Al Jazirah NewsPaper Tuesday  24/08/2010 G Issue 13844
الثلاثاء 14 رمضان 1431   العدد  13844
 
غازي وجامعة الملك سعود.. الريادة المشتركة
بقلم: د. عبد الله العثمان

 

ليست الوفاة خط النهاية في حياة الكبار، فحياة هؤلاء تظل نابضة حتى بعد رحيلهم بأشكال أخرى، خلاف بقية الناس الذين تنتهي حياتهم بمجرد موتهم، فلا يبقى لهم أثر يُذكر، ومثل هؤلاء لا تندبهم الحياة ولا تفتقدهم، بل ربما لا تشعر بوجودهم حتى وهم أحياء، إذ ليس لهم أثر فيها، ولا تأثير عليها، فحياتهم ساكنة، ورحيلهم

صامت، والعيش بأحد هذين النمطين من الحياة لا يعود إلى الصدفة أو الحظ بل إلى قدرات الشخص واختياره الذاتي الذي يتحرك وفقاً لمستوى الطموح وقدر صلابة الإرادة.

وأنا هنا أكتب عن رجل فريد من النمط الأول، إنه الوزير الدكتور الكاتب الأديب الإداري النزيه غازي بن عبدالرحمن القصيبي -يرحمه الله- الذي آلم الوطن خبر رحيله في الخامس من رمضان، حتى ربما لم يسمع به أحد إلا وانتابه شعور ما، إنه رحيل غير عادي لرجل غير عادي، ملأ الساحة بكتبه وإصداراته، ووسم أرض الوطن بخدماته ومنجزاته. إن الكتابة عن شخصية بحجم الراحل غازي القصيبي تحتاج عناية خاصة، فعن أي شيء يكتب، وماذا يتناول من سجل هذه الشخصية الثرية بطموحاتها ومآثرها وأفعالها، ولكن ربما كان الجانب الوطني في شخصيته أبرز الجوانب، فغازي - يرحمه الله - رجل وطني من طراز فريد، سخر حياته للوطن، وأجهد فكره في خدمته، واستهلك جل وقته في هموم وطنه وعلاج مشكلاته بكل تجرد وإخلاص، كان يصنع ذلك في كل منصب يتولى زمامه بدءاً من عمله أستاذاً جامعياً في جامعة الملك سعود، وانتهاء بآخر منصب تقلده وزيراً لوزارة العمل، فأبدع في كل ذلك.

ويحق لجامعة الملك سعود الفخر بانتساب مثل هذا النموذج الوطني الفريد إلى كيانها طيلة ثماني سنوات امتدت ما بين عامي 1385-1393هـ عمل خلالها في كلية التجارة -كلية إدارة الأعمال حالياً- محاضراً ثم أستاذاً مساعداً ثم عميداً، ومنها انطلق نحو وطنه مساهماً بكفاءة في بناء صروحه وصناعة تنميته، دون أن يغفل بعد تركه العمل في الجامعة عن الاهتمام بها، ومتابعة منجزاتها، وبعث رسائل التهنئة والتشجيع لها في كل مناسبة تحقق فيها تقدماً، هذا برغم كثافة أعبائه وتزاحم مسؤولياته.

ولعل أثرى مراحل حياته العملية الحافلة بالمنجزات تلك التي تولى فيها وزارة الصناعة والكهرباء وأسس خلالها الشركة الأم في الصناعات البتروكيميائية (سابك)، التي صارت اليوم صرحاً وطنياً رائداً في الصناعة، وواحدة من أكبر الشركات الصناعية على مستوى العالم، ودعامة قوية للاقتصاد الوطني، حتى صارت فخراً للمملكة، وبوابة نفذت منها نحو العالم المنتج بأيد وطنية ومعايير عالمية. وأود التأكيد هنا على سمة مهمة في الفكر الإداري لدى غازي -يرحمه الله- تتمثل في عمله على المزاوجة المباشرة بين المنصب والإنجاز، فالفترة الأولى للجلوس على الكرسي ليست للتعرف عليه، أو تقليب أوراق المؤسسة الجديدة، بل للانطلاق المباشر نحو صناعة الإنجاز، بشرط أن تكون صورة المؤسسة واضحة قبل تولي أمورها، وحسبنا تأكيداً لذلك أنه أسس شركة سابك وكتب نظامها وأطلق اسمها في السنة الأولى لتقلده زمام وزارة الصناعة والكهرباء، هذا برغم ضخامة المنجز وقيامه على رؤية إستراتيجية مختلفة غير مألوفة في تلك الفترة.

أما اجتهاداته في وزارة العمل فهي خير شاهد على تمثُّله للمسؤولية الوطنية في وقفته لتوطين الوظائف، وسد احتياجات سوق العمل بالكوادر الوطنية، وتأسيس البرامج الداعمة لذلك، وعقد الشراكات مع القطاع الخاص لرفد هذا التوجه، حيث كان -يرحمه الله- يرى بعينه حجم الأضرار الوطنية والأمنية من ازدحام سوق العمل بالعمالة الوافدة، كما كان يلمس بقلبه الحي معاناة شباب الوطن من داء البطالة وما يمكن أن تؤدي إليه من عواقب سلبية.

لقد كان غازي -يرحمه الله- يمثل الحس الوطني بأروع صوره وأجملها، يستشعر حجم الأمانة ومسؤولية الوطن، ويدرك أن المنصب ليس كرسياً وثيراً يسترخي عليه، أو وجاهة يتباهى بها، بل حزمة من الأعباء والمشاق والأعمال المرهقة التي كان يقوم بها -يرحمه الله- مستشعراً لذة خدمة الوطن، والمتابع لسيرته ومآثره في المناصب العديدة التي تولاها سواء في السلك الدبلوماسي أو الوزاري يدرك حقيقة ذلك.

وبرغم همومه المزدحمة في خدمة وطنه لم يسلم غازي -يرحمه الله- من هموم أخرى أفرزها اختلاف الرأي مع أطراف واجهها بحكمة، ملتزماً بأدب الحوار، وفنون الإقناع بقلم رفيع، وأسلوب عالٍ، وطرح عميق، بعيداً عن السطحية أو النيل من أي طرف، فالكتابة فن يتقنه ويعرف أصوله في كتاباته الشعرية والنثرية التي غطت رقعة العالم العربي كله، وقد ظل -يرحمه الله- شغوفاً بها حتى في أيام عمره الأخيرة حيث أنتج عملاً لم يشأ الله أن يراه مطبوعاً، فرحمة الله عليه.

لقد رحل غازي ولم ترحل سيرته، فارقنا وفارق الوطن بجسده لكن ذكراه ستظل عالقة في النفوس، وسيظل الوطن يذكره بما خلفه على صفحته من مآثر، فقد اختار -يرحمه الله- أن يحيا حياة الكبار، فكان لخطواته أثر، ولأفعاله تأثير، ولأقواله صدى، وسيظل هذا الوطن المعطاء ينتج أمثاله ممن عاهدوا الله على خدمة دينهم ومليكهم ووطنهم وأوفوا بعهدهم. رحمك الله يا غازي، وجعل الجنة مثواك.

مدير جامعة الملك سعود


 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد