Saturday  13/11/2010 Issue 13925

السبت 07 ذو الحجة 1431  العدد  13925

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

 

نعم.. زواج القاصرات ليس ظاهرة
محمد بن صديق الحربي

رجوع

 

كنَّا مصادفة بعض الزملاء وأنا في مكتب معالي الدكتور زيد بن عبد المحسن آل حسين نائب رئيس هيئة حقوق الإنسان، عندما هاتفه أحد الأشخاص، وكان يتحدث والدكتور زيد يستمع باهتمام، وفي نهاية المكالمة قال معاليه جيد، ولكن لدي تعديل في كلمة واحدة وأبدى له إياها وانتهت المكالمة بشكره ثم التفت إلينا معاليه قائلاً: ليت جميع الصحفيين يهتمون بعملهم مثل هذا الصحفي في تحري الدقة ونقل الخبر.

بدأ معاليه يذكر لنا تفاصيل الموضوع، حيث تلقى دعوة من جامعة الخرج ضمن مهرجان الخرج (سياحة وتراث) وأثناء تجوال معاليه في معرض التراث قابله الصحفي (معيض الرفدي) مراسل صحيفة الوطن، الذي كان موجوداً لتغطية زيارات المعرض، وسأله عن المعرض وانطباعاته عنه، وختم لقاءه بسؤال نصه: هل يمثل زواج القاصرات ظاهرة؟ وكيف تتعامل الهيئة مع تلك الحالات؟ فكانت إجابة الدكتور حسبما جاء في نص الخبر: بأنها ليست ظاهرة، وأن منهج الهيئة في التعامل مع مثل هذه الحالات الدراسة والتعرف على ملابسات كل قضية على حدة، وبكل حياد، وعندما تظهر الحقيقة وتعرف ملابسات القضية من مصادرها وهي المحكمة، وأطراف القضية من الشاكي والمَشْكِي -وليست الصحافة مصدرها الوحيد - عندئذ تأخذ الهيئة جانب نصرة المظلوم، والغاية من ذلك هو تفويت الفرصة على من يحاول أن يدعي بغير الحق، أو تكون شكواه كيدية.

ومنهج التروي والتدقيق هو منهج اختطه خادم الحرمين الشريفين لمجلس الهيئة في لقائه مع أعضائه عندما تشرفوا بالسلام عليه - حفظه الله - بعد تشكيل المجلس، إذ أوصاهم بالتروي وعدم العجلة، عند النظر في ما يطرح عليهم من القضايا من أجل حماية وإحقاق الحقوق. وهو ما نشر في حينه في وسائل الإعلام جميعها.

إن هذا موقف يشكر للهيئة أن تتعامل مع القضايا من خلاله، وبلا ضجيج إعلامي - فما لهذا أنشئت - لكي يأخذ كل ذي حق حقه، كما أن لكل قضية ظروفها التي تفرض نوعية التعامل معها، وكل هذا يحتاج للتروي والتمحيص، ولكنه لا يعني الإهمال، أو «الانتظار إلى أن يصبح الظلم ظاهرة» كما علّق بذلك بعض من كتب حول الموضوع، وإن كنت أربأ به أن يلقي التهم جزافاً حتى من باب التساؤل، وتحميل الكلام مالا يحتمل لدرجة التفكير بأن (عنوان «هيئة حقوق الإنسان» مضلل لهذا الحد، أم أن النائب لا يعرف ما الذي يعنيه «حقوق الإنسان»، أم تراه مؤيدا لفكرة «جدد فراشك بطفلة»، لهذا لا يكترث لما يحدث للأطفال؟). وما طرح من خلال الخبر لا يبرر تناوله بهذا الشكل الذي كأنما يريد أن يقول إن المسئول يستنكر على الإعلام تفاعله مع مثل هذه القضايا، واختصارها بالعدد لا النوع، وتصبح المسألة مسألةً تراكمِّية لكي تتفاعل الهيئة مع الحالات التي تعرض عليها، وبالتالي يفرَّغ الموضوع من محتواه الأعمق، ومن أبسط مبادئ الموضوعية، وتصبح المسألة سطحية المعالم، ويبنى عليها موقف يتركز في استنكار واقع هو جزء من القضية يجب أن ينظر إليه ضمن شموليتها، لا أن يبتسر ويدور الحديث حوله فتضيع معه الجهود الحقيقية التي تبذل لمعالجة القضية، في حين أن الواقع يقول: إن الهيئة لا تنتظر تراكم القضايا في حال انتهاك أي حق من الحقوق، وتتحرك فوراً ولو كانت حالة واحدة تعرضت لانتهاك مهما كان نوع هذا الانتهاك، وهو ما سبق وأن صرح به معالي الدكتور زيد في أكثر من مناسبة.

والحق أن لمعالي الدكتور زيد - ومن خلال قربي منه - مواقفه المعروفة حول الموضوع، وهو في هذا على انسجام تام مع رئيسه، وزملائه في مجلس الهيئة، وله تصريحات كثيرة في هذا الشأن، استشهد منها بتصريحه الذي أو ضح فيه أن (موقف الهيئة ثابت من زواج القاصرات أو بالأحرى زواج الصغيرات، ولن يتغير وهو تأكيدها على الأضرار المترتبة على مثل هذا الزواج ورغبتها في تقييده من قبل ولي الأمر، منعا لحدوث هذه الأضرار. كما أن هذا الموضوع يدرس من قبل الهيئة دراسة متأنية ضمن مجموعة كبيرة من المفاهيم التي تتعلق بحقوق الإنسان من قبل علماء شرعيين، وتشاركها في هذا وزارة العدل، التي اشترطت على المأذونيين الشرعيين تحديد سن المرأة في دفاتر عقد القران، عند عقد النكاح، وتقوم حاليا بالإعداد لتنظيم جديد يقنن زواج القاصرات في المملكة. وسبق وأن طلبت الهيئة من وزارة الصحة دراسة ما يترتب على هذا النوع من الزواج من أضرار جسمية ونفسية، وتجاوبت معها الوزارة مشكورة، وحصلت الهيئة على تقرير وضَّحت فيه من قبل المختصين كثيراً من المشكلات التي يتعرض لها القاصرات نتيجة هذا النوع من الزواج، وأن التقرير الذي قدمته وزارة الصحة قد أثبت مسوغ هذه الدراسة الشرعية التي قاعدتها «دفع الضرر، وجلب المصلحة»).

كما أن القول بأنها ليست ظاهرة لا يعني أنه لا يجب أن يتضمن تناولها إعلامياً تعريف المتلقي بأنها حالات قليلة ولا توجد نسبة محددة، ولم تبلغ مستوى الظاهرة»، بل هي معلومة إضافية للخبر توضح موقف المجتمع السعودي من هذه القضية، إذ لا يعني معالجة سلبيات زواج القاصرات أن نقول بأنها ظاهرة ونتَّهم 24مليوناً من البشر، ونشوه صورة مجتمع بأسره هو يعاني من الصور النمطية المختلقة التي تخالف واقعه، وهو لا ينفي كذلك تفهم الهيئة لخطورة هذه القضية وأضرارها على المجتمع.

إن الذي أثار استغراب معالي الدكتور زيد هو أن ما قُرئ عليه شيء، وما ظهر في الصحافة شيء آخر، وهو - كما عبر عن ذلك - لا يشكك في نية الأخ المحرر فقد كان صادقاً ومبادراً ولديه رغبة أكيدة في الوصول إلى مقصود المُجيب، الذي هو امتداد لموقف الدكتور من هذا الموضوع، وما أوضحه للسائل من أن هذه القضية تصل أسوأ حالاتها عندما يكون الغرض منها الاستغلال المادي أو الكيدية لوالدة القاصر المطلقة، وهي حالات عرضت على الهيئة فعلاً.

إن استعجالنا في الحكم على نيات الناس من خلال خبر صحفي، ومحاكمتهم على ذلك دون معرفة الخلفيات التي قد تحدث، مثلما في الحالة التي أمامنا، هو تصرف أربأ بكتابنا الأعزاء أن يكون ديدناً لهم، إذ إن مطلع الخبر بهذه الصيغة، دون الإتيان بالسؤال، مدعاة للشك بأن المقصود منه الإثارة وليس الوصول للحقيقة، التي قد لا تروق للسائل رغم أنها تصف واقع الحال، فزواج القاصرات لا يعد ظاهرة، رغم أنه حاضر في ثقافة بعض شرائح المجتمع - وهم قلة قليلة جداً على كل حال - ولا يمكن تغيير هذه الثقافة بين يوم وليلة، أو بعصا سحرية، ومادام الشيء بالشيء يذكر فإن هناك ولايات في أمريكا التي هي قمة التحضر، تسمح بزواج الفتيات في سن الثالثة عشرة، وكذلك الفتيان، بشرط موافقة الأبوين، وهي تعد ظاهرة لديهم، فهل نستطيع أن نصف مجتمعنا بذلك؟

كما أن من ينظر إلى مقدمات الخبر وما نسب للدكتور زيد من حديث، لا يمكن أن يصل من خلاله إلى النتائج التي وصل إليها من كتب مقالة تعليقا على الخبر، إلا إذا كانت قراءته للخبر على غير ما يعرفه الناس!!

وأقول لأخي المحرر: الموضوع مسجل لديك، وأنا أدعوك أن تفرغ التسجيل بمثل ما هو دون إعادة صياغة، مع ضرورة الاحتفاظ بأصل التسجيل للرجوع إليه عند الحاجة، احتراما للحقيقة، لأني أعلم أن الدكتور زيد يختار عباراته بعناية: كيف لا وهو المتمرس في الإعلام، وقد سبق وان تولى رئاسة تحرير مجلة الفيصل المرموقة، ومن خلالها عرفته وتعلمت منه «أن الأصل أن تنشر رأي من وجهت له السؤال كما هو، حتى وإن كان ضد ما تريد أو تعتقد، ثم انتقد كما تشاء، ولا تداخل بين رأي المسئول ورأيك كمحرر، كي لا يلتبس الأمر على القارئ». وبمعنى آخر «أن تكتب بموضوعية وحيادية، وتفصل بين رأيك وعاطفتك من جهة، وبين ما تنقله على لسان الآخرين من جهة أخرى، فأنت ناقل خبر فقط، ولست كاتب رأي تقدمه للقراء».

إنني أجزم أن وعي الصحفي بما يتناوله من مواضيع -ولو كانت سؤالا عابرا لمسئول- يجب أن يحصنه بخلفية أساسية حول ما يتناوله من قضايا، وأن يجعل الهدف هو خدمة القضية، وليس محاولة خلق إثارة تسيء للسائل والمسئول على حدٍ سواء، وتبتعد عن الهدف الأسمى للصحافة وهو المساهمة في حل قضايا المجتمع، وتهذيب سلوكه وعاداته، وتكريس مفاهيم خيرة تجعلنا بإذن الله كما وصفنا الله عزَّ وجلَّ {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (110) سورة آل عمران. مرة أخرى أدعو الله أن يوفقنا لقول الحق، وأن لا نقف ما ليس لنا به علم أو نحمل الكلام ما لا يحتمل فالسمع والبصر نحن عنه مسئولون وعن كل أقوالنا محاسبون.

مستشار الإعلامي

 

رجوع

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة