدء المسلمين به

فتمم الكرم وامنح حسن مختتم

حريملاء

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد