Al Jazirah NewsPaper Sunday  22/08/2010 G Issue 13842
الأحد 12 رمضان 1431   العدد  13842
 
لا وصاية (حزبية) بعد اليوم
حمّاد بن حامد السالمي

 

هذا ما نتطلع إليه فعلاً، بعد الأمر السامي الكريم، الذي صدر عن (ملك التغير والتطوير والإصلاح)، الملك (عبدالله بن عبدالعزيز) حفظه الله، مطلع شهر رمضان المبارك.. فوضع -نصره الله- بهذا الأمر..

.. حداً لابتذال الفتوى وركوب موجتها في أوساط المجتمع السعودي، بهدف الوصول إلى مآرب شخصية عند البعض، وتحقيق مصالح حركية وحزبية عند البعض الآخر.

* لقد عانينا كثيراً من أنصاف المتعلمين الذين يتعالمون فيزايدون على كبار العلماء، وأوذينا أكثر من جمهرة الصحويين المؤدلجين، حتى أصبح للفتوى بيننا، منابر فضائية وأرضية كثيرة، يعتليها مدعون ومغرضون ومتكسبون، وآخرون يعيشون بيننا بأجسامهم فقط، بينما قلوبهم وجيوبهم، وما يأخذون من جيوبنا كذلك، مع القاعدة وطالبان في كل مكان، فهل توضع الآليات التنظيمية الناجعة، من قبل الجهات ذات الاختصاص، التي عناها الأمر السامي الكريم بتنظيم الفتوى، وحصرها في هيئة كبار العلماء بالمملكة؟ ومن يرشحهم سماحة مفتي عام المملكة لهذه المهمة، التي ينبغي أن تجمع الناس ولا تفرقهم، وأن تبني في صف الوطن ولا تهدمه، وأن تقضي على تدليس المدلسين، وتدحض دسائس الدساسين من أصحاب الهوى..؟

شهدنا في سنوات مضت، جرأة عجيبة على الإفتاء، إن بعلم أو بدون علم، حتى أننا لا نعرف مفتياً واحداً قال مرة واحدة: (لا أدري)، مع أن هذا كان نهجاً لعلماء المسلمين الأوائل، الذين كانوا يتدافعون الفتوى بينهم، خشية الوقوع فيما هو محظور. وتعدى الأمر إلى أن دخلت الفتوى سوق المزاد العلني، في برامج مذاعة أو متلفزة، أو عبر رسائل ال (sms)، وأصبح هناك متسابقون في هذا الميدان الفسيح، من أجل اكتساب مال وجاه وشهرة، أو من أجل خدمة أغراض سياسية، كلها كانت ضد سياسة المملكة، وتؤلب على حكومة هذه البلاد، وتستعدي على مجتمعها الطيب المتدين، فرقاً وجماعات ودولاً لا حصر لها.

* عالج أمر خادم الحرمين الشريفين حفظه الله في هذا الخصوص؛ الفتوى الدينية بشقيها: (العام والخاص)، فحصر ما تعلق منها بالشأن العام، في أعضاء هيئة كبار العلماء، وما كان في أمر خاص يتعلق بالعبادات أو المعاملات، فما كان منه عبر وسيلة إعلامية، فهو من شأن أعضاء هيئة كبار العلماء كذلك، وما كان منه بين سائل ومجيب، فهو متروك بين الطرفين، لأن هذا هو ما كان عليه حال المسلمين فيما مضى من أزمانهم، قبل بزوغ فجر الثورة المعلوماتية. إن قضايا العبادات والمعاملات، معلومة عند خاصة الناس، وعند الغالبية من عامتهم، لأنها مبسوطة في كتب فقهية عديدة على المذاهب كافة، وهي في متناول الكل، وإذا أشكل منها ما يتطلب الإفهام والشرح على القليل من الناس، فالأمر لا يستدعي عرض مسائل بسيطة وشخصية، عبر إذاعات وتلفزات يسمعها ويراها ملايين البشر دون أن يعنيهم منها شيء.

عالج الأمر الكريم كذلك، أخطر قضيتين في هذا الخصوص، وهما: (الاحتساب والخطابة)، فالاحتساب جعله بعض الناس في سنوات خلت، وسيلة للتشغيب والتشويش على الدولة، متخذين من فتاوى قديمة أو مستحلبة بطرقهم المعروفة، غطاءً دينياً للوقوف في وجه التغيير والتطوير تارة، أو رمي الخصوم والتأليب عليهم، أو استعداء جهات رسمية على أشخاص بعينهم، وفي هذا ما فيه من دعوة للخروج على الحاكم، والإضرار بالمحكوم، وإثارة البلبلة والحشد، ضد مشاريع تنويرية ونهضوية كبيرة.

الخطابة هي الأخرى، كانت في مقدمة وسائل استغلال الفتوى كغطاء ديني، ولهذا رأينا كيف تحولت مناشط كثيرة من مراكز الشباب الصيفية والمخيمات الدعوية، إلى منابر صوتية، تعزز جانب الفتوى الدينية الشاذة في الغالب، وقد يصبح الخطيب مفتياً في مسائل لا تمت للعبادات ولا للمعاملات بصلة، ولكنه يتناول الشأن العام من جهة الرفض والإنكار والمناكفة، وإلى فتاوى سياسية أخرى، تدعم الخروج على حكومات عربية وإسلامية، وتشجع (الجهاد) في ديارها، بل وتحفز الشباب للذهاب إلى هناك، لكي يَقتلوا فيُقتلوا، فيحظوا بالحور العين..!

منبر الجمعة هو الآخر، لم يكن استثناءً، فقد ركب هذه الموجة الموجهة، على جناح فتاوى مشايخ القنوات ومنتديات الشبكة العنكبوتية، ومما يثير العجب حقيقة، أن (بعضاً) من خطباء الجمعة، ما زال يعتقد أن وظيفته الأسبوعية من فوق هذا المنبر العظيم، تنحصر في الدعاء لرموز التخلف من طالبان، والانتصار لفلول القتلة منهم ومن القاعدة، في العراق، وفي باكستان، وفي الصومال كذلك..!

إذا نجحت الجهات المنوط بها تنفيذ هذا الأمر السامي الكريم - وهي كثيرة، وتملك الكفاءة والآلية لتحقيق التطبيق الكامل له - فسوف نتخلص وإلى الأبد إن شاء الله، من الوصاية البغيضة، التي درج على ترسيخها فينا، الخطاب الديني المؤدلج طيلة عقود مضت، ونتخلص بداية، من سطوة الصوت الحزبي الحركي، الذي اتخذ الفتوى الدينية مطية طيعة له لتحقيق شعوبيته، وحشد جماهيريته، حتى سيطر على المال وأصحاب المال، لخدمة الحركة الثورية، والإبقاء على جذوتها في الأوساط الاجتماعية، إلى يومهم الموعود الذي لن يأتي أبداً إن شاء الله.

مرة أخرى..

شكراً (أبا متعب).



assahm@maktoob.com

 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد