Al Jazirah NewsPaper Thursday  09/09/2010 G Issue 13860
الخميس 30 رمضان 1431   العدد  13860
 
يوميات خير الصائمين
الشيخ علي بن جده منقري

 

الحمد لله الذي شهدت بوجوده آياته الباهرة، ودلت على كرمه وجوده نعمه الظاهرة والباطنة، وسبحت بحمده الأفلاك الدائرة والرياح السائرة والسحب الماطرة والرياض الناضرة، والصلاة والسلام على رسول الله خير من صلى وصام وطاف بالبيت الحرام، اللهم صَلِّ وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك محمد خير الصائمين وعلى آله وأصحابه والتابعين.

فقد وصل بنا الحديث في المقالة الماضية إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتجهز للقتال، وأخبرهم بما يريد، واستنفر من حوله من القبائل، وقال «اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نبغتها في بلادها»، ثم خرج من المدينة بنحو عشرة آلاف مقاتل، ولما كان في أثناء الطريق لقيه في الجحفة عمه العباس بأهله وعياله مهاجراً مسلماً.

وفي مكان يسمى الابواء لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب وابنُ عمته عبدالله أبن ابي أمية، وكانا من أشد أعدائه، فأسلما فقبل منهما، وقال في أبي سفيان «أرجو أن يكون خلفاً من حمزة».

ولما بلغ صلى الله عليه وسلم مكاناً يسمى مَر الظهران قريباً من مكة أمر الجيش فأوقدوا عشرة آلاف شعلة، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وركب العباس بغلة النبي صلى الله عليه وسلم ليلتمس أحداً يبلغ قريشاً ليخرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيطلبوا الأمان منه ولا يحصل القتال في مكة البلد الأمين، فبينما هو يسير سمع كلام أبي سفيان يقول لهديل بن ورقاء ما رأيت كالليلة نيراناً قط، فقال هديل هذه خزاعة، فقال أبو سفيان خزاعة أقل من ذلك وأذل، فعرف العباس صوت أبي سفيان فناداه فقال: مالك يا أبا الفضل. قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس. قال: فما الحيلة؟ قال العباس: اركب حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك يا أبا سفيان. أما آن أن تعلم أن لا اله إلا الله. فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، لقد علمت أن لو كان مع الله غيره لأغنى عني. قال أما آن لك أن تعلم أني رسول الله. فتلكأ أبو سفيان. فقال له العباس: ويحك أسلم. فأسلم وشهد شهادة الحق.

ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس بأن يوقف أبا سفيان بمضيق الوادي عند خطم الجبل حتى يمر به المسلمون، فمرت به القبائل على راياتها، ما تمر به قبيلة إلا سأل عنها العباس فيخبره فيقول مالي ولها، ثم مضى صلى الله عليه وسلم وأمر بأن تركز رايته بالحجز، ثم دخل مكة فاتحاً مؤزراً منصوراً قد طأطأ رأسه تواضعاً لله - عز وجل - حتى أن جبهته تكاد تمس رحلة، وهو يقرأ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} ويُرجعها.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على مجنبة خالد بن الوليد وعلى الأخرى الزبير بن العوام وقال من دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل بيته وأغلق بابه فهو آمن. ثم مضى صلى الله عليه وسلم حتى أتى المسجد الحرام فطاف به على راحلته، وكان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يطعنها بقوس معه ويقول: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}، {قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}.

والأصنام تتساقط على وجوهها، ثم دخل صلى الله عليه وسلم الكعبة فإذا بها صور فأمر بها فمُحيت ثم صلى فيها، فلما فرغ دار فيها وكبر في نواحيها ووحّد الله - عز وجل - ثم وقف على باب الكعبة وقريش تحته ينتظرون ما يفعل، فأخذ بعضادتي الباب، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده.

يا معشر قريش، إن الله قد اذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا خيراً أخٌُُ كريم، وابن أخ كريم. قال فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوانه {لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم}، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

ولما كان اليوم الثاني من الفتح قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً في الناس، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب.

وكانت الساعة التي أحلت فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم من طلوع الشمس إلى صلاة العصر يوم الفتح، ثم أقام صلى الله عليه وسلم تسعة عشر يوماً يقصر الصلاة، ولم يصم بقية الشهر؛ لأنه لم ينوِ قطع السفر، وأقام ذلك لتوطيد التوحيد ودعائم الإسلام وتثبيت الإيمان ومبايعة الناس. وبهذا الفتح المبين تم نصر الله، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وعاد بلد الله بلداً إسلامياً.

وإذا قلنا إن فتح مكة يحمل من الدلالات والفوائد والعبر ما لا يحيط به كتاب فضلاً عن أن يحيط به حلقة كهذه، فحسبنا في هذا المقام أن نقف عند بعض الفوائد والدلائل التي حملها ذلك الحدث التاريخي لنعرف أهميته في تاريخ الإسلام، وندرك مكانته في مسيرة الدعوة إلى الله سبحانه. ومن أولى فوائد فتح مكة أنه انتزع تلك البقعة المباركة من براثن الشرك وضمها إلى حمى التوحيد، فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فكان من أول ما فعل أن كسر الأصنام المنصوبة حول الكعبة المشرفة، وهو يردد قوله تعالى: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}، ويردد {قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}، وصعد بلال على سطح الكعبة.

وكان من فوائد هذا النصر المبارك زيادة إيمان المؤمنين بتحقق وعد ربهم دخول البيت والطواف به بعد أن منعهم منه المشركون، فقال سبحانه: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ}. ومن فوائد فتح مكة اكتساب المسلمين شرف حمايته. ومن أهم الدلالات التي أفصح عنها فتح مكة موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها الذين ناصبوه العداء منذ أن بدأ بتبليغ دعوته، فبعد أن أكرمه الله - عز وجل - بدخول مكة توجَّه إلى أهلها ليقول لهم «ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا أخ كريم وابن أخ كريم، قال «اذهبوا فأنتم الطلقاء»



 


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد