Al Jazirah NewsPaper Saturday  04/09/2010 G Issue 13855
السبت 25 رمضان 1431   العدد  13855
 
رئيس الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة بأنقرة د. محمد العادل لـ(الجزيرة):
الجمعية تهدف إلى مدِّ جسور التواصل العلمي والثقافي مع العالم العربي

 

لقاء - فوزية الحربي

تعد الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون (تاسكا) أحد المنظمات الأهلية الأكثر نشاطاً في المجالات الثلاثة سواء على المستوى الرسمي وغير الرسمي حيث تسعى من خلال نشاطاتها إلى فتح آفاق أرحب في مجال التعاون المشترك بين تركيا والدول العربية.ولتسليط مزيداً من الضوء على هذه الجمعية التقت الجزيرة برئيس الجمعية الدكتور محمد العادل فكان هذا الحوار..

لو تعرّفنا بالجمعية التركيّة العربيّة للعلوم والثّقافة والفنون التي تتولّون رئاستها، وكيف تقيّمون مستوى التعاون الثقافيّ بين تركيا والعالم العربي؟

الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون (تاسكا) هي مبادرة مدنية تركية ذات صفة دولية لتكون جسرا ثقافيا بين العالمين التركي والعربي ومحاولة لإزالة الجدران الوهمية والحواجز النفسية بين العرب والأتراك العالقة منذ فترة الاستعمار وتعمل من أجل المساهمة في وضع رؤية جديدة للعلاقات التركية العربية وتهيّئ الأرضية لشراكة استراتيجية بين الطرفين، في حين نرى بأنّ علاقات التعاون الثقافي بين العالمين التركي والعربي لا تزال متواضعة جدّاً، والسبب في ذلك أن رجالات العلم والثقافة والفنون تخلّوا عن دورهم ورسالتهم وتركوها في يد الحكومات والسياسيين فقط، نحن نعتقد بأن الحكومات تمهد الطريق من خلال ما توقّعه من اتفاقيات، لكن تفعيل تلك الاتفاقيات وتحقيق التعاون الثقافي العربي التركي يبقى مرتبطا بتحرّك النخب التركية والعربية وهيئاتهم المختلفة العلمية والثقافية والفنية والمجتمع المدني والإعلام.

سميتم الجمعية «الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون» هل تتعمدون بذلك البعد عن الناحية السياسية في الجمعية؟

- نحن في الجمعية التركية العربية نتجنّب التعاطي المباشر مع السياسية أو أن نكون طرفا فيها، فجمعيتنا ليس لها أي قالب أيديولوجي ولا نسوّق لأية أيديولوجية عربية أو تركية أو غيرها ولضمان ذلك فإن مجموعة المؤسّسين للجمعية ومعظم أعضائها من مدارس فكرية مختلفة : قوميون، يساريون، لبراليون، إسلاميون، فنّانون، شعراء، أكاديميون وإعلاميون ورجال أعمال وشخصيات أخرى، فالقناعات الأيديولوجية والسياسية تبقى في نظرنا مسألة شخصية لأعضائنا ولا تلزم الجمعية بأي شكل من الأشكال.

هل بإمكان الشأن الثقافي أن يردم الهوّة بين تركيا والعالم العربي والإسلامي؟

- التقارب بين العرب والأتراك مدخل للتفاهم وحلّ جميع القضايا العالقة مهما كانت شائكة، فما كان ينقص العرب والأتراك هو الحوار، وبرغم أن العلاقات التركية العربية تشهد اليوم تقدّما نوعيا إلاّ أنّ هذا التطوّر بقي في خانة السياسي والاقتصادي فقط ولم يتجه بعد نحو مجالات العلوم والثقافة والإعلام والمجتمع المدني، ولاشكّ أن الاهتمام بهذه المجالات سيحقّق التقارب الفعلي بين الشعوب العربية والتركية وهي مسؤولية النخب والهيئات المدنية العربية والتركية، والجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون باعتبارها جسر ثقافي بين العرب والأتراك قد وضعت منذ تأسيسها رؤية واضحة لعملها تهدف لتعريف الطرف التركي بالثقافة العربية بمفهومها الشامل وكذلك تعريف الطرف العربي بالثقافة التركية، والجمعية التركية العربية تدرك جسامة هذه المسؤولية وتتعامل معها بوعي كامل لقناعتها بأنه مشروع حضاري يهدف إلى لم شمل العرب والأتراك على أرضية واحدة بعد قطيعة فرضت على الطرفين ليست على المستويين السياسي والاقتصادي فقط بل شملت كذلك الثقافة والفنون والعلوم وكل قطاعات المجتمع المدني والإعلام.

وما هي الخطوات العملية التي تقومون بها (تاسكا) لتحقيق تواصل ثقافي بين العرب وتركيا؟

- تعمل الجمعية التركية العربية على تحقيق رسالتها الحضارية برؤية استراتيجية من خلال بلورة مشروعات عملية منطلقة من إحياء المشترك بين الثقافتين العربية والتركية، وتنظيم الندوات العلمية والملتقيات الثقافية والمهرجانات والتوجّه لتحقيق مشروعات التوأمة بين الجامعات التركية والعربية وكذلك مراكز الدراسات والأبحاث وقطاعات المجتمع المدني بما فيها البلديات التي نعتبرها جزءا لا يتجزّأ من المجتمع المدني، بالإضافة إلى المساهمة في تحقيق التواصل والتعاون بين المؤسسات الإعلامية التركية والعربية، وكذلك تنشيط حركة الترجمة من اللغتين التركية والعربية ليتعرّف كلّ طرف على إنتاج المفكّرين والأدباء والمبدعين في الطرف الآخر.

تقومون بمشروعات تعاون لترجمة كتب من العربية إلى التركية والعكس ونشرها، هل يمكن أن يحقق هذا الأمر تواصلا حقيقيا بين العرب والأتراك؟

- بناء جسور التواصل بين الثقافتين العربية والتركية يستوجب انطلاقة واعية لتنشيط حركة الترجمة على مستويات عدة وفي مختلف المجالات حيث أن معظم ما ترجم من اللغة العربية إلى التركية حتى الآن هي كتب ذات طابع ديني بالدرجة الأولى، وما تحتاجه الساحة التركية هو العمل على ترجمة إبداعات المفكرين العرب وأدبائهم وعلمائهم إلى اللغة التركية حتى نسهّل على الباحثين الأتراك عملية الاطلاع على حركة الفكر والثقافة في البلاد العربية ونجنّبهم اللجوء إلى المصادر الغربية عن البلدان العربية والتي في الغالب لا تكون أمينة في نقل صورة العرب وثقافتهم، وكذلك الشأن بالنسبة لتنشيط حركة الترجمة من اللغة التركية إلى العربية ليتعرّف الإنسان العربي على عمق الثقافة التركية، وبالتالي نساهم في تحقيق التواصل الثقافي والفكري بين النخب التركية والعربية..

هل هناك تجاوب من المؤسسات العربية والتركية مع مشروع جمعيتكم لتنشيط حركة الترجمة من اللغتين العربية والتركية؟

- تصلنا عروض كثيرة من الكتّاب الأتراك والعرب لترجمة إنتاجاتهم الفكرية والثقافية والأدبية وغيرها، لكنّ ما نحتاجه في هذه المرحلة هو المبادرة من قبل الهيئات والمؤسسات الحكومية والأهلية والشخصيات المعنية بالفكر والثقافة والترجمة لتبنّي مشروع الترجمة أو أقسام منه وفق اهتمامات كلّ طرف، لأن تنشيط حركة الترجمة يحتاج إلى عمليات تمويلية ومتابعات مع المترجمين المحترفين ودور النشر المختصة والمؤلفين وغيرهم، لذلك نحن نؤكّد في الجمعية التركية العربية استعدادنا الكامل للتعاون مع أية شخصية أو هيئة حكومية أو أهلية ترغب في التعاون معنا لإنجاز مشروع ترجمة لأي إنتاج فكري أو ثقافي أو أدبي له علاقة مباشرة بالثقافتين العربية أو التركية.

ونودّ الإشارة هنا إلى أن الجمعية التركية العربية تطرح اليوم مشروعا طموحا لإعداد قاعدة بيانات عن البلدان العربية باللغة التركية حيث إن جميع البلدان العربية محتاجة إلى ترجمة مجموعة من الكتب إلى اللغة التركية تعرّف بكلّ بلد وتاريخه الحديث وشخصياته الوطنية وإمكاناته الاقتصادية وخصائصه الثقافية.

تحدثتم عن مشروع لنشر اللغة العربية في تركيا، هل هناك إقبال حقيقي على اللغة العربية في تركيا؟

- قد أعلنت الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون عن مشروع طموح يهدف لنشر اللّغة والثقافة العربية في تركيا ويسعى هذا المشروع إلى تسجيل حضور إيجابي وفاعل للغة والثقافة العربية في الساحة التركية نظرا للإقبال الكبير من قبل مختلف الأوساط الرسمية والشعبية في تركيا على تعلّم اللغة العربية، ويأتي مشروع نشر اللغة العربية لدعم توجّه المؤسسات الرسمية والشعبية في تركيا وانفتاحهم على اللّغة والثقافة العربية ودعم مؤسسات تعليم اللّغة العربية في تركيا من خلال توفير المناهج والأساليب المتطورة لتدريس اللغة لغير الناطقين بها، وإقامة الدورات الخاصة للمدرّسين الأتراك لاسيما العاملين في أقسام اللغة العربية في الجامعات التركية ومعاهد الأئمة والخطباء والمدارس الثانوية، ودعم الدورات الشعبية للّغة العربية التي تشرف عليها الجمعية التركية العربية ومختلف الأوقاف والهيئات في أنحاء تركيا، ونشير هنا إلى أنّه يوجد ما يزيد عن 25 قسما للغة العربية في الجامعات التركية، قمنا بزيارة بعضها للاطّلاع على أوضاع هذه الأقسام فوجدناها للأسف تعيش حالة من اليتم بسبب إهمال العرب للغتهم وعدم السعي لدعم هذه الأقسام التي تتولّى تخريج أساتذة اللغة العربية في تركيا، وقد اشتكى معظم الأساتذة العاملين في أقسام اللغة العربية في الجامعات التركية من عدم اهتمام البلدان العربية بدعم اللغة العربية في تركيا وعبّروا عن أسفهم لعدم تواصل الجامعات العربية بهم لاسيما الكلّيات والمعاهد والهيئات المعنية باللغة العربية المنتشرة في أنحاء العالم العربي، لذلك تدعو الجمعية التركية العربية أصحاب الغيرة على اللغة العربية من هيئات حكومية وأهلية وشخصيات علمية إلى التعاون معنا من أجل إعادة الاعتبار للغة العربية في الساحة التركية.

وماذا عن الآليات التي تعرضها جمعيتكم لنشر اللغة العربية في تركيا؟

- من أهمّ الآليات التي تطرحها الجمعية التركية العربية لنشر اللغة والثقافة العربية في الساحة التركية هو ضرورة العمل على تأسيس وقف للغة العربية في تركيا يساهم في دعم اللغة العربية ومؤسساتها ويهيّئ الأرضية لإقامة أكاديمية للّغة والثقافة العربية في العاصمة التركية أنقرة لتكون صرحا علميا وأكاديميا وثقافيا يعزّز حضور اللغة والثقافة والفنون العربية في الساحة التركية.

هذه الآليات التي ذكرتموها تصنع تواصلاً بين فئة المثقفين العرب والأتراك، إذن ماذا بشأن المواطن العادي؟

- لاشكّ أن عمل الجمعية التركية العربية يبقى نخبوياً وموجّهاً بالدرجة الأولى لرجال الفكر والثقافة والإعلام في الطرفين العربي والتركي، وذلك بسبب عمق القطيعة التي فرضت على الجانبين وهو ما يستوجب في هذه المرحلة مخاطبة الخاصة وليس العامّة، لأن الهدف هو التأسيس لأرضية متينة للتواصل والتعاون التركي العربي، كما أننا نسعى لإيجاد قناة فضائية تركية الناطقة بالعربية فهي مشروع طموح تسانده الجمعية التركية العربية بشدّة، والجمعية كانت أول هيئة دعت إلى تأسيس قناة من هذا النوع لتعزّز التواصل بين العرب والأتراك، ونحن واثقون من نجاح هذا المشروع الكبير والحضاري، وما نتمنّاه أيضا أن نرى مستقبلاً فضائية عربية ناطقة باللغة التركية لتكون سفيرا للثقافة العربية لكلّ الأتراك، وأعتقد أن الإمكانات العربية المادية والبشرية قادرة على إنجاز مشروع من هذا النوع لتساهم في تعزيز التواصل الثقافي بين الطرفين التركي والعربي.

ونوجه الدعوة للفضائيات العربية البث عبر الأقمار التركية لأن هذا سيساهم في نشر اللغة والثقافة العربية في تركيا حيث إن قسماً كبيراً من المشاهدين الأتراك شغوفون للاستماع للغة العربية.

في الفترة الأخيرة انتشرت الدراما التركية في العالم العربي بشكل كبير وحازت على نسبة مشاهدة عالية جداً، بماذا تفسر ذلك؟ وهل هو نوع من التواصل الثقافي أيضا بين العرب وتركيا؟

- من المهم التوضيح أن المحتوى العام الذي تعرضه معظم المسلسلات التركية في الفضائيات العربية هو مثار جدل في الساحة التركية لأن ما يعرض في الغالب يعكس حالات فردية لا ترتبط بالتركيبة الثقافية أو السلوك الاجتماعي العام للمجتمع التركي، ولا شكّ أن العوامل التجارية وأولويات الربح المادي قد تكون وراء البحث عن هذه النوعية من المسلسلات، برغم أن تركيا تزخر بمسلسلات وأفلام أخرى يشيد أهل الاختصاص برقيّ مضمونها وبنائها الفنّي، لكنّ اهتمام المشاهد العربي بما يعرض من مسلسلات تركية يعكس شغف الإنسان العربي للتعرّف عن تركيا، وفي تقديري يمكن للمنتجين الأتراك استثمار هذا الإقبال العربي على المسلسلات التركية لإنتاج أعمال درامية تكون أقرب إلى واقع عموم الأتراك وتعكس العمق الثقافي والاجتماعي للإنسان التركي.

كيف يدعم التواصل التركي العربي عن طريق «الفن»؟

- الفنون هي وسيلة رئيسية للتواصل بين الشعوب وتحقيق الحوار الثقافي، لذلك يشكّل الفنّ اليوم واحدا من أبرز أدوات الدبلوماسية الشعبية في العالم، وندعو دوماً إلى أهمّية المشاركات الفنية العربية في المهرجانات التركية بالإضافة إلى إقامة مهرجان دوري للثقافة والفنون العربية في الساحة التركية.

دعت الجمعية التركية العربية لتنظيم المنتدى التركي العربي للإعلام، هل من تفاصيل أكثر عن هذا المشروع؟

- تخطّط الجمعية التركية العربية بأنقرة لتنظيم المنتدى التركي العربي الأول للإعلام والاتصال في تركيا خلال العام 2010 وذلك بالتعاون مع الإدارة العامة للإعلام في تركيا والمؤسسة التركية للاتصالات والشراكة مع العديد من الهيئات الإعلامية التركية والعربية.

ويهدف هذا المنتدى إلى تحقيق التواصل والتعاون بين الإعلاميين الأتراك والعرب ومؤسساتهم الإعلامية المختلفة، وذلك لبحث الآليات لمدّ جسور إعلامية مباشرة بين العرب والأتراك بما يساهم في تدفّق الأخبار الدقيقة والمعلومات الموثوقة بين الطرفين، الأمر الذي سيعزّز الثقة بين الجانبين ويحقّق المزيد من التقارب والتعاون ويهيّئ أرضية متينة لإقامة شراكة استراتيجية بين الأتراك والعرب، وسيتناول المنتدى التركي العربي الأول للإعلام والاتصال أيضا المجالات المتاحة لإقامة الاستثمارات المشتركة بين الأتراك والعرب في قطاع الإعلام والاتصال، وينتظر أن يشارك في المنتدى العديد من هيئات الإذاعة والتلفزيون الحكومية ووكالات الأنباء الرسمية بالإضافة إلى الفضائيات الخاصة والصحافة المكتوبة والإلكترونية ومختلف الهيئات الإعلامية من جمعيات صحفية ونقابات مهنية للإعلاميين والهيئات الأكاديمية ومراكز الدراسات ذات العلاقة بقطاع الإعلام والاتصال، وستكون المشاركة في أعمال المنتدى التركي العربي الأول للإعلام والاتصال متاحة لكلّ من يرغب من الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية التركية والعربية.

ما هي أبرز مشروعات الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون؟

- من أبرز مشروعات الجمعية التركية العربية (تاسكا) في المرحلة المقبلة:هو تنشيط حركة الترجمة من العربية إلى التركية ومن التركية إلى العربية، وتنظيم أيام للأدب العربي في الساحة التركية وأيام للأدب التركي في عدد من العواصم العربية، وتنظيم ندوات علمية لتطوير وتوثيق العلاقات الثنائية بين تركيا ومختلف البلدان العربية، بالإضافة إلى تحقيق التوأمة بين عدد من الجامعات التركية والعربية، وتنشيط التعاون بين مراكز الدراسات والأبحاث التركية والعربية، إلى جانب إعداد قاعدة معلومات عن البلدان العربية باللغة التركية، وتنظيم المنتدى التركي العربي الأول للإعلام والاتصال ومنتدى للأدباء والشعراء والأتراك والعرب.

وتجدر الإشارة إلى العمل على دعم حضور اللغة العربية في الساحة التركية ودعم حضور اللغة التركية في البلدان العربية وللجمعية التركية العربية مشروع طموح جدّا يهدف لتأسيس وقف للغة العربية في الساحة التركية يتولّى تأسيس أكاديمية للّغة والثقافة العربية في تركيا تكون منارة لخدمة اللغة والثقافة والفنون العربية في تركيا وآسيا الوسطى والبلقان.

نلاحظ في الآونة الأخيرة تحول التوجه التركي نحو الاهتمام بالعالم العربي وتمهيد أرضية سياسية وثقافية واجتماعية مشتركة.. بماذا تصفون هذا التوجه؟

- التوجّه التركي الجديد نحو البلدان العربية والإسلامية والإفريقية لا يعكس رؤية حكومة حزب العدالة والتنمية بمفردها وإنّما يعكس رؤية الدولة التركية بمختلف مؤسساتها، والسياسة الخارجية التركية تعرض دوما تصوّراتها على مجلس الأمن القومي التركي الذي يجمع مختلف المؤسسات الدستورية في الدولة التركية، لذلك فإنّ سعي الحكومة نحو إقامة علاقات استراتيجية مع البلدان العربية والإسلامية هدف تسعى إليه تركيا.

كثيراً ما يردّد البعض معارضة أوساط تركية للتوجه التركي الجديد نحو البلدان العربية والإسلامية، فما صحة ذلك؟ وهل هذا التوجه الجديد لأنقرة ردّة فعل على الرفض الأوروبي لعضوية تركيا؟

- لا شكّ أن هذا التوجّه الجديد لتركيا للمصالحة مع محيطها العربي والإسلامي يزعج بعض الأطراف الداخلية والخارجية، ويحاول أن يصوّره البعض على أنّه محاولة من أنقرة للبحث عن بدائل للاتحاد الأوروبي بعد مماطلة العواصم الأوروبية بشأن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وقد يكون هذا الرفض الأوروبّي المقنّع واحدا من الأسباب التي دفعت أنقرة لمراجعة العديد من خياراتها لكنّه بكلّ تأكيد ليس السبب الرئيسي، وتقديري الشخصي أن قناعة الدولة التركية بأنّ أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية مرتبطة أكثر بمحيطها العربي والإسلامي هي التي تدفعها اليوم لإقامة شراكة استراتيجية مع البلدان العربية والإسلامية والإفريقية أيضا.

في ظلّ هذه التحولات التي تشهدها تركيا من الداخل والموقف الأوروبي المتردد، كيف ترون مستقبل مشروع تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي؟

- من الواضح أن مساعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي قد وصلت إلى طريق مسدود فالرفض الأوروبي أصبح علنيا، وخاصة الموقف الفرنسي، بالإضافة إلى الرفض الشعبي المتزايد في أوروبا لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، والمفارقة العجيبة أن معظم العواصم الأوروبية التي ترفض أو تماطل في قبول تركيا عضوا كاملا في الاتحاد الأوروبي تسعى في الوقت نفسه إلى إبقاء تركيا معلّقة بآمالها تجاه أوروبا. وهو ما يؤكّد بأنه ليس هناك حتّى اليوم موقفا أوروبيا موحدا تجاه تركيا، لكن من الجانب التركي أصبحت مسألة العضوية في الاتحاد الأوروبي من أكثر الملفات جدلا في الساحة التركية، وبدأ التيّار الشعبي المعارض للعضوية يتعاظم في تركيا وحجّته في ذلك أن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي ستفقد تركيا استقلالها وستجعلها مجرد تابع لخيارات الاتحاد الأوروبي التي قد تتعارض في كثير من الأحيان مع مصالح تركيا، بالإضافة إلى أن هذا التيار التركي المعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يرى بأن تركيا لم تعد بحاجة للأوروبيين خاصة من الناحية الاقتصادية، وهذا التيار يدرك بأن الرفض الأوروبي لعضوية تركيا مبعثه الخوف من الهوية الإسلامية لتركيا وموروثها الحضاري، بل إن العديد من القيادات التركية ترى أن مسيرة العضوية في الاتحاد الأوروبي هي مجرّد مرحلة لاستثمار الضغوط الأوروبية لتحقيق المزيد من الإصلاحات السياسية في الداخل لتقليص هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي في أنقرة ودفع حركة الديموقراطية في البلاد، وحال تحقّق ذلك قد تطلب تركيا رسميا التخلّي عن مطلب العضوية في الاتحاد الأوروبي.



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد