في عدد الجزيرة 13822 تاريخ 21 من شهر شعبان 1431هـ قرأت ما كتبه حمود بن عبدالعزيز المزيني بعنوان.. وهل هنالك شيء اسمه الطب النبوي؟ فزعم أن الطب المسمى النبوي ما هو إلا خلاصة ما توصل إليه علم الطب في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - واستخدمه هو وأصحابه رضي الله عنهم وتداوى به الناس في ذلك الزمن. وقال إن نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إنما بُعث هادياً ومبشراً ونذيراً، كما جاء في محكم التنزيل ولم يُبعث طبيباً بشرياً يُشَخِّص الأمراض ويصفُ لها الأدوية. إلى أن قال: إن تسمية ذلك الطب بالطب النبوي وكأنه موحى به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من فاطر السموات والأرض فيه خطر عظيم ومجازفة كبيرة لا سيما إذا ما توصل العلم الحديث والطب المعاصر إلى خطأ التداوي بوصفة معينة من تلك الوصفات وما أكثرها وأثبت خطرها بعد الدراسات العلمية والتجارب المعملية والمخبرية، فيساء بذلك إلى ديننا الحنيف ويقع المتبنون لهذا المنهج في موقف لا يُحسدون عليه. فالطب واحد من العلوم الدنيوية التي توصل إليها البشر بالدراسة والبحث وطول التجربة، وهو في تطور مستمر واكتشافات متجددة على مر العصور.
وتستدل على زعمك بأن الطب دُنيوي ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنتم أعلم بأمور دنياكم). وهذا قول لا يمتُّ إلى الحقيقة بصلة، ثم إنك لم تأتِ بهذا الحديث من بدايته وهو الحديث الذي أخرجه الأمام مسلم في صحيحه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن ثابت عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «مرَّ بقوم يلقِّحون فقال لو لم تفعلوا لصلح، قال فخرج شيصاً، فمرَّ بهم فقال ما لنخلكم؟ قالوا قلتَ كذا وكذا قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم». قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم «أما ما قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم ورآه شرعاً يجب العمل به، وليس أبار النخيل من هذا النوع. وفي الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررتُ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوم على رؤوس النخل فقال «ما يصنع هؤلاء فقالوا يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح، فقال الرسول ما أظن يغني ذلك شيئاً، فأُخبروا بذلك فتركوه، فأُخبر الرسول بذلك فقال إن كان ينفعهم ذلك فليضعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل». قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم: قال العلماء ولم يكن هذا القول خبراً وإنما كان ظناً وقالوا رأيه - صلى الله عليه وسلم - في أمور المعايش وظنه كغيره فلا يمتنع وقوع مثل هذا. وتمضي في مقالك وتقول إن ما استخدمه النبي - صلى الله عليه وسلم - من علاجات إنما هو لكونها هي الأدوية المتوفرة والمعروفة في عصره وغاية ما توصل إليه المعالجون أو أطباء ذلك الزمان ولا علاقة لذلك بالرسالة ولا بالشريعة، وتدعي أن الطب النبوي منسوب للنبي ولأنه تشريع مأمور به، إن ادعاءك هذا ادعاء باطل لا أساس له من الصحة، وسبقك في مثل هذا الادعاء عبدالرحمن بن خلدون في مقدمة كتابه في التاريخ حيث يقول: (وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص ويتداولونه متوارثاً عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض إلا أنه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج، وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره، والطب المنقول في الشرعيات «النبوات» من هذا القبيل وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عادياً للعرب ووقع في ذكر أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجِبِلة لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل، فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما بُعث ليعلمنا الشرائع ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات، وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع فقال: «أنتم أعلم بأمور دنياكم»، فلا ينبغي أن يُحمل شيء من الذي وقع من الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه اللهم إلا إن استعمل على جهة التبرك وصدق القصد الإيماني فيكون له أثر عظيم النفع، وليس ذلك من الطب المزاجي وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع مداواة البطون بالعسل ونحوه) انتهى كلام ابن خلدون. ورد عليه الإمام ابن القيم في كتابه زاد المعاد قائلاً (إن طب النبي - صلى الله عليه وسلم - متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب. ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة فإنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان). إلى أن قال: (إن طب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية، فإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع). وما ذكره ابن القيم هو الحقيقة عينها والصواب عينه. وإذا كنا نستعمل الأدوية النبوية في كثير من أمراضنا النفسية والحسية فلا مانع أن نستعمل الأدوية الحديثة والتقنيات والأجهزة التي تشخص الأمراض وكذلك معامل التحاليل السليمة.
محمد فهد العتيق - الرياض