Al Jazirah NewsPaper Friday  06/08/2010 G Issue 13826
الجمعة 25 شعبان 1431   العدد  13826

الفايع أعاد ذكرياتي الجميلة مع زميلي الراحل الفواز

جميل منك أيها الأستاذ الفاضل الوفي محمد بن إبراهيم فايع، فبينما كنت أتصفح صحيفة الجزيرة بالصفحة رقم 43 الصادرة يوم الأربعاء 9-8-1413هـ شدني عنوان الكلمة التي أفاض الكاتب في ثناياها ثناء عطرا معددا بعض مناقب زميلي وصديقي الراحل الأستاذ الفاضل محمد بن صالح الفواز مدير عام منطقة الجنوب التعليمية - آنذاك - رحمه الله، الذي سبق أن رحل عنا إلى جوار ربنا علام الغيوب جل ذكره في عام 1403هـ فسرعان ما تحرك شريط ذكريات الدراسة معه، والشمل جامع لنا معشر طلاب كلية اللغة العربية بالرياض حتى تخرجنا وودعنا ذاك المحضن فصلنا الدراسي 1378هـ، ونعتبر الدفعة الثانية من تلك الكلية، ثم مضى كل منا لسبيله ليكون عضوا عاملا في خدمة وطنه والنهوض بشبابه إلى بر الفلاح، وليكونوا قدوة حسنة للأجيال الصاعدة التي تنهل من حلو رضاب العلوم تحت إشرافهم وتوجيهاتهم الأبوية التربوية كي يصبحوا لبنات صالحة في بناء مجتمعهم الذي ينتظرهم، وهو الهدف الأسمى لولاة أمر هذا الوطن - أعزهم الله بطاعته - ولقد تسلم الزميل محمد - أبو إبراهيم - أول عمل له مدرسا بالمعهد العلمي بالرياض عام 1379هـ، ثم مديرا للمعهد العلمي بأبها بضع سنين، وفي عام 1385هـ عين مديرا عاما لمنطقة الجنوب التعليمية - آنذاك - حتى انتقل إلى جوار ربه 1403هـ إثر مرض لم يمهله - رحمه الله -، ولقد أشرت إلى ذكر بعض الذكريات معه على ظهر إحدى صفحات هذه الجريدة في مقال سابق تحت عنوان: (أبها قبلة المصطافين) في يوم الجمعة 5-شعبان 1426هـ وتحته هذا البيت من الشعر:

إذا زرت أرضا بعد طول اجتنابها

فقدت صديقي والبلاد كما هي

متأسفا على رحيله مبكرا، ومتذكرا أيام الدراسة الجميلة التي عشناها سويا تحت سقف واحد متآلفين ومنصتين لما تتلفظ به أفواه مشايخنا الأجلاء، فمعظمهم من أبناء النيل ومن فطاحل علماء الأزهر الذين أفاضوا علينا من رحيق علومهم النافعة ومن حياض ثقافاتهم الأدبية واللغوية، فهم نخبة ممتازة من الرعيل الأول أمثال: المشايخ - عبد اللطيف سرحان وأخويه محمد وعبد السلام، وعبد المنعم النمر، ومحمود العقدة، ومحمد رفعت ومحمد نائل، وغير هؤلاء العلماء الأفاضل:

قم في فم الدنيا وحي الأزهرا

وانثر على سمع الزمان الجوهرا

فذكرياتنا مع (أبو إبراهيم) ومن رحل من الزملاء، ومع أساتذتنا الأجلاء الذين غابوا عن الوجود جميعهم فأضمرتهم الأرض - رحمهم الله - وجزاهم عنا خير الجزاء، فإن ذكراهم باقية وخالدة في طوايا نفوسنا أبد الليالي والأيام، فهي أجمل مراحل العمر وأقربها إلى قلوبنا، ولكنها الأيام حبل سرورها قصير، وعوادي الزمن تفرق منا من نحب اجتماعه وهذه سنة الحياة، وكأن قائلا يذكر بقول المتنبي:

نحن بنو الموتى فما بالنا

نعاف ما لابد من شربه

فزميلنا محمد يرحمه الله منذ كان طالبا يتصف بصفات حميدة، وبالرزانة ورحابة الصدر ودماثة الخلق، لا تسمع منه إلا ما تلذ له الأسماع من جيد الأسلوب والحكم والأمثال، فهو ثبت الجنان، قوي الملكة حينما يطلب منه معلمنا التحدث في حصة التعبير فإنه يستوعب شطرا منها في ترسل مركز عن الموضوع مما يدل أن لديه مخزونا جما من الثقافة الواسعة حيث أنه كثير تسريح النظر في بطون الكتب المفيدة التي تثري حصيلة طالب العلم، وتجعل العبارات العذبة تفيض بيسر عبر شفتيه، وأما عن حياته الوظيفية فقد وصف بالحنكة وبالجد وتسيير أعماله بكل دقة وإخلاص، وتفانٍ في خدمة وطنه واحترام من تحت يديه من موظفين وطلاب، وقد يقوم ببعض الأعمال المشرفة التي تتطلب السرعة وكسب الوقت لصالح الطلاب، منها ما ذكره الأستاذ الأديب - محمد فايع أثناء كلمته عن زميلنا الراحل سعادة الأستاذ - محمد بن صالح الفواز الذي ضرب المثل الأعلى في التواضع الجم وما يثلج الصدر حيث عمل عملا إنسانيا لن ينساه طلابه، ولم يسبق على مثله في عصرنا الحاضر، يقال أنه قد حضر إلى إحدى مدراس القرى متواضعة البنيان ليطمئن على حسن سير الاختبارات بها ففوجيء أن فصولها تعيش في ظلام دامس في ذاك البيت الشعبي المتهالك فلم يقل شيئا سوى أن غادر المكان على عجل ليأتي بعد ذلك بوقت وجيز وهو يحمل فوق كتفه محركا كهربائيا - ماطور- مشيا على قدميه مع أحد الأودية حتى وصل إلى مبنى المدرسة، فأمر مديرها بتشغيله لينير فصول الطلبة - أنار الله جدثه - وهكذا يعمل العظماء المخلصين، فعمله هذا يذكرنا بعمل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع العجوز المسكينة الضعيفة حيث اكتشف حاجتها إلى طعام يسد رمقها أثناء تفقده أحوال رعيته في إحدى الليالي، فما كان منه إلا أن ذهب إلى منزله ثم عاد إلى تلك المرأة وهو يحمل معه كيسا من دقيق الحنطة، فأخذ يوقد النار وينفخ بفيه الطاهر تحت القدر ليقدم لها الطعام إذا نضج، فما كان منها إلا أن قالت وهي لا تعرف من هو: أنت خير لي من عمر فبكى رضي الله عنه بكاء شديدا لعلمه أنه ملزم بتفقد أحوال رعيته وأنهم في عنقه، فالذكريات مع الزميل الكريم يطول مداها أذكر أنه أثناء الدراسة بالمرحلة الثانوية بالمعهد قد وجه لنا دعوة عشاء بالخرج مهوى رأسه يرحمه الله شملت مجموعة من الزملاء منهم على سبيل المثال: عبد العزيز الرويس، صالح القاضي، عبد الله حمد الحقيل، عبد الرحمن بن شعيل، عبد العزيز الخراشي - رحمه الله - وغيرهم من الزملاء، وكانت تلك الرحلة في ليلة جميلة مقمرة زاولنا فيها بعض الألعاب، وتبادل النكات والطرائف التي أتحفنا بها الزميل اللطيف عبد العزيز الرويس - أبو محمد - وبالمساجلات الشعرية فوق هاتيك الكثبان الرملية التي ظلت حلاوة أصدائها أزمانا في خواطرنا، هذا ولا يفوتني إلا أن أكرر شكري للأستاذ الأديب - محمد إبراهيم فايع الذي أتاح لي فرصة التطرق إلى سيرة زميلي العطرة وأعماله المشرفة مرددا هذا البيت:

هذا ثنائي بما أوليت من حسن

لا زلت عَوْضَ قرير العين محمود

عبد العزيز بن عبد الرحمن الخريف

حريملاء

 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد