Al Jazirah NewsPaper Tuesday  24/08/2010 G Issue 13844
الثلاثاء 14 رمضان 1431   العدد  13844
 
صيف الأحداث المتطرفة
ستيفان رامستورف

 

كان هذا الصيف عامراً بالظواهر المناخية المتطرفة في روسيا وباكستان والصين وأوروبا والقطب الشمالي.. وأغلب مناطق العالم.. ولكن هل لهذا أية علاقة بالانحباس الحراري العالمي، وهل الانبعاثات الغازية الناتجة عن أنشطة بشرية هي المسؤولة عنه؟

في حين لا نستطيع أن نثبت (أو ننفي) علمياً أن الانحباس الحراري العالمي كان سبباً في أي من هذه الظواهر المتطرفة، فبوسعنا أن نقول إن الانحباس الحراري العالمي من المرجح بدرجة كبيرة أن يجعل العديد من ظواهر الطقس المتطرفة أكثر تكراراً وأكثر شِدة.

لأسابيع، كانت منطقة وسط روسيا فريسة لأسوأ موجة حر تشهدها المنطقة على الإطلاق، وهي الموجة التي تسببت على الأرجح في وفاة الآلاف من البشر.. ونتيجة للجفاف والحرارة الشديدة اندلع أكثر من خمسمائة حريق هائل وخرجت أغلب هذه الحرائق عن السيطرة، الأمر الذي أدى إلى اختناق موسكو بالدخان وهدّد العديد من المنشآت النووية.. ولقد حظرت حكومة روسيا تصدير القمح، فارتفعت أسعار الحبوب العالمية إلى عنان السماء.

وفي الوقت عينه تكافح باكستان موجة عارمة غير مسبوقة من الفيضانات التي حصدت أرواح أكثر من ألف من البشر وألحقت الضرر الشديد بحياة الملايين.. وفي الصين قتلت الفيضانات المفاجأة حتى الآن أكثر من ألف من البشر ودمرت أكثر من مليون مسكن.. وعلى نطاق أصغر، عانت بلدان أوروبية مثل ألمانيا وبولندا وجمهورية التشيك من فيضانات خطيرة.

وفي الوقت نفسه ارتفعت درجات الحرارة العالمية في الأشهر الأخيرة إلى أعلى مستوياتها في السجلات التي يرجع عمرها إلى مائة وثلاثين عاماً.. وفي شهر يونيو - حزيران بلغ الغطاء الجليدي البحري أدنى مستوى متوسط له على الإطلاق في نفس الفترة من العام.. وفي جرينلاند انفصلت كتلة جليدية ضخمة في شهر يوليو - تموز ثم أخرى في شهر أغسطس - آب.

تُرى هل هناك ما يربط بين هذه الظواهر؟

إذا نظرنا إلى كل ظاهرة متطرفة على انفراد فلن يتسنى لنا أن نكشف عن الأسباب التي أدت إليها، تماماً كما لو كنا نشاهد بضعة مشاهد متفرقة من فيلم فلا تكشف لنا هذه المشاهد عن حبكته.. ولكن إذا نظرنا إلى الأمر في سياق أوسع، وبالاستعانة بمنطق الفيزياء، فسوف يتسنى لنا أن نفهم أجزاءً مهمة من الحبكة.

لقد اتسم هذا العقد بعدد من الظواهر المتطرفة المذهلة.. ففي عام 2003 حطمت موجة الحرارة الأشد عنفاً في الذاكرة الحية كل الأرقام القياسية لدرجات الحرارة المسجلة سابقاً بهامش كبير، وحصدت أرواح أكثر من سبعين ألفاً من البشر في أوروبا.. وفي عام 2005 تسبب موسم الأعاصير الأكثر شِدة على الإطلاق في منطقة الأطلسي في تدمير نيو أورليانز وحطم كافة الأرقام القياسية من حيث عدد وشدة العواصف.

وفي عام 2007 اندلعت حرائق هائلة لم يسبق لها مثيل في مختلف أنحاء اليونان، فكادت تدمر موقع أوليمبيا الأثري العتيق، وأصبح الممر الشمالي الغربي في القطب الشمالي خالياً من الجليد لأول مرة في ذاكرة الإنسان الحية.. وفي العام الماضي قُتِل أكثر من مائة شخص في حرائق الغابات في أستراليا، والتي جاءت في أعقاب موجة من الجفاف والحرارة التي حطمت كل الأرقام القياسية.

إن هذه المجموعة من الظواهر المحطمة للأرقام القياسية قد تكون مجرد سلسلة مذهلة من الحظ السيئ.. ولكن هذا من غير المرجح على الإطلاق.. بل إن الجاني الأكثر ترجيحاً هو الاحترار العالمي - الذي تسبب في جعل العقد الحالي العقد الأشد حرارة على مستوى العالم منذ ألف عام على الأقل.

وحقيقة أن موجات الحرارة كتلك التي تشهدها روسيا الآن أصبحت أكثر تكراراً وشِدة في عالم أكثر دفئاً أمر يسهل فهمه.. وسوف تصبح الأمطار الغزيرة أيضاً أكثر تكراراً وشدة في المناخ الأكثر دفئاً، ويرجع هذا إلى حقيقة فيزيائية بسيطة أخرى: فالهواء الأكثر حرارة قادر على الاحتفاظ بقدر إضافي من الرطوبة. وفي مقابل كل درجة مئوية زيادة في الاحترار العالمي هناك ما يقرب من 7% زيادة في المياه المتاحة للهطول من الكتل الهوائية المشبعة.. وتزيد مخاطر حدوث الجفاف أيضاً مع ارتفاع درجات الحرارة: فحتى في المناطق التي لا تشهد انحداراً في معدلات سقوط الأمطار فإن زيادة البخر تعمل على تجفيف التربة.

وقد يعمل تأثير ثاني أكسيد الكربون أيضاً على تغيير الأنماط المفضلة لحركة الرياح في الغلاف الجوي، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم ظواهر الحرارة الشديدة، أو الجفاف، أو سقوط الأمطار في بعض المناطق، في حين يعمل على الحد من شدتها في مناطق أخرى.. والمشكلة هنا أن تراجع شدة هذه الظواهر المتطرفة التي تعودنا على التعامل معها بالفعل لن يعود علينا إلا بفوائد متواضعة، في حين قد تكون الظواهر المتطرفة الجديدة التي لم نتعود عليها مدمرة، كما تثبت لنا الأحداث الأخيرة في باكستان.

إن أحداث هذا الصيف تظهر مدى ضعف مجتمعاتنا في مواجهة الظواهر الجوية المتطرفة.. وما نشهده الآن يحدث نتيجة لارتفاع في درجات الحرارة العالمية لا يتجاوز 0.8 درجة مئوية.. بيد أننا ما زلنا قادرين، من خلال التحرك السريع، على الحد من الانحباس الحراري العالمي بحيث لا يتجاوز درجتين مئويتين.. وحتى ذلك القدر من الارتفاع في درجات الحرارة سوف يتطلب جهوداً هائلة للتكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة وارتفاع مستويات سطح البحر، ولا بد أن تبدأ هذه الجهود الآن.

أما في ظل التحركات الضعيفة، كتلك التي وعدت بها الحكومات في كوبنهاجن في ديسمبر - كانون الأول الماضي، فسوف نسلك مساراً يقودنا إلى ارتفاع في مستويات الاحترار العالمي يتراوح بين 3 إلى 4 درجات مئوية.. ومن المؤكد أن ارتفاعاً كهذا سوف يفوق قدرة العديد من المجتمعات والأنظمة البيئية على التكيف.. وبالتقاعس عن العمل كلياً فقد ترتفع درجات حرارة كوكب الأرض بما يتراوح بين 5 إلى 7 درجات مئوية بحلول نهاية هذا العقد.. والمزيد فيما بعد.. ولا شك أن سلوك هذا المسار عن عِلم بالعواقب الوخيمة المترتبة عليه يُعَد جنوناً مطبِقاً.

يتعيّن علينا إذن أن نواجه بعض الحقائق: إن انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي نتيجة لأنشطة يقوم بها البشر ربما كان مسؤولاً ولو جزئياً عن الظواهر المتطرفة التي شهدها هذا الصيف. والواقع أن التشبث بالأمل في أن يكون كل هذا مجرد صدفة راجعة لأسباب طبيعية يبدو من قبيل السذاجة المحضة.. ولنأمل أن يكون هذا الصيف المتطرف بمثابة إنذار أخير لصناع القرار السياسي، وأهل الصناعة والتجارة، ومواطني العالم.

*ستيفان رامستورف أستاذ فيزياء المحيطات بجامعة بوتسدام، وعضو المجلس الاستشاري الألماني بشأن المناخ العالمي.. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان: «أزمة المناخ» (اشترك في تأليفه مع ديفيد آرتشر).
الجزيرة خاص - برلين*


 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد