عند دراسة النصوص المختلفة في كتب الأنساب والبلدان واللغة يتكشف لنا جانب من صور الحياة الاجتماعية في منطقة نجد.. وتتبين لنا بعض الخفايا والإشكاليات.
ومما يشكل على بعض القراء عند دراسة البلدان قديماً أن تجد نصوصاً تنسبها إلى قبائل معينة وفي مصادر أخرى تنسب إلى قبيلة أخرى مما يعتقد البعض أنها مواضع متباعدة ومختلفة ومع حدوث التشابه في بعض الأحيان إلا أنه لا بد من دراسة النصوص من مصادر مختلفة.
وسوف نتحدث في هذا الموضوع عن نشأة جراب قديماً وما ورد فيها من أحداث، وجراب أحد البلدان الموجودة في الشمال الشرقي من بلد الزلفي شرقي نفود الثويرات.. وقد ذكر الشيخ حمد الجاسر -رحمه الله- أن اراب القديمة هي جراب الحالية.
ولجراب أحداث تاريخية قديمة جداً تصل حسب المصادر التاريخية والأنساب إلى أكثر من 15 قرناً.
سكنى اراب قديماً
في كتاب بلاد العرب للحسن الأصفهاني قال: اراب متياسر عن الجفر مصعدة في شق رمل يسكنها بنو عمرو بن جندب وأخلاط معهم وفي موضع آخر قال ماء لبني العنبر.
وقال نصر ماء من مياه بني العنبر كانوا ينازعون فيه.
أما ياقوت الحموي فقد أوضح في كتابه معجم البلدان: اراب ماء لبني رياح بن يربوع بالحزن كما أشار إلى غزو الهذيل التغلبي لبني رياح في يوم اراب مما يعني أنهم قد سكنوا فيها.
ومع دراسة النصوص من مصادر مختلفة تبين لنا نشأة اراب قديما.
حفر بنو العنبر ركية اراب
عندما نزل بنو العنبر بن عمرو بن تميم اراب قاموا بحفر ركية في هذا الموضع والركية البئر جمعها ركي وركايا وقد نهلوا من ماء هذا المورد فترة من الزمن ثم نزحوا عنها فترة طويلة من الزمن.
قدوم بني رياح بن يربوع إلى اراب
لما هجرت بنو العنبر اراب قدم إليها أناس من بني رياح بن يربوع من بني حنظلة من تميم ونزلوا فيها وكان وجود الماء من أسباب نزولهم فيه
إغارات بنو رياح وتغلب على بعضهم البعض
بعد توفر الماء في اراب أصبحت مسرحاً لغارات القبائل بعضها على بعض لذا وقع فيها يوم من أيام العرب سُمي باراب حيث أغار جزء بن سعد الرياحي ببني يربوع على بكر بن وائل وهم خلوف أي غياب الرجال عن القبيلة سواء للرعي وبقاء النساء والصبيان وكبار السن، فأصاب سبيهم وأموالهم ثم بعد ذلك أغار الهذيل بن هبيرة التغلبي على بني يربوع وهم خلوف فأصاب سبيهم وأموالهم فالتقيا على اراب، فاصطلحا على أن خلى جزء بن سعد ما في يديه من سبي بكر بن وائل وأموالهم وخلى الهذيل بن هبيرة سبي بني يربوع وأموالهم، وخلوا بين الهذيل وبين الماء فسقى خيله وإبله وشرب هو واصحابه.
وفي هذا اليوم يقول الشاعر الشهير جرير:
ونحن تداركنا ابن حصن ورهطه
ونحن منعنا السبي يوم الأراقم
وفيه يقول الفرزدق:
وكأن رايات الهذيل إذا بدت
فوق الخميس كواسر العقبان
وردوا اراب بجحفل من وائل
لجب العشي ضبارك الأركان
ومعنى ضبارك أي شديدة وضخمة
رجوع بني العنبر لايراب
عاد بنو العنبر إلى اراب فوجدوا بني رياح قد استقروا فيها وقد حصل خلاف بينهم كل يدعي أن اراب له ولدرء الخلاف والنزاع كان لا بد من عرض القضية على محكم من العرب.
المحكم يبت في موضوع الخلاف
كان المحترب بن أوس من بني حرثان بن ثعلبة الضبي ممن يقضون بين العرب في خلافاتهم وكانت له كلمة مسموعة.
اختصم عنده الأعور بن بشامة العنبري عن بني العنبر ضد بني رياح بن يربوع وقد بين أن اراب كانت ركية قد احتفرها قومه.. أما بني رياح فقد ذكروا أنهم وجدوا بئراً مهجورة فسكنوا بجانبها وأصلحوا فيها، فكر المحترب في القضية وقرر الحكم التالي:
- إعادة اراب لأصحابها الأصليين وهم بنو العنبر بن عمرو بن تميم.
- يدفع بنو العنبر إبلاً تعويضاً لبني رياح بن يربوع عما أصلحوه عند هذه الركية.
لم يرق الحكم لإمرأة من بني رياح
فقالت:
وكانت اراب لنا مرة
فأضحت اراب لبني العنبر
ومن هنا يتبين لنا صحة من قال إن إراب لبني رياح بن يربوع وكذلك من قال إن إراب لبني العنبر.
هذا ما أحببت إيضاحه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المراجع:
1 - انساب الإشراف للبلاذري
2 - النقائض لأبي عبيدة التيمي
3 - بلاد العرب للحسن الأصفهاني
4 - معجم البلدان لياقوت الحموي
5 - معجم اليمامة لعبد الله بن خميس
محمد بن عبد العزيز الفيصل
الرياض - السويدي