Tuesday  19/10/2010 Issue 13900

الثلاثاء 11 ذو القعدة 1431  العدد  13900

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

           

الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يبتدع مذهبا جديدا في الإسلام ولم يأتِ بطريقة على غير مثال السلف الصالح، وإنما كان داعية للعودة إلى منهج السنة بعدما انتشرت البدع والخرافات لأسباب ليس المقام مقام سردها والتفصيل فيها...

.... قال الشيخ ابن باز رحمه الله عنه: «وقد قام بالدعوة إلى الله في النصف الثاني من القرن الثالث عشر في نجد في الدرعية وما حولها دعا إلى توحيد الله، وأنكر على الناس التعلق بالقبور والأموات والأصنام وتصديق الكهان والمنجمين وعبادة الأشجار والأحجار على طريقة السلف الصالح، على الطريقة التي بعث الله بها نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعلى الطريقة التي درج عليها أصحابه فدعا إلى الله ودعا معه العلماء الذين وفقهم الله لمعرفة الحق من أقاربه وأولاده وغيرهم وأظهر الله به الدين وأزال به الشر من نجد وما حولها، ثم انتشرت دعوته في اليمن والشام والعراق ومصر والهند وغير ذلك، وعرف المحققون صحة دعوته واستقامتها وأنه على الهدى والطريق القويم وأنه في الحقيقة مجدد لما اندرس من معالم الإسلام وليس مبتدعاً وليس له دين جديد ولا مذهب جديد، إنما دعا إلى توحيد الله واتباع شريعته والسير على منهج السلف الصالح من الصحابة ومن سلك سبيلهم». وسار على نهجه أئمة الدعوة حتى جاء سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم وسماحة الشيخ ابن باز وسماحة الشيخ ابن عثيمين وانتهاء بسماحة المفتي الوالد عبدالعزيز آل الشيخ، هؤلاء الأخيار كانوا أرحم الخلق بالخلق وأكثر العلماء فهماً لمقاصد الشريعة، وأبلغ الناس فهماً لشروط التكفير وأنواعه، قريبون من ولاة الأمر قربا لم يُفقِدهم هيبتهم ولم يكن على حساب دينهم وتقواهم، يناصحونهم بالسر ولذلك استمرت العلاقة حميمية بين الحاكم والعالم، لم يستخدموا المنابر لتكفير الناس وشتم الخلق ولم يستفزهم الصغار والأحداث السياسية والنوازل الطارئة مثلما انزلقت أقدام غيرهم في المستنقع القذر، ثابتون على مر الجديدين، وشامخون عبر كل هذه السنين، نعم هؤلاء أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، السلفي الأثري الإمام... تسمعهم في وسائل الإعلام فتأسرك نبرة أصواتهم المستفيضة بالرقة واللين والرحمة، وكنت في كل مرة أحضر فيها مناسبة يتحدث فيها سماحة المفتي الشيخ عبد العزيز تأسرني نبرة صوت هذا العالم الكبير، وفهمه الواسع، وانتقاؤه لكلماته وأدلته، وكثرة استشهاده بالقرآن والسنة، ولايعني خروج بعض الأتباع عن بعض هذا المنهج السلفي أن الخلل في ذلك المنهج لأنهم يمثلون أنفسهم، وقد تم الرد عليهم وتصحيح فهمهم للأدلة والنصوص.

هذه الوهابية المفترى عليها وهؤلاء الوهابيون المفترى عليهم، لأن الوهابية هي طريقة السلف الصالح والاستدلال بالحديث النبوي وتحقيق توحيد الله والفهم الحقيقي لطبيعة البشر وتنزيلهم منزلتهم من غير غلو وإطراء ابتداء بالرسل والأنبياء ومرورا بالأولياء والشهداء وانتهاء بمن هو محيط بهم وتنزيه صحابة رسول الله دون تفريق بينهم، فالمسؤولية علينا بحمايتها من الشوائب التي علقت بها، وتجريدها من السياسة، وتنزيه صاحبها الإمام المجدد الداعي إلى الله جل وعلا محمد بن عبد الوهاب من الأهداف السياسية، والمطامع الدنيوية، وأن نطلب من كل ظالم أن يجمع بين نصوص علمائها ولايختطف نصا من رحمه التاريخي دون عرضه على النصوص الأخرى لأن منهج الاختطاف يسيء لكل عالم ومنهم ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله فوصفوهما بالتناقض والقول المضطرب، وهذا السبب في عدم فهم المفترين لهم وللسلفية وعلمائها، وقد قرر العلماء أنه لايحكم على رأي عالم تناثرت آراؤه وتعددت إلا بعد جمع نصوصه المختلفة وعدم الاقتصار على نص دون آخر.

قال الإمام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - مُبَيّناً ظلم خصومه له: (وأما ما صدر من سؤال الأنبياء، والأولياء الشفاعة بعد موتهم وتعظيم قبورهم ببناء القباب عليها والسرج، والصلاة عندها واتخاذها أعياداً، وجعل السدنة والنذور لها، فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي -صلى الله عليه وسلم- وحذر منها، كما في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا تقوم الساعة، حتى يلحق حيٌّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان».

وهو صلى الله عليه وسلم حمى جناب التوحيد أعظم حماية، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر، وأن يبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم، من حديث جابر، وثبت فيه أيضاً: أنه بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأمره ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سوّاه، ولا تمثالاً إلا طمسه؛ ولهذا قال غير واحد من العلماء: يجب هدم القبب المبنية على القبور، لأنها أسست على معصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل بهم الأمر إلى أن كفّرُونا، وقاتلونا واستحلُّوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم، وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه، بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة؛ ممتثلين لقوله سبحانه وتعالى: ?وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ?، فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان، قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى: ?لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ?.

وقال الشيخ عبد الله بن الإمام محمد: «وهذا الدين الذي ندعو إليه، قد ظهر أمره وشاع وذاع، وملأ الأسماع، من مدة طويلة، وأكثر الناس بدّعونا، وخرّجونا، وعادونا عنده، وقاتلونا، واستحلوا دماءنا وأموالنا، ولم يكن لنا ذنب سوى تجريد التوحيد، والنهي عن دعوة غير الله والاستغاثة بغيره، وما أُحدِثَ من البدع والمنكرات، حتى غُلبوا وقُهِروا، فعند ذلك أذعنوا وأقروا بعد الإنكار). الدرر السنية (1-274).

زرت مكتبة التدمرية عصر يوم مبارك ووجدت كتاب الرسائل المتبادلة بين جمال القاسمي ومحمود شكري الألوسي، جمع وتحقيق محمد العجمي والكتاب قيمٌ في بابه، ومنصف في محتواه، وأدهشتني رسالة من رسائله تتعلق بالوهابية، وتكمن أهميتها من أوجه:

1- أن الرسالة مؤرخة في عام 1327هـ، ولم يتمكن جلالة الملك عبد العزيز في تلك الفترة من بسط نفوذه على بقية أجزاء مملكته حتى يظن الطاعنون أن إنصاف الوهابية والثناء عليها من باب المجاملة للنظام الحاكم في المملكة العربية السعودية، وكان الصراع بين الأطراف في تلك الفترة لم تتضح معالمه، وهذا يعطيها موضوعية ومصداقية.

2- أن العلماء الذين صدرت منهم هذه الرسالة ليسوا من أبناء الجزيرة العربية، وهذا يؤيد موضوعية الحكم على الوهابية، وحديثهم عنها حديث الخبير بدليل رسالة الشيخ محمود شكري الألوسي المؤرخة في ليلة الخميس 12 من المحرم سنة 1330هـ. قال ص 182: «وقد كاتبت بعض علماء نجد على استنساخه فوعدوا ولم يفوا، حتى إن حفيد الشيخ محمد بن عبدالوهاب شيخ النجديين كتب لي قبل أشهر كتابا ذكر لي فيه أن عندهم من كتب الشيخين ماليس عند أحد، وقال :أي كتاب تريده منها فنحن نرسله إليك مع كمال المسرّة، وطلب مني بعض الكتب فأرسلتها إليه، وطلبت منه أن يكتب لي بعض مؤلفات شيخ الإسلام ومنها رد البكري فلم يردني جواب إلى الآن، وكذلك كتبت إلى حائل فإن عند بعض علمائها عدة نسخ فلم تسمح نفوسهم بنسخة منها وإني لم أرَ مثل هؤلاء القوم في الشح أحدا أصلحهم الله».

والسيد محمد المكي بن عزوز التونسي المتوفى عام 1334هـ نزيل الأستانة كان من أشد المتعصبين للجهميين والقبوريين ثم بصّره الله تعالى الحق فاعتنقه وأصبح يدافع عنه، وقال عنه جمال الدين القاسمي الذي نقل كلامه ص102: «ثم عن الأستاذ الكبير صفينا البيطار لما زار الأستانة هذا العام مع الوفد الدمشقي زار السيد وجرّ البحث إلى مسائل سلفيّة، ثم إن الأستاذ كاتبه من شهر فأجابه الآن بجواب نقلت محلّ الشاهد منه، وأشرت إلى طالب عندنا فنقل صورة مانقلته وترونه طيّ هذا الكتاب» وهو يريد حديثه عن الوهابية.

وإليكم نقل جمال الدين القاسمي في رسالته المؤرخة في 20 ذي الحجة سنة 1327هـ لحديث السيد محمد المكي بن عزوز التونسي حينما سئل عن الوهابية، ومنها مايلي:

1-» وهؤلاء القادحون (في الوهابية) فيهم يقولون على سبيل القدح هم تابعون ابن تيمية أحمد تقي الدين فهنا جاء التناقض، فابن تيمية إمام في السنة كبير، وطود عظيم من أطواد العرفان، حافظ للسنة النبوية، ومذهب السلف، يذُبُّ عن الدين، ويقمع المارقين كالمعتزلة والقدرية والرافضة والجهمية، مافارق سبيل الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة قيد أنملة، وإن كان حنبليا في الفروع فهو في أصول الدين جامع لمذاهب الأربعة الأئمة، والأربعة الخلفاء الراشدين ومن سلك مسلكهم.

فإن كانت الوهابية حقيقة على منهج ابن تيمية وابن القيم ونحوهما من فقهاء الحنابلة السنيّة فهم أسعد الناس بالشريعة، لأن ابن تيمية وأصحابه لم يسيء القول فيهم إلا القاصرون عن درجاتهم علما وتحقيقا، والراسخون في العلم شهدوا بعلو مكانتهم وإن كان الوهابيون متصفين بالصفات الذميمة المشار إليها أولا فأول خصم لهم ابن تيمية ونظراؤه من أئمة الحنابلة، فليسوا بتابعيهم.

وبعض الناس يقولون الوهابية هم القائمون بالسنة، المتجنبون للبدع، المتبعون للحديث الشريف، وعلى مذهب أحمد بن حنبل وطريقة السلف في الاعتقاد.

وكنت قد طالعت الرسائل المؤلفة من محمد بن عبد الوهاب وأصحابه ورأيت ماكتبه الجبرتي في تاريخه من عقائدهم وسيرتهم فماهي إلا طريقة وليس فيها مايُنْكر».

2-»واعلموا أن من البلايا المتسلطة على الدين وإيمان المسلمين أنه صار الذي يصدع بالحديث النبوي الصحيح مُقَدِّماً له على عصارة المتفقهين يقال له أنت وهابي».

3-»وأحكي لكم لطيفة؛ كنت سألت بعض متفقهة مكة الحنفية عن رجل أعرفه من أكبر الفضلاء قلت له كيف حال فلان؟ فقال لي: ذلك وهابي. فقلت له: كيف وهابي؟ قال: يتبع البخاري. وقد سمعت كثيرا من الناس يقولون من يتبع الحديث فهو وهابي، ومن يعتقد عقيدة السلف فهو وهابي، فقلت لهم أنا لاأعرف الوهابية وكلامكم يدل على أنهم سنيُّون صرفا فقد مدحتموهم مدحا كبيرا من حيث قدحتم فيهم، نتمنى أن يكون مقلدة المذاهب كلهم هكذا إن كنتم صادقين فيما تقولونه، لكن الجاهل يهرف بما لايعرف ولذلك يقال له: «?سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ? وقال تعالى:»? وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ?.

أيها السادة بعد هذه الشهادات على منهج أئمة الدعوة يثبت أن مصطلح الوهابية من المصطلحات التي أطلقها أعداء الدعوة لتشويه هذا المنهج السلفي القويم، قال الشيخ ابن باز: «هذه التسمية الوهابية؟ ما رأيكم فيها؟ نسبة إلى الشيخ أبي الشيخ عبد الوهاب، والصواب محمدية لا وهابية، لأن الداعي محمد، محمد بن عبد الوهاب، لكن لقب لقَّبَهُ به الأعداء والخصوم، وإلا فلا أساس لها، دعوة لا أساس لها، هي محمدية من جهة الداعي محمد ومن جهة أنها على طريق محمد عليه الصلاة والسلام. إذن الأصح أن يقال الدعوة المحمدية؟ المحمدية، نعم، لكن الخصوم يأبون هذا لأجل التنفير، يقولون وهابية حتى ينفروا عنها»...وتبرز أهمية تحرير المصطلح من خلال قول الدكتور محمد عمارة فيقول: إن من المصطلحات الشائعة عند جمهور المثقفين والمفكرين ‹لا مشاحة في الاصطلاح› أي أنه لا حرج على أي باحث في استخدام المصطلح بصرف النظر عن البيئة الحضارية والإطار الفكري أو الملابسات المعرفية أو الفلسفية والعقائدية التي شاع فيها. ونحن إذا نظرنا إلى المصطلحات من زاوية المضامين التي توضع في أوعيتها.. ومن حيث الرسائل الفكرية التي حملتها الأدوات والمصطلحات فسوف تتغير الرؤية.. وقول الدكتور عبدالوهاب المسيري: إننا قد أدمنا عملية نقل المصطلحات دون إعمال فكر أو اجتهاد ودون فحص أو تمحيص، فأصبحت العلوم الإنسانية العربية عقلها في أذنيها.. ولهذا فقد الإنسان العربي الحديث القدرة على تسمية الأشياء.. ومن لا يسمي الأشياء يفقد السيطرة على الواقع والمقدرة على التعامل معه بكفاءة... والله من وراء القصد

abnthani@hotmail.com
 

الشَّيْخُ مُحَمَّد بْنُ عَبْدِالوَهَّابِ المُفْتَرَى عَلَيْه!!
د. عبد الله بن ثاني

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة