سعادة رئيس تحرير جريدة الجزيرة وفقه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
تعقيباً على مقال د. أحمد العبودي في عدد (الجزيرة) رقم 13779 وتاريخ 8-7-1431هـ ورد رئيس بلدية محافظة عنيزة المهندس إبراهيم الخليل في عدد (الجزيرة) رقم 13801 وتاريخ 30-7-1431هـ فإنني أود أن أوضح ما يلي:
أولاً: إنني أحد المهتمين منذ زمن بأهمية التراث والمحافظة عليه، حيث كتبت مقالاً قبل حوالي ست عشرة سنة بعنوان (في عنيزة يهدمون بيوت الطين خوفاً من الجهل)، أطالب وأنادي فيه إلى درجة الإلحاح بالإبقاء على حي الخريزة وذلك كمحاولة لإيقاف حملة كبيرة شنت وقتها على أحياء عنيزة القديمة هدمت خلالها عدة أحياء مثل المسهرية والشفيع وغيرهما والتي مع الأسف يمكن - لو بقيت - أن تصبح أحياء نموذجية لعنيزة القديمة، لكن مع الأسف لا حياة لمن تنادي وضاعت مع الأسف في ذلك الوقت أكبر فرصة للحفاظ على البقية الباقية من تراث إحدى أكبر المدن النجدية القديمة حتى أضحت عنيزة بلا هوية تميزها كمدينة نجدية، وذلك طبعاً ومع شديد الأسف والأسى والحسرة بسبب جهلنا بأهمية المحافظة على التراث لنا ولأولادنا ومن بعدهم والذي سيلومون - ومعهم التاريخ - كل من تسبب وفرّط في ذلك مهما كانت الأسباب.
ثانياً: بعد التفريط في عنيزة القديمة وهدم أحيائها الطينية القديمة حتى أصحبت مع الأسف مواقف للسيارات لأصحاب المحلات والمنازل الإسمنتية القريبة حتى لم يبق إلا بعض البيوتات الطينية المتفرِّقة هنا وهناك، أقول بعد ذلك كله رأيت أنه من الأجدى أن نتجه إلى نخيل عنيزة القديمة ونحافظ على الأقل على ما يمكن حفظه من ريف عنيزة ومزارعها وفلاحيها القديمة بدلاً من التغني غير المفيد وغير المجدي بعنيزة ومبانيها الطينية القديمة لأنها أصبحت في ذاكرة الخيال والأحلام، فكتبت مقالاً بعنوان (تهدمت الأبنية في عنيزة فلتبق المزارع) بعدد (الجزيرة) رقم 13826 وتاريخ 30-10-1428هـ. وقد لاقى المقال استحساناً واهتماماً من جانب محافظ عنيزة م. مساعد السليم - وفقه الله - حتى إنه سعى مشكوراً لتكوين لجنة سياحية بخصوص ذلك سميت بلجنة سياحة الغين ثم غير اسمها لاحقاً إلى لجنة فلايح عنيزة بهدف المحافظة والإبقاء على ما يمكن حفظه من فلايح عنيزة وحيطانها ونخيلها القديمة (لكي لا تموت وتجف كما مات بعضها وجف بسبب الإهمال فلا هي بقيت بستاناً قائماً ولا هي أصبحت عقاراً يستثمر) ومساعدة ملاك هذه المزارع وفلاحيها وتسهيل أمورهم وتذليل الصعوبات التي تواجههم وتطوير بعضها لتصبح متنزهات ريفية.
ثالثاً: في مقاله رفقاً بالجناح يا بلدية عنيزة ينادي د. أحمد العبودي مشكوراً للحفاظ على ريف عنيزة ونخيلها في الجناح والفاخرية ومريبدة وغيرها من الأحياء الريفية وكأنه بذلك يضم صوته إلى صوتي للحفاظ كما قال وبنبرة فخر واعتزاز ممزوجة بمشاعر الخوف والقلق على أعظم ريف في المملكة يتوسط مدينة. وإنني بهذه المناسبة أنادي جميع مواطني عنيزة بزيادة وعيهم بخصوص ذلك والاهتمام بالمحافظة على ريف عنيزة ونخيلها القديمة ما أمكن ذلك وألا نفرط فيها كما فرطنا بأحيائها القديمة.
لكن لي وقفة عند قول الدكتور عن عنيزة (بعد أن استوعبت الدرس القاسي والمؤلم بفقدان حي الخريزة والجامع العتيق وغيره من الشواهد المادية التراثية وكان ذلك بسبب قلة الوعي بموارد التراث وأهميته من قبل البلديات والمسؤولين عن التخطيط العمراني للمدينة في ذلك الوقت المبكر من التنمية) بينما الخريزة هدمت تقريباً عام 1415هـ أي منذ حوالي ست عشرة سنة وهذا يعد نسبياً وقتاً قريباً أو متأخراً وليس مبكراً إذا ما قورن بالوقت الذي هدمت فيه منطقة المسوكف مثلاً وذلك في أوائل التسعينيات الهجرية أي قبل ما يقارب أربعين سنة أو تقل قليلاً، وكان ذلك الوقت فعلاً وقتاً مبكراً من التنمية ووقتاً مبكراً لأن نعي فيه أهمية التراث والمحافظة عليه، فلم يكن يخطر ببال أحد في ذلك الوقت أو قُل قَلَّ أن يخطر ببال أحد في ذلك الوقت المبكر أن يأتي يوم نخاف أن يزول فيه كل ما هو قديم، أما الخريزة فقد هدمت ومع كل أسف ومع سابق الإصرار والترصد بعد ذلك بأكثر من عشرين سنة على الرغم من المناداة والمطالبة ما ذكر أعلاه بالتوقف عن ذلك وذلك بعدما ظهرت ولاحت في الأفق بوادر خطورة زوال تراث المدينة وتاريخها (بالنسبة للجامع الكبير فقد هدم خلال فترة متوسطة بين فترتين فترة هدم المسوكف وفترة هدم الخريزة حيث هدم في عام 1404هـ أي قبل حوالي سبع وعشرين سنة).
رابعاً: في رد رئيس بلدية عنيزة على مقال د. أحمد العبودي ذكر أن المزارع الريفية تلقى الاهتمام والتشجيع الكثير، سواءً من المحافظة أو البلدية أو فرع السياحة بالقصيم وهذا لا شك شيء تقدمي وإيجابي تشكر عليه جميع هذه الجهات الثلاث التي منها طبعاً بلدية محافظة عنيزة وأملنا كبير إن شاء الله في أن يستمر ذلك الاهتمام والتشجيع.
لكن لي وقفة أو وقفات عندما أتحدث عن إزالة البيوت الخربة والآيلة للسقوط فأقول:
1- كما ذكرت أعلاه فقد أزيلت مع الأسف معظم عنيزة القديمة ولم يتبق مع الأسف ولا حتى حي واحد متكامل من أحيائها القديمة يمكن أن يمثل الحياة القديمة في عنيزة لكن بقي هناك بعض البيوتات المتفرقة هنا وهناك.
2- إن وجود القليل من هذه البيوتات الطينية المتفرقة هنا وهناك لا يعني التفريط بها وعدم المحافظة عليها، بل يجب أن نكون أكثر حرصاً عليها لأنها أصبحت بضاعة نادرة، ففي رأيي يجب أن نعتبر كل بيت طيني باق معلماً يجب المحافظة عليه وذلك لأنه يحكي عن حقبة مرت على حياة الناس قد لا يمر مثلها مرة أخرى إلا أن يشاء الله.
3- على الرغم من أنه لم يتبق - كما قلت - إلا بعض البيوتات المتفرقة هنا وهناك وأنها أصبحت نادرة لكن مع ذلك ومع كل أسف فإن آلة التدمير الحديثة انتفضت من جديد وبدأت تحصد وتنقض على بعض هذه البيوت بلا هوادة وكأنه لن يهدأ لها بال حتى تقضي تماماً على كل ما هو طين وقديم.
نعم فقد فوجئنا باغتيال آلة التدمير الحديثة للعديد منها في غضون الأسابيع الماضية في عدة حارات من عنيزة مثل مريبدة وغيرها في الوقت الذي ما زالت مثيلاتها في بعض مدن نجد الأخرى تلقى كل احترام وتقدير، وأقرب مثال على ذلك ما كتب أخيراً عن بلدية وأهالي عودة سدير وجهودهم في سبيل المحافظة على تراث بلدتهم وبيوتها الطينية القديمة.
4- إن مبرر ومنطق القول ببيوت خربة وآيلة للسقوط كان أحد الأسباب الرئيسة التي أدت - مع الأسف - لفقد الخريزة وغيرها من أحياء إحدى أكبر المدن النجدية القديمة.
5- لقد قمت بزيارة إلى محافظتي شقراء وأشيقر وهالني ما رأيت. رأيت ما يسمى بالبيوت الطينية الآيلة للسقوط لا زالت موجودة على قيد الحياة. رأيت هذه البيوت الآيلة للسقوط، بل قل عن أكثرها خرابات باقية وأشد خطراً وتهدماً مما هي في عنيزة لكنها ولله الحمد لم تغتالتها آلة التدمير الحديثة، نعم لقد وفقت هذه الخرابات بأناس أوفياء أبقوها إلى حين، أبقوها لعله يأتي وقت يلتفتون إليها فلما جاء هذا الوقت وجدوها ولو أنهم أزالوها لما وجدوها. نعم فعندما حانت الفرصة وخفت سكرة الطفرة والنقلة الحضارية الحديثة رجعوا إليها وبدؤوا بإصلاح وترميم ما يمكن إصلاحه ما أمكنهم ذلك، مع التنبيه في هذا المقام على ملاحظة أنه لم يتم ترميم وإصلاح كل البيوت الآيلة للسقوط، فبعضها لا زال موجوداً إلى الآن ولم تستطع آلة التدمير أن تغتالها، وملاحظة أيضاً أن بعض هذه المباني الطينية القديمة موجودة في وسط المدينة وبين السكان.
لا أبالغ إذا قلت: لقد تجاذبني شعوران عندما زرت الأحياء القديمة لمدينة أشيقر بمبانيها القديمة المتواضعة وأزقتها الضيقة ودكاكينها المتعددة وقببها المتفرقة والتي تحكي لك عن حياة الآباء والأجداد وطريقة بيعهم وشرائهم وزرعهم وسقيهم ونومهم وأكلهم وشربهم وتواصل بعضهم ببعض والتي تغني عن كلام وهذر مئات الكتب من كتب المؤرخين وكما قيل فإن صورة تغني عن ألف كلمة فكيف بعيان الحقيقة، وقد قيل أيضاً ليس الخبر كالعيان، أعود لأول الجملة وأقول نعم لقد تجاذنبي شعوران في وقت واحد، شعور الكآبة والإحباط لتفريطنا في تراث عنيزة وتاريخها وشعور لا يوصف من الغبطة والإعجاب بأشيقر وأهلها وتراثها حتى إنني لا أبالغ إن قلت إنني أحسست بأنني أمام أثر تراثي وسياحي لا يضاهى، فتحية كبيرة جداً لمن يسعى واجتهد وحافظ على تراثه من أهالي أشيقر وشقراء ومرات وثرمداء والمجمعة والغاط وحريملاء وثادق ورياض الخبراء وغيرهم من أهالي معظم مدن وقرى نجد الأخرى وهي كثيرة وآخرها - كما ذكرت أعلاه - ما قرأنا في الجزيرة عن عودة سدير.
6- إذا قبلنا جدلاً أن بعض هذه البيوت أو المباني القديمة قد تشكل خطراً، فهل الحل بالهدم والإزالة هو الأفضل أم الأسهل؟! لا شك أن حل الهدم هو الأسهل لكنه ليس الأفضل، لأن الأفضل طبعاً هو ترميمها وإصلاحها بالكامل، لكن إن كان هذا الحل غير ممكن اقتصادياً فهناك حول أخرى منها:
أ - وضع سياج أو علامات ولوحات تحذيرية حول المبنى.
ب - إصلاح وتعديل أو إزالة فقط أسباب الخطورة من المبنى.
ج - إزالة الأجزاء الخطرة من المبنى فقط وإبقاء الأجزاء السليمة.
إنني من هذا المنبر أنادي بلدية محافظة عنيزة ومحافظة عنيزة والهيئة العامة للسياحة والآثار - فرع القصيم وأية جهة حكومية أخرى ذات علاقة بالعمل سوياً للحفاظ على البيوت الطينية القديمة الباقية إن كان هناك من باقية وعدم التسرع في إزالة ما تضرر منها قبل استنفاد جميع الطرق الممكنة لعلاج خطورتها وإلا فتسليط مجنزرة واحدة عليها كاف لإعدامها وإزالتها من الوجود لتكون براحات وساحات مجانية لجيرانها فتصبح ملاعب لأطفالهم ومواقف لسياراتهم.
م. إبراهيم العبدالله السليمان -عنيزة