Thursday  18/11/2010 Issue 13930

الخميس 12 ذو الحجة 1431  العدد  13930

ارسل ملاحظاتك حول موقعنا
   
     

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

           

طارت الأضحية في الرياض، وفاقت أسعارها هذا العام حدود الـ1500 ريال، وهو مبلغ لم يكن متوقعاً، خلال سنوات مضت عشتها هناك!

بعض أصدقائي السعوديين، تحسسوا جيوبهم، وحسبوها بذكاء..

وقرروا شراء كوبونات الأضحية.. والاستمتاع بالعيد بكل أجوائه ولقاءاته وتواصله.. ولكن في غياب الكبش العتيد!

ما لم يعرفه هؤلاء الأصدقاء، أن صويحبهم الشاطرابي، عانى في الخرطوم ما عانوه في الرياض، لكن بفارق بسيط، وهو أن (الكوبونات) ليست دارجة في السلوكيات العيدية السودانية حتى الآن، ولذلك فلم يكن من مفر سوى أمرين: فإما شراء الأضحية التي شابه سعرها سعر الرياض، أو رفع الراية البيضاء، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها!!

غلاء الأضاحي يمكن (فهمه) في الرياض، فالسعودية إحدى الدول المستوردة للأضاحي، بحكم أعداد الحجيج الكبيرة التي تأتي كل عام، وبحكم النمط الغذائي السعودي الذي يرفع استهلاك اللحوم وسط السعوديين، لكن المسألة يصعب فهمها في الخرطوم، حيث يشكل السودان إحدى أهم الدول المصدرة للماشية بأنواعها لدول الجوار، ولديه ثروة حيوانية مشهود بكثافتها إقليميا ودوليا!

لحسن الحظ، لا أعرف قليلاً أو كثيراً في المعادلات الاقتصادية، ولذلك فلست ممن يصيبهم الصداع في أدغال الحسابات والتبريرات، لكنني -على أي حال- صاحب اجتهادات، وأجدني أزعم أن فيروس الغلاء ، شأن كل الفيروسات المعروفة، ينتقل بالعدوى، ولا يستثني أحدا، لذلك، فليس غريبا أن تتطاير الأسعار، للأضحيات ولغيرها، في الخرطوم والرياض والقاهرة ولندن وباريس وجوهانسبرج وسدني وريودي جانيرو!!

تصوروا، عشنا أياما في الخرطوم.. نعاني من ارتفاع غير مسبوق في أسعار الطماطم، وكنت أظن أن المشكلة (خرطومية) بحتة، فإذا بي أقرأ في نفس الأيام أن الطماطم في الكويت قد جن جنونها، وأنها قد كسرت كل الحواجز السعرية وقتها، وأصبحت لأصحاب البحبوحة دون غيرهم من بقية الناس!!

وكنت قد غادرت الخرطوم قبل بضعة أشهر، متجها إلى القاهرة لبعض شؤوني، وظننت أن أذني سترتاح من شكاوي الغلاء المتعددة، والتي نستقبلها ليل نهار في الصحيفة السودانية التي أعمل بها، ولحظة ركوبي الطائرة طلبت من المضيفة صحيفة مصرية كبرى، فوجدتها تئن تحت وطأة الشاكين من الغلاء، وارتفاع الأسعار وجنونها!

طبعا بعض أصحاب الأمخاخ الحاسوبية، يعزون الغلاء للأزمة الاقتصادية العالمية، تلك التي سمعت بها كثيرا، ولا أفهم عنها -والحمد لله - شيئا، ولو سار هؤلاء على دربي، وعزوا الغلاء إلى الفيروس المعدي، والذي لا يستثني بلدا، لأراحوا أنفسهم، وأراحوا الأمخاخ التي لا تفهم المعادلات الاقتصادية الشائكة!

ومن أعجب الأشياء، أن الدنيا كلها تسير بسرعة في دروب الغلاء، رغم أن المدخولات المادية الحالية، تساوي أضعاف تلك التي كان يحصل عليها الآباء في أوقات رخية سابقة! وكنت أظن أن المسألة شيء عابر عاشه السابقون، لكنني تذكرت مدخولي المادي في بدايات حياتي العملية، وكيف أنه كان قليلاً في مقداره، عظيماً فيما يوفره من متطلبات، فعرفت أن هناك علاقة ما بين زيادة الدخل، والتهاب الأسعار، كما علمت أن المسلسل الدرامي مستمر، وأن تعاقب الأجيال لا يوقف حلقاته، بل يزيدها تعددا واستمرارا.

أظن أن فيروس الغلاء يمكن تقليم أظافره، بالتطعيم، والتطعيم يعني إكساب الناس المناعة اللازمة منه، ولأن المسألة أصبحت عالمية، وليس هناك بلد يمكن الهروب إليه، والتمتع بنعيم الرخاء فيه، دون احتراق الأصابع بلهب الغلاء، فأظن أن الأمم المتحدة، قد ظهر لها دور جديد، وهو حماية البشرية من عواصف الغلاء، بدلا من انشغالها بأشياء أخرى كثيرة، لا يمكن أن تكون بأهمية هذه الآفة التي تفتك بجيوب الناس دون رحمة!

المهم، عانيت في الخرطوم، مثل أصدقائي السعوديين في الرياض، من ارتفاع الأضحية الشديد هذا العام، وأظن أن الأسعار المتطايرة لم تستثن كبشا في العالم، طالما أن الكباش (سلعة) تنتابها فيروسات الغلاء، لكن العزاء أن العيد يظل عيدا، بتواصله، وصفاء النفوس فيه، والفرحة الغامرة بإطلالته الوضيئة الريانة، وبمناخات البشرى والفأل التي تكسوه، والتي ننسى معها كل الكدمات.. وكل الرضوض.. الناتجة من الركض الحياتي اليومي، وأنياب الغلاء التي لم تعد ترحم أحدا.

الخرطوم - shatarabi@hotmail.com
 

غلاء.. بلا حدود!
عبد الباسط شاطرابي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

حفظ  

 
 
 
للاتصال بنا الأرشيف جوال الجزيرة الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة