(1) (الحملة الصليبية الأولى) 490هـ-1097م
تُعَدُّ فترة الحروب الصليبية من أهم الفترات التاريخية التي مرت على المسلمين في بلاد المشرق الإسلامي، بسبب الأحداث التي وقعت بينهم وبين الصليبيين. ولما لهذه الفترة من أهمية لدى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، هدفت من كتابة هذه المقالات للتعريف بتلك الحملات الصليبية وماهيتها، وكيف تمكَّن المسلمون بجميع أسلحتهم الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية من مواجهة تلك الأخطار الصليبية؟ وكذلك هدفت أيضاً محاولة لإعادة قراءة تاريخ تلك الحقبة الزمنية من تاريخنا الإسلامي وعرضها بصورة موجزة، لاستلهام العبر والفائدة من تلك الأحداث، وكذلك ليتمكن محبو التاريخ وغيرهم من استرجاع المعلومات التاريخية لتلك الأحداث والتي هي موجودة في أذهانهم من خلال دراساتهم السابقة، أو من خلال اطلاعاتهم وقراءتهم للتاريخ بصفة عامة، وخاصة ونحن نعيش فترة روحانية في شهر رمضان المبارك. وأردت أيضاً من هذه المقالات التعريف بالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشها المسلمون إبان الاحتلال الصليبي لبلادهم، وكيف تمكنوا من بناء أنفسهم عسكرياً واقتصادياً عندما أحسوا بالخطر والذل والهوان بوجود الصليبيين على أراضيهم؟ ومن ثم مواجهتهم عسكرياً وإنزال الهزائم المتوالية بهم، حتى تمكنوا من طردهم من البلاد الإسلامية نهائياً سنة 690هـ /1291م، بعد قرنين من الزمان منذ قدومهم للبلاد الإسلامية.وقد اختلف المؤرخون في ماهية الحروب الصليبية، فبعضهم يرى أن هدفها كان اقتصادياً بحتاً، وآخرون يرون أن هدفها ديني صرف، والبعض يرى أن هدفها كان مجموعة دوافع كثيرة منها: الدينية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. عموماً بدأت الحملة الصليبية الأولى سنة 490هـ /1097م عندما نادى بها البابا أوربان الثاني في مجمع كليرمونت بجنوب فرنسا، حيث دعا إلى تخليص الأراضي المقدسة التي في بلاد الشام من المسلمين، ووجد هذا النداء صدىً واسعاً من الصليبيين في أوروبا. توجهت الحملة الصليبية من الغرب الأوروبي في جيش كبير مقسم إلى أربعة أقسام، حيث افترقوا في مسيرهم وحددوا مدينة القسطنطينية موعد التقائهم. وأثناء مسيرهم من القسطنطينية متجهين إلى البلاد الإسلامية تمكنوا من السيطرة على مدينة نيقيه، وكذلك تمكنوا من السيطرة على مدينة الرها، وأسسوا بها أول إمارة صليبية في الشرق الأدنى.
وفي شهر رجب من سنة 491هـ/ يونيو 1098م تمكنوا أيضاً من الاستيلاء على مدينة أنطاكية بعد حصار دام ثمانية أشهر، برغم التوسلات التي طلبها أميرها المسلم (ياغي سيان) من البلاد الإسلامية المجاورة له لنجدته، إلا أن القادة المسلمين في تلك الفترة كانوا يمرون بحالة من الضعف والهوان ولم يقدموا المساعدة السريعة للمسلمين في أنطاكية، وتذكرُ المصادر التاريخية أن الصليبيين ارتكبوا جريمة كبيرة عند دخولهم أنطاكية حيث ذبحوا أغلب سكانها من المسلمين. وفي بداية سنة 492هـ/1098م واصل الصليبيون مسيرهم إلى بيت المقدس، وأثناء طريقهم تمكنوا من الاستيلاء على معرة النعمان القريبة من مدينة حمص الحالية وسلبوا المدينة وقتلوا ما يقارب العشرين ألف من أهلها ما بين رجل وامرأة وصبي.
كان الأمراء العرب في بلاد الشام آنذاك قد أدركوا خطورة الصليبيين، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يتوحدوا بسبب خلافاتهم المذهبية والسياسية، فآثروا إتباع سياسة المهادنة مع الصليبيين ومحاولة التوصل معهم إلى اتفاقات تحافظ على أوضاعهم وكياناتهم السياسية. وكان قادة الصليبيين يعانون أيضاً من ضغوطات كبيرة من العامة المرافقين لهم بسرعة التوجه إلى بيت المقدس مما جعلهم يقبلون بتلك الاتفاقات التي قُدمت لهم من بني منقذ صاحب شيزر، ومن صاحب حمص وصاحب طرابلس وحاكم بيروت، وباقي المدن الإسلامية التي مروا بها. وقد استفاد الصليبيون من هذه الاتفاقات التي عُقدت مع حكام تلك المدن الإسلامية استفادة كبيرة، حيث ضمنوا تحييد الأمراء العرب المؤثرين في الوضع السياسي آنذاك، حيث كانت مدنهم تقع على الطريق الذي سلكه الصليبيون إلى بيت المقدس، وكان بإمكانهم التصدي لهم وإعاقة تحركهم، إلا أنهم لم يقدموا أي دور يُذكر. واصل الصليبيون مسيرهم إلى بيت المقدس دون مقاومة تُذكر من المدن الإسلامية وبخاصة من مصر التي كان يسيطر عليها العبيديون في تلك الفترة، وفي 17 رجب 492هـ/ 7 يونيو 1099م وصل الصليبيون إلى بيت المقدس وفرضوا الحصار من الجهة الغربية والجنوبية لبيت المقدس، واستمر حصارهم حوالي أربعين يوماً، وعندما أدرك حاكم بيت المقدس افتخار الدولة مدى صعوبة مقاومة الحصار المفروض عليه وكذلك تأخر المساعدات من مصر وغيرها لجأ إلى التفاوض مع الصليبيين، واتفق معهم أن يسمحوا له وحاميته بالخروج إلى مدينة عسقلان وتسليمهم المدينة، وبهذا الاتفاق تمكن الصليبيون من دخول بيت المقدس واستباحة أهلها وقتل معظم المسلمين الذين بها، حيث قُدر عدد القتلى من المسلمين بحوالي عشرين ألفاً من الرجال والنساء والأطفال. ويُعد احتلال الصليبيين لبيت المقدس نقطة تحول كبرى في تاريخ المسلمين لتلك الفترة.
وعقب استيلاء الصليبيين على بيت المقدس اختاروا جودفري دي بويوان أن يكون حامي الضريح ببيت المقدس، واستمر حتى وفاته سنة 493هـ/ 1100م، ومن ثم خلفه أخوه بلدوين الأول حاكماً لبيت المقدس حتى وفاته سنة 512هـ- 1118م. وقد نجح الصليبيون في تنفيذ خطتهم، وهو الاستيلاء على بيت المقدس، وقد ساعدهم في ذلك انشغال حكام المدن الإسلامية بمصالحهم الشخصية، وعدم اهتمامهم بالصليبيين آنذاك، حيث لم تكن ردة فعلهم قوية جداً تجاه الأعمال التي قام بها الصليبيون في البلاد الإسلامية من النهب والقتل والسلب، ولم يعترض طريقهم أحد من قادة تلك المدن، بل وجد الصليبيون الطريق مفتوحاً وسالكاً أمامهم إلى بيت المقدس، وبهذا تحقق هدف الحملة الصليبية الأولى وهو الاستيلاء على بيت المقدس.