Al Jazirah NewsPaper Tuesday  24/08/2010 G Issue 13844
الثلاثاء 14 رمضان 1431   العدد  13844
 
اللهم (صلي) على سيدنا محمد
بقلم: إياد أمين مدني(*)

 

سمعته يتمتم وقد تجاورنا صدفة في صلاة جماعة: (اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد..) إلى آخر التشهد. خاطبته بعد أن سلمنا: لم أسمع من يقول (سيدنا محمد) منذ أمد، فقد جرت ألسنتنا على (محمد).

نظر إلي بدهشة وأشاح جانباً.

ومن تعرف على غازي القصيبي -رحمه الله- يعرف مكانة وصلة والده من الملك عبدالعزيز آل سعود، -طيب الله ثراه- ويعرف وجاهة آل القصيبي في الأحساء والبحرين، كما يعلم أن والدته من مكة المكرمة، وكيف ربته جدته لأمه، وكيف عاش ردحاً من عمره متنقلاً بين جنبات المملكة، ثم سفره للدراسة في مصر، وأمريكا، وبريطانيا، وكيف كونت تلك الأماكن وأولئك الأشخاص في نفسه مزيجاً من الثقافات، والفهم والتسامح والقبول بالآخر، حتى أصبح كل ذلك تلقائياً دون تصنع حين تعامله مع الآخرين، فكان غازي القصيبي الذي عرفناه أستاذاً جامعياً وقاصاً، وروائياً وشاعراً، وسفيراً، ووزيراً، ورجل دولة، ورجل سياسة وبلاط.

كُنا في انتظاره مرة وقد أقبل بعد أن مثل المملكة في الجلسة المغلقة في قمة الخرطوم العربية الأخيرة، وأستوينا نستمع له لأكثر من ساعة منصتين شغوفين يتملكنا فضولنا لسماع المزيد، وهو يفصل ويحلل بموضوعية وعلم الدارس والباحث والخبير المجرب تباعد المواقف العربية، وهشاشة بل وغرابة بعضها.

وامتد بنا سمر الليل، واقترحت عليهم أن نتعشى (ويكة) ولم يعرفها أحد من الحضور سواه، إلا أن مرافقنا لم يجد في مطاعم الخرطوم ويكة يطمئن لها، لكنه وبكرم السودانيين المعهود، فاجأنا بأنه أحضر لنا على الطائرة ظهر اليوم التالي ويكة من صنع والدته، تجادلنا ونحن نأكل الويكة السودانية فوق السحاب إن كانت تصنع من البامية المجففة أم بتجفيف أقماع البامية، وأصر غازي على أنها تصنع من الاثنين خلافاً لما كنت أظن وكان محقاً!

كان -رحمه الله- في تلك الساعات الطويلة التي تستغرقها بعض الرحلات والمواكب يملأ المكان بحضوره، وروحه، وثقافته، ودعاباته، وقفشاته الشعرية التي لم توفر أحد كلما لفت نظره أمر، يدونها على ما تقع عليه يده من قصاصات الأوراق، أو أوراق الصحف، أو علب الحلوى والمناديل.

وكم أتمنى لو أن رفيقه الأثير، الصديق إبراهيم العساف، والذي كان يختلس تلك الإخوانيات منه، جمعها ودفع بها للنشر، أفاض مرة من على ربى الباحة في الحديث عن أحمد شوقي، الشاعر المصري الذي أمر وملأ الدنيا ضجيجاً، راوياً بعض قصائده، محلالاً تكوينات شعره، دافعاً برأيه أن ما خلد شوقي هو أبيات متناثرة من شعره يتداولها الناس، لأجل قصائده.

وكم كان يقف عند رأيه منافحاً، مدللاً مستشهداً راوياً حافظاً كان نقاشاً ممتعاً قدر لي أن أحضره بينه وبين جلالة السلطان قابوس حول معنى أول أية في سورة (التين) في قوله تعالى: ?وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ? هل هو إشارة إلى أمكنة قرب دمشق وبيت المقدس، أم شجرة التين التي راح آدم وزوجه يخصفان من ورقها، أم منبت التين في الجبل الذي استوت عليه سفينة سيدنا نوح عليه السلام، وهل غصن الزيتون هو الذي عادت به الحمامة التي أطلقها سيدنا نوح عليه السلام من السفينة لتكشف حال الأرض، أم أنهما التين والزيتون اللذان نأكلهما؟

ومن رآه -رحمه الله- في سنواته الأخيرة كان يرى وزير دولة من كتب التراث، رجلاً جمع بين العلم بالشرع وأحوال الدنيا، ودار في دروب السياسة والسلطة، ولمع في حرفة الأدب نثره وشعره وفلسفته، وعاش صراعات مجتمعه، وخبر الدنيا بإقبالها وإدبارها، وتعلم كيف أن التعامل مع العظماء مثل دفء نار الشتاء، من اقترب منها أكثر مما يجب حرقته، ومن وقف بعيداً عنها تيبست أوصاله وجمدت أطرافه.

رحم الله غازي القصيبي، فقد كان رجلاً في زمن ضن بالرجال.

(*) وزير الثقافة والإعلام سابقاً


 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد