Al Jazirah NewsPaper Wednesday  25/08/2010 G Issue 13845
الاربعاء 15 رمضان 1431   العدد  13845
 
هل يوجد لدينا صيام ثقافي في رمضان؟
د.فوزية عبدالله أبو خالد

 

وصلني سؤال وهو لماذا يوجد لدينا صيام ثقافي في شهر رمضان ولأنه سؤال مشوق حقا فقد كنت حفية بتأمله وهذه محاولتي في الإجابة.

الإجابة على سؤال صيام الثقافة:

يمكن تقديم عدة إجابات متناقضة على هذا السؤال، يمكن كذلك نفيه تماما أو على الأقل التشكيك في صحته كما يمكن في نفس الوقت إثباته وإن بسهولة أقل. وكل ذلك يعتمد على زاوية النظر له وطبيعة فهم السؤال. وما يجعلني ألفت النظر إلى تعدد احتمالات الإجابة هو هذه الصيغة الاستفزازية والقاطعة للسؤال والقائلة لماذا يوجد لدينا صيام ثقافي في شهر رمضان. فعلى سبيل المثال إذا قلبنا هذه الاحتمالات في مجتمع كالمجتمع السعودي فسنجد وبالشواهد الميدانية أن العكس هو الصحيح بما يجعل من الصعب القبول بقول إن هناك حالة من الصيام الثقافي في رمضان إلا في حالة واحدة فقط وهو النظر الأحادي للثقافة والذي قد يحصرها في زاوية النشاط النخبوي لمنابر أكاديمية أو أدبية بعينها. أما إذا نظرنا أبعد من ذلك فقد يفاجأنا الموار الثقافي الذي ينشط في شهر رمضان تحديدا ويتميز بمشاركة اجتماعية متعددة لمختلف الفئات والأجيال وإن موه الطابع الاجتماعي لهذا النشاط جوهره الثقافي. فاحتفالات الأطفال في رمضان بما يسمى قرقيعان تعبير ثقافي وإن جاء في إطار اجتماعي بل هو تعبير عن ثقافة مشتركة بين الطفولة وعالم الكبار كثيرا ما يكون مهملا أو مقموعا في غير الشهر الفضيل. أيضا مشاركة النساء في اللقاء المسائي لصلاة التراويح ولقاء الهزيع الأخير في صلاة التهجد أليس هذا فعل ثقافي متجاوز للمتعارف عليه في بقية أشهر السنة من ابتعاد المرأة عن الحيز العام. أليس تواجدها في أماكن العبادة في هذا الشهر الكريم يشكل بجانب بعده التعبدي شكلا من الأشكال الثقافية الهامة لثقافة الأهلية وإحلال الحضور محل الغياب. هذا ناهيك عن ثقافة المشاركة المجتمعية التي تنشط في شهر رمضان فتخلق حالة من التفاعل الثقافي بين مختلف الأطياف والمواقع. هناك أيضا إذا استبعدنا المنابر الوعظية المكررة أو الجامدة ثقافة هامة تنشط في شهر رمضان وهي ثقافة الاستلهام التوليدي وهي عكس ثقافة التمجيد الاجتراري أو التجميدي فهو الشهر الذي يقف بين الشهور الهجرية كحالة ملهمة للفعل وللنصر وللخروج على ذل الانهزام الذاتي والعام فهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن معجزة الرسالة المحمدية، وهو الشهر الذي تحققت فيه عدد من الانتصارات.

إلا أن السؤال قد لا يخلو من صحة إذا كان المقصود توقف النشاطات الأدبية من أمسيات شعرية أو قصصية أو محاضرات مع أنني أعرف أن ذلك لا ينطبق على جميع المنتديات. فاللقاء الشهري الأحدي مثلا الذي دأبت مجموعة من السيدات السعوديات المثقفات على عقده شهريا لم يكن يتوقف في شهر رمضان وإن لم تكن مواضيعه مواضيع رمضانية إذ تتراوح من مواضيع الاقتصاد إلى قضايا التقنية. وباختصار لا بد أن يكون مخلا فأنا أرى أن شهر رمضان يخلق حالة ثقافية فيها الكثير من الجوانب المستنيرة لو عممت طوال العام إلا أنها لم تحظ حتى الآن بدراسة أبستمولوجية وسيسولوجية تتأملها وتقرأها من من منظور اجتماعي ومعرفي.

أما لو سأل سائل وهو محق عن تغلب الثقافة البصرية على الثقافة المقروءة في شهر رمضان فإني محاولتي للإجابة ستكون بالقول الغير فصل التالي: أن العلاقة بينهما أي بين الثقافة البصرية والثقافة المقروءة من الممكن أن تكون علاقة تبادلية بناءة وذلك يعتمد على البصيرة أكثر من اعتماده على بصرية الصورة أو بصرية الحرف. إما إذا كان السؤال يريد أن يشير إلى استشراء ما يسمى ب»المسلسلات الرمضانية». فلا بد أن نعترف بأن رمضان يتحول في معظم القنوات الفضائية إلى حالة من الاستنزاف الاستهلاكي للذوق العام وللحس الإبداعي. إلا أن هذا الاعتراف يجب إلا يسقط حقنا في مساءلة الأسباب الاجتماعية والسياسية بل والتجارية التي تقف وراء استشراء هذا الاستنزاف الاستهلاكي بما في ذلك تواطأ المتلقي على نفسه مع أساطين ثقافة الاستهلاك.

فيما عدا ذلك فإن الثقافة البصرية ومع التقدم التقني قد أصبحت واقعا وهي في النهاية نتاج تطور»الأوعية التقنية» والسؤال هو كيف لمجتمع أي كان أن يملأ الأوعية التقنية التي هي نتاج لتطور معرفي شاق بمادة معرفية وثقافية تتكامل مع الثقافة المقروءة في خلق ثقافة بديلة جديدة لا تستخف بالعقول ولا تعمل على تخريب ذائقة المتابع أوتلويث الوجدان بدل ما هو حاصل من تعطيل أوعية الثقافة البصرية بمادة تنشر العماء..

ونجد على مستوى محلي أن هناك محاولات جادة للتصدي لثقافة العماء ومنها على سبيل المثال برنامج ما أسميه بشحذ الهمم وتحدي السبات، برنامج» خواطر» للرجل المجتهد في التجددي أحمد الشقيري. وبعض البرامج التي تطرح رؤى نقدية وعقلانية تثور على تاريخ طويل من الوعظية الرتيبة في برامج الثقافة الدينية مثل برامج د. سليمان العودة ود. عمر خالد، وكذلك الكثير من حلقات طاش ماطش التي تتحلى بشجاعة نقدية ساخرة لكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية الجادة بمجتمعنا والتي عادة عندما يتحدث فيها الناس بالمجالس يقصرون أصواتهم ويرفعون صوت التلفزيون أو الذياع لئلا يسمعهم أحد. مما جعل هذا المسلسل أرشيف شفيف للموار الاجتماعي. وهناك أخيرا لهذا ذاكرة الجسد التي تحاول وإن لم يحالفها النجاح تماما أن تنقل القاريء من ثقافة «الحاج متولي» الاستهلاكية إلى ثقافة أقل قبولا بالمستهلك من المشاهد والموضوعات.

إلا بما أنه يندر أن أجلس في هذا الشهر الفضيل أمام شاشة التلفزيون وحتى ما ذكرته من عينة لم أتابع منه سوى لقطات فإنه ليس ادعاء أن أقول نعم نحن بحاجة في رمضان إلى ثقافة التفرغ للشهر الفضيل من ثقافة الصبر والتأمل ومجاهدة النفس وتشغيل طاقاتنا المعطلة طوال العام في العبادات والمعاملات معا.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد